في البحث عن الأب المبكر لشعر المقاومة الفلسطينية
نيسان ـ نشر في 2026/10/05 الساعة 00:00
محمد توفيق صعابنة
سنُفهم الصخر إن لم يفهم البشر
أن الشعوب إذا هبّت ستنتصر
كم من عربي مرّ بهذين البيتين، حفظهما، رددهما في مظاهرة أو أمسية أو مجلس، وربما حملهما معه سنوات طويلة مثلما تُحمل الكلمات التي تفلت من الكتب لتعيش بين الناس، من غير أن يسأل: من كتب هذا؟
ذلك هو، على نحو يكاد يكون مؤلمًا، قدر راشد حسين نفسه: أن يبقى الكلام، ويتراجع صاحبه خطوة إلى العتمة. أن تنتصر القصيدة في معركة الذاكرة، بينما لا ينال الشاعر نصيبه الكامل من ذلك الانتصار.
وحين قدّم عز الدين المناصرة ديوان راشد حسين (أنا الأرض لا تحرميني المطر) سنة 1976، أشار إلى هذه المفارقة نفسها: كثيرون في الوطن والمنفى كانوا يحفظون أبياته ولا يعرفون أنها له. كانت الملاحظة مكتوبة وراشد لا يزال حيًا؛ أي إن الغياب لم يبدأ بعد موته في نيويورك، بل كان يتسلل إلى اسمه بينما كانت كلماته تمشي وحدها بين الناس.
ولعل ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نعود إليه اليوم: كيف يكون شاعر حاضرًا إلى هذا الحد في البدايات، ثم يغيب إلى هذا الحد عن روايتها؟
راشد حسين لم يأتِ متأخرًا إلى شعر المقاومة الفلسطينية، ولم يدخل إلى قاعة سبق أن جلس في صدرها محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد. كان هناك منذ البدايات الأولى، يوم كانت القاعة نفسها تُبنى، ويوم لم يكن الاسم الذي سيُطلق لاحقًا على هذا الأدب قد استقر بعد.
أصدر (مع الفجر) سنة 1957، ثم (صواريخ) سنة 1958. كان في مطلع العشرينيات، وكان الشعر الفلسطيني في الداخل يبحث، مثل الناس أنفسهم، عن طريقة للبقاء بعد الزلزال. لم تكن النكبة قد أصبحت ذكرى يمكن النظر إليها من بعيد؛ كانت ما تزال هواءً ثقيلًا يدخل البيوت، وأرضًا تُصادر، وقرى أزيلت، وأسماءً اختفت، وحكمًا عسكريًا يراقب الحركة والكلمة، وشعبًا بقي في وطنه لكنه وجد نفسه فجأة مفصولًا عن امتداده العربي والفلسطيني.
في مثل هذه الأزمنة لا تدخل القصيدة الحياة مرتدية ثياب الزينة وحدها.
تدخل وهي تحمل وظيفة.
عليها أن تقول للناس إنهم ما زالوا هنا. أن تجمع شظايا الجماعة في ضمير واحد. أن ترفع الرأس الذي أثقلته الهزيمة. أن تمنح الخوف اسمًا آخر، وأن تجعل من اللغة بيتًا مؤقتًا حين تتعرض البيوت نفسها للمحو.
ومن هنا ينبغي أن نفهم النبرة الخطابية التي طبعت كثيرًا من الشعر الفلسطيني في الداخل آنذاك. لم تكن خاصة براشد حسين. نجدها عند توفيق زيّاد، وعند سميح القاسم، وفي محمود درويش المبكر، كما نجدها عند راشد. ومن الظلم النقدي أن نحاكم تلك القصائد بأذن جاءت بعد نصف قرن، وأن نسألها لماذا رفعت صوتها؛ فقد كانت تكتب في زمن كان الصمت فيه جزءًا من الهزيمة.
كانت القصيدة مطالبة أحيانًا بأن تكون قصيدةً وهتافًا في آن.
وراشد حسين، أكثر من كثيرين، كان ابن تلك المسافة المشتعلة بين الورقة والمنبر.
لم يكن يكتب القصيدة ثم يتركها تنام في الديوان. كان يحملها إلى الناس. شارك في المهرجانات واللقاءات والمظاهرات، وجال في القرى ملقيًا شعره أمام جمهور كان يتلقاه سماعًا قبل أن يقرأه على الورق. وفي أيار 1958 اعتقلته السلطات الإسرائيلية بعد مشاركته في مظاهرات يوم العمال في الناصرة، ثم فُصل من عمله بسبب نشاطه السياسي. وقبل ذلك بأشهر وقف في مهرجان ثقافي في الناصرة يلقي (من آسيا أنا) إلى جانب عدد من مثقفي الداخل وأدبائه.
هنا يمكن أن نفهم شيئًا في موسيقى راشد.
الجمهور لم يكن يأتي بعد اكتمال القصيدة؛ كان حاضرًا في رحمها.
كانت الجملة تعرف أنها ستُقال بصوت عالٍ، ولذلك أحبّت الوضوح. وكان البيت يعرف أنه قد ينتقل من فم إلى فم، ولذلك أحب الإيقاع. وكانت القصيدة تعرف أن عيونًا كثيرة قد تنتظر منها، في لحظة واحدة، أن تحوّل الغضب إلى يقين، ولذلك جاءت فيها النداءات والتكرارات والنهايات التي تُحفظ سريعًا.
ربما لهذا استطاع بيت مثل (سنفهم الصخر) أن يغادر صاحبه ويواصل حياته مستقلًا عنه. إنه بيت خُلق، بوعي الشاعر أو من غير وعيه، كي لا يبقى حبرًا. فيه وقع القدم الجماعية، وفيه الصوت الذي يصلح أن يتكاثر حين تردده الحناجر.
لكن أجمل ما يمكن أن تقوله تجربة راشد دفاعًا عن نفسها هو أن الرجل لم يبق أسير ذلك الصوت.
فبعد سنوات، وفي نيويورك سنة 1974، يكتب إلى غزة:
متعبٌ من خُطَب الأقزام يا غزّة
إنها جملة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا؛ لأن شاعر المنبر الذي عرف ضرورة الخطاب الجماعي في البدايات صار هو نفسه يضيق بخطابة فقدت معناها. لم تعد القصيدة هنا تصرخ من أجل أن ترفع الجمهور، بل تراقب ما يحدث حين يصبح الكلام بديلًا من الفعل، وحين تُستهلك فلسطين في البلاغة. ومن قلب القصيدة نفسها يبدأ راشد محاكمة الخطابة التي كانت يومًا إحدى أدواته.
وهذا التحول مهم؛ لأنه يمنعنا من تجميد شاعر عاش عشرين سنة من الكتابة في صورة واحدة أخذناها من شبابه.
راشد حسين لم يكن شاعر منبر فحسب. فالمنبر كان بابًا من أبوابه، لا البيت كله.
في شعره أرض وامرأة ومطر ومنفى وقرية ومدن بعيدة وحنين لا يعرف دائمًا كيف يعود إلى بيته. وفي تجربته محاولة مستمرة للعثور على الحد الذي تستطيع عنده القصيدة أن تبقى فاعلة من غير أن تفقد جماليتها. وتصف سيرته النقدية ميله إلى لغة بسيطة نابعة من الحياة والمعايشة، تجمع الالتزام السياسي بالبحث عن القيمة الجمالية.
ولعل عنوان ديوانه الأخير وحده يكشف مقدار المسافة التي قطعها:
أنا الأرض لا تحرميني المطر
ليس (عن الأرض)، بل (أنا الأرض).
تلك النقلة الصغيرة في الضمير ليست صغيرة في الشعر. الأرض لم تعد موضوعًا يقف الشاعر أمامه ويصفه؛ دخلت جسده، واستعارت صوته، وصار هو استعارتها. والمطر لم يعد ظاهرة في الطبيعة، بل حاجة وجودية: ماءً وحبًا وعودةً وخصوبةً وشيئًا يشبه الخلاص. وفي إحدى قصائده يتجاوز الأمر العنوان إلى التصريح بالتماهي نفسه: (أنا الأرض)؛ حتى تكاد المسافة تنمحي بين الجسد والمكان.
وحين يدخل المرأة إلى هذا العالم، لا تبقى المرأة بعيدة عن الوطن أيضًا. يكفي أن يقول:
لون عينيك نخيل
فالجسد هنا يستعير نبات الأرض، والأرض تستعيد ملامحها في الوجه البشري. وتبين الدراسات التي تناولت المرأة في شعره أن حدود المرأة والوطن كثيرًا ما تتداخل إلى درجة يصعب معها فصل أحدهما عن الآخر.
هنا تحديدًا ينبغي البحث عن راشد حسين الذي غطت عليه أحيانًا صورة الشاعر السياسي: راشد الذي كان يحاول أن ينقل فلسطين من البيان إلى المجاز، ومن الخريطة إلى الجسد، ومن الشعار إلى المطر.
ثم جاء غسان كنفاني.
ولعله من الصعب اليوم أن نتخيل وقع اكتشاف أدب الداخل في الوعي العربي. سنوات من الفصل والحصار جعلت الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعيدين عن مركز المشهد الثقافي العربي، ثم جاءت النصوص من هناك لتقول شيئًا مختلفًا تمامًا: هؤلاء الذين ظُن أنهم قد انقطعوا عن فلسطين كانوا يحرسونها باللغة.
حين تناول كنفاني أدب المقاومة الفلسطينية في الستينيات، لم يكن يؤدي عمل الناقد وحده؛ كان يفتح نافذة في جدار العزلة. وكان من أوائل من التقط الظاهرة الشعرية والأدبية الصاعدة داخل الأرض المحتلة وبلور مفهوم (أدب المقاومة)، ثم جاء عمله النقدي ليعرّف القارئ العربي بأدب الداخل وظروفه.
وهنا أيضًا كان راشد في الصورة.
لم يكن تابعًا للمصطلح؛ كان أحد الذين سبقوه. حين جاء اسم (أدب المقاومة) ليصف الظاهرة، كان راشد قد أصدر ديوانين، وخاض معارك السياسة والمنبر والشارع، وكتب من قلب التجربة التي سيأتي النقد لاحقًا ليسميها ويصنفها.
كان الشعر موجودًا قبل أن يجد الناقد له الاسم.
وكان راشد هناك.
لكن التاريخ الأدبي لا يحفظ دائمًا جميع الذين حضروا لحظة الولادة بالدرجة نفسها.
تقدم محمود درويش حتى صار اسمه يكاد يختصر الشعر الفلسطيني عالميًا. واستقر سميح القاسم في الذاكرة واحدًا من أعمدة شعر المقاومة. وحفر توفيق زيّاد قصائده في الوجدان الشعبي والسياسي. أما راشد حسين، الذي كان هناك مبكرًا، فقد بدأت صورته تنسحب ببطء إلى الخلف.
لماذا؟
ليس ثمة جواب واحد يكفي.
غادر البلاد، وعاش في أوروبا ثم الولايات المتحدة، فانقطعت تلك العلاقة اليومية التي كانت تجمعه بالقرية والمنبر والجمهور. وابتعد عن البيئة الثقافية التي استمرت فيها أسماء مثل القاسم وزيّاد، وعن شبكة الصحافة والمؤسسات التي لعب فيها الحزب الشيوعي ومنابره دورًا كبيرًا في إبقاء الإنتاج الأدبي الفلسطيني في الداخل حاضرًا ومتداولًا.
وكانت علاقته السياسية أكثر التباسًا من أن توضع تحت لافتة واحدة. عمل في صحافة (مابام)، لكنه خرج من الحزب إثر خلافات سياسية وفكرية، وكان من مؤسسي (حركة الأرض) القومية العربية التي واجهت الحكم العسكري ومصادرة الأراضي. ولذلك يبدو اختزاله في عبارة (شاعر مابام) ظلمًا آخر يضاف إلى سيرته؛ فالرجل نفسه لم يبق في المكان الذي يراد أحيانًا سجنه فيه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نبحث عن مؤامرة سهلة تفسر غيابه.
فالمنفى وحده لا يكفي. محمود درويش غادر فلسطين أيضًا، لكنه حوّل المنفى إلى قارة شعرية كاملة.
والسياسة وحدها لا تكفي.
وربما كان السبب الأكثر قسوة وبساطة هو الزمن نفسه.
مات راشد حسين سنة 1977 وهو في الأربعين من عمره، وكانت تجربته قد توقفت عند ثلاثة دواوين أساسية، وكان آخرها قد صدر قبل موته بعام واحد فقط. أما درويش والقاسم فقد واصلا الكتابة عقودًا بعد ذلك، وتحوّلت تجاربهما، واتسعت، وراجعت نفسها، وخرجت من كثير من البدايات الخطابية إلى أسئلة أكثر تركيبًا في اللغة والوجود والموت والهوية.
وهنا يصبح من الظلم أن نضع النهاية إلى جانب النهاية.
نحن، في الحقيقة، نقارن تجربة اكتملت بتجربة انكسرت وهي لا تزال في الطريق.
ولا نعرف ماذا كان يمكن أن يفعل راشد باللغة لو عاش عشرين أو ثلاثين سنة أخرى. وهذا سؤال لا يستطيع النقد أن يجيب عنه؛ فالشعر لا يُقاس بما كان يمكن أن يُكتب، وإنما بما كُتب. لكن السؤال يظل ضروريًا كي نتذكر أن الفارق بين التجارب لم يكن موهبةً فقط، بل كان زمنًا أيضًا.
واللافت أن محمود درويش نفسه لم يترك راشد في النسيان. رثاه في (كان ما سوف يكون)، فعاد راشد إلى الشعر من باب شاعر آخر، كأن القصيدة أرادت أن تستعيد واحدًا من أبنائها قبل أن يأخذه الغياب كله.
ثم عاد إلياس خوري، بعد عقود، ليمنحه التعبير الذي يكاد يطابق مصيره كله: (الغائب الحاضر)، وليصفه بأنه (أب الشعر الفلسطيني من دون أن يدري)، شاعرًا حمل في تجربته تردد البدايات وهفواتها وجمالياتها.
وتلك عبارة مهمة؛ لأنها تعيد كلمة (الأب) إلى معناها الصحيح.
الأبوة هنا لا تعني التفوق.
قد يتجاوز الأبناء آباءهم، وهذا هو المعنى الطبيعي للحياة والفن. وقد يبلغ محمود درويش مناطق في الشعر لم يبلغها راشد حسين، وقد تتسع تجربة سميح القاسم بعد السنوات التي أُغلقت في وجه راشد. وليس المطلوب أن نخفض أحدًا لكي نرفع الآخر.
فالجبل لا يصير أعلى إذا محونا الجبال التي حوله.
المطلوب فقط أن نعيد ترتيب الضوء.
أن نقول إن البدايات لا تصبح أقل أهمية لأن ما جاء بعدها صار أكثر نضجًا. وإن الشاعر الذي حمل القصيدة إلى الناس يوم كانت القصيدة بحاجة إلى أن تمشي على قدميها بين القرى والمظاهرات، والذي سبق إلى صناعة ذلك الصوت الجماعي الذي سيُعرف لاحقًا باسم شعر المقاومة، يستحق ألا يبقى هامشًا في الحكاية التي ساهم في كتابتها.
راشد حسين ليس شاعرًا نحتاج إلى إنقاذه من الموت؛ فالبيت الذي ظل يتردد بعد صاحبه أنقذ نفسه منذ زمن.
ما يحتاج إلى الإنقاذ هو ذاكرتنا نحن.
ذاكرة تميل أحيانًا إلى أن تختصر الأزمنة في اسم واحد، وأن تجعل القمة تحجب السفوح التي حملتها، وأن تنسى أن الأصوات الكبيرة لا تولد في الفراغ، بل تأتي من أصوات سبقتها ومهدت لها الطريق، ثم وقفت، أحيانًا، بعيدًا عن عدسة الصورة.
ربما لم يكن راشد حسين (الأب) الوحيد لشعر المقاومة الفلسطينية، وربما كان الأدق أن نراه واحدًا من آبائه المبكرين. لكن المؤكد أنه كان هناك، قريبًا من نار البداية، قبل أن تستقر الأسماء وتُصنع التراتبيات وتكتب الذاكرة روايتها الأخيرة.
كان هناك حين احتاج الفلسطيني الذي بقي في أرضه إلى صوت يقول له إن البقاء ليس هزيمة.
كان هناك حين احتاجت القصيدة إلى أن تصير منبرًا.
وكان هناك حين لم يكن العالم العربي قد اكتشف بعد أن وراء الجدار شعبًا يكتب ويغضب ويغني.
وكان هناك أيضًا، بعد أن ابتعد المنبر، حين بدأ الشاعر يسمع في صوته ما لم يكن يسمعه في شبابه، ويتعب من الخطب، ويبحث تحت رماد الهتاف عن نار أخرى للشعر.
ثم غاب الرجل، وبقي صوته يتنقل من فم إلى فم.
وهذه ربما أجمل مفارقة يمكن أن يتركها شاعر وراءه، وأكثرها قسوة:
أن تنسى الذاكرة اسمك قليلًا،
لكنها لا تستطيع أن تنسى ما قلت.
سنُفهم الصخر إن لم يفهم البشر
أن الشعوب إذا هبّت ستنتصر
كم من عربي مرّ بهذين البيتين، حفظهما، رددهما في مظاهرة أو أمسية أو مجلس، وربما حملهما معه سنوات طويلة مثلما تُحمل الكلمات التي تفلت من الكتب لتعيش بين الناس، من غير أن يسأل: من كتب هذا؟
ذلك هو، على نحو يكاد يكون مؤلمًا، قدر راشد حسين نفسه: أن يبقى الكلام، ويتراجع صاحبه خطوة إلى العتمة. أن تنتصر القصيدة في معركة الذاكرة، بينما لا ينال الشاعر نصيبه الكامل من ذلك الانتصار.
وحين قدّم عز الدين المناصرة ديوان راشد حسين (أنا الأرض لا تحرميني المطر) سنة 1976، أشار إلى هذه المفارقة نفسها: كثيرون في الوطن والمنفى كانوا يحفظون أبياته ولا يعرفون أنها له. كانت الملاحظة مكتوبة وراشد لا يزال حيًا؛ أي إن الغياب لم يبدأ بعد موته في نيويورك، بل كان يتسلل إلى اسمه بينما كانت كلماته تمشي وحدها بين الناس.
ولعل ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نعود إليه اليوم: كيف يكون شاعر حاضرًا إلى هذا الحد في البدايات، ثم يغيب إلى هذا الحد عن روايتها؟
راشد حسين لم يأتِ متأخرًا إلى شعر المقاومة الفلسطينية، ولم يدخل إلى قاعة سبق أن جلس في صدرها محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد. كان هناك منذ البدايات الأولى، يوم كانت القاعة نفسها تُبنى، ويوم لم يكن الاسم الذي سيُطلق لاحقًا على هذا الأدب قد استقر بعد.
أصدر (مع الفجر) سنة 1957، ثم (صواريخ) سنة 1958. كان في مطلع العشرينيات، وكان الشعر الفلسطيني في الداخل يبحث، مثل الناس أنفسهم، عن طريقة للبقاء بعد الزلزال. لم تكن النكبة قد أصبحت ذكرى يمكن النظر إليها من بعيد؛ كانت ما تزال هواءً ثقيلًا يدخل البيوت، وأرضًا تُصادر، وقرى أزيلت، وأسماءً اختفت، وحكمًا عسكريًا يراقب الحركة والكلمة، وشعبًا بقي في وطنه لكنه وجد نفسه فجأة مفصولًا عن امتداده العربي والفلسطيني.
في مثل هذه الأزمنة لا تدخل القصيدة الحياة مرتدية ثياب الزينة وحدها.
تدخل وهي تحمل وظيفة.
عليها أن تقول للناس إنهم ما زالوا هنا. أن تجمع شظايا الجماعة في ضمير واحد. أن ترفع الرأس الذي أثقلته الهزيمة. أن تمنح الخوف اسمًا آخر، وأن تجعل من اللغة بيتًا مؤقتًا حين تتعرض البيوت نفسها للمحو.
ومن هنا ينبغي أن نفهم النبرة الخطابية التي طبعت كثيرًا من الشعر الفلسطيني في الداخل آنذاك. لم تكن خاصة براشد حسين. نجدها عند توفيق زيّاد، وعند سميح القاسم، وفي محمود درويش المبكر، كما نجدها عند راشد. ومن الظلم النقدي أن نحاكم تلك القصائد بأذن جاءت بعد نصف قرن، وأن نسألها لماذا رفعت صوتها؛ فقد كانت تكتب في زمن كان الصمت فيه جزءًا من الهزيمة.
كانت القصيدة مطالبة أحيانًا بأن تكون قصيدةً وهتافًا في آن.
وراشد حسين، أكثر من كثيرين، كان ابن تلك المسافة المشتعلة بين الورقة والمنبر.
لم يكن يكتب القصيدة ثم يتركها تنام في الديوان. كان يحملها إلى الناس. شارك في المهرجانات واللقاءات والمظاهرات، وجال في القرى ملقيًا شعره أمام جمهور كان يتلقاه سماعًا قبل أن يقرأه على الورق. وفي أيار 1958 اعتقلته السلطات الإسرائيلية بعد مشاركته في مظاهرات يوم العمال في الناصرة، ثم فُصل من عمله بسبب نشاطه السياسي. وقبل ذلك بأشهر وقف في مهرجان ثقافي في الناصرة يلقي (من آسيا أنا) إلى جانب عدد من مثقفي الداخل وأدبائه.
هنا يمكن أن نفهم شيئًا في موسيقى راشد.
الجمهور لم يكن يأتي بعد اكتمال القصيدة؛ كان حاضرًا في رحمها.
كانت الجملة تعرف أنها ستُقال بصوت عالٍ، ولذلك أحبّت الوضوح. وكان البيت يعرف أنه قد ينتقل من فم إلى فم، ولذلك أحب الإيقاع. وكانت القصيدة تعرف أن عيونًا كثيرة قد تنتظر منها، في لحظة واحدة، أن تحوّل الغضب إلى يقين، ولذلك جاءت فيها النداءات والتكرارات والنهايات التي تُحفظ سريعًا.
ربما لهذا استطاع بيت مثل (سنفهم الصخر) أن يغادر صاحبه ويواصل حياته مستقلًا عنه. إنه بيت خُلق، بوعي الشاعر أو من غير وعيه، كي لا يبقى حبرًا. فيه وقع القدم الجماعية، وفيه الصوت الذي يصلح أن يتكاثر حين تردده الحناجر.
لكن أجمل ما يمكن أن تقوله تجربة راشد دفاعًا عن نفسها هو أن الرجل لم يبق أسير ذلك الصوت.
فبعد سنوات، وفي نيويورك سنة 1974، يكتب إلى غزة:
متعبٌ من خُطَب الأقزام يا غزّة
إنها جملة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا؛ لأن شاعر المنبر الذي عرف ضرورة الخطاب الجماعي في البدايات صار هو نفسه يضيق بخطابة فقدت معناها. لم تعد القصيدة هنا تصرخ من أجل أن ترفع الجمهور، بل تراقب ما يحدث حين يصبح الكلام بديلًا من الفعل، وحين تُستهلك فلسطين في البلاغة. ومن قلب القصيدة نفسها يبدأ راشد محاكمة الخطابة التي كانت يومًا إحدى أدواته.
وهذا التحول مهم؛ لأنه يمنعنا من تجميد شاعر عاش عشرين سنة من الكتابة في صورة واحدة أخذناها من شبابه.
راشد حسين لم يكن شاعر منبر فحسب. فالمنبر كان بابًا من أبوابه، لا البيت كله.
في شعره أرض وامرأة ومطر ومنفى وقرية ومدن بعيدة وحنين لا يعرف دائمًا كيف يعود إلى بيته. وفي تجربته محاولة مستمرة للعثور على الحد الذي تستطيع عنده القصيدة أن تبقى فاعلة من غير أن تفقد جماليتها. وتصف سيرته النقدية ميله إلى لغة بسيطة نابعة من الحياة والمعايشة، تجمع الالتزام السياسي بالبحث عن القيمة الجمالية.
ولعل عنوان ديوانه الأخير وحده يكشف مقدار المسافة التي قطعها:
أنا الأرض لا تحرميني المطر
ليس (عن الأرض)، بل (أنا الأرض).
تلك النقلة الصغيرة في الضمير ليست صغيرة في الشعر. الأرض لم تعد موضوعًا يقف الشاعر أمامه ويصفه؛ دخلت جسده، واستعارت صوته، وصار هو استعارتها. والمطر لم يعد ظاهرة في الطبيعة، بل حاجة وجودية: ماءً وحبًا وعودةً وخصوبةً وشيئًا يشبه الخلاص. وفي إحدى قصائده يتجاوز الأمر العنوان إلى التصريح بالتماهي نفسه: (أنا الأرض)؛ حتى تكاد المسافة تنمحي بين الجسد والمكان.
وحين يدخل المرأة إلى هذا العالم، لا تبقى المرأة بعيدة عن الوطن أيضًا. يكفي أن يقول:
لون عينيك نخيل
فالجسد هنا يستعير نبات الأرض، والأرض تستعيد ملامحها في الوجه البشري. وتبين الدراسات التي تناولت المرأة في شعره أن حدود المرأة والوطن كثيرًا ما تتداخل إلى درجة يصعب معها فصل أحدهما عن الآخر.
هنا تحديدًا ينبغي البحث عن راشد حسين الذي غطت عليه أحيانًا صورة الشاعر السياسي: راشد الذي كان يحاول أن ينقل فلسطين من البيان إلى المجاز، ومن الخريطة إلى الجسد، ومن الشعار إلى المطر.
ثم جاء غسان كنفاني.
ولعله من الصعب اليوم أن نتخيل وقع اكتشاف أدب الداخل في الوعي العربي. سنوات من الفصل والحصار جعلت الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعيدين عن مركز المشهد الثقافي العربي، ثم جاءت النصوص من هناك لتقول شيئًا مختلفًا تمامًا: هؤلاء الذين ظُن أنهم قد انقطعوا عن فلسطين كانوا يحرسونها باللغة.
حين تناول كنفاني أدب المقاومة الفلسطينية في الستينيات، لم يكن يؤدي عمل الناقد وحده؛ كان يفتح نافذة في جدار العزلة. وكان من أوائل من التقط الظاهرة الشعرية والأدبية الصاعدة داخل الأرض المحتلة وبلور مفهوم (أدب المقاومة)، ثم جاء عمله النقدي ليعرّف القارئ العربي بأدب الداخل وظروفه.
وهنا أيضًا كان راشد في الصورة.
لم يكن تابعًا للمصطلح؛ كان أحد الذين سبقوه. حين جاء اسم (أدب المقاومة) ليصف الظاهرة، كان راشد قد أصدر ديوانين، وخاض معارك السياسة والمنبر والشارع، وكتب من قلب التجربة التي سيأتي النقد لاحقًا ليسميها ويصنفها.
كان الشعر موجودًا قبل أن يجد الناقد له الاسم.
وكان راشد هناك.
لكن التاريخ الأدبي لا يحفظ دائمًا جميع الذين حضروا لحظة الولادة بالدرجة نفسها.
تقدم محمود درويش حتى صار اسمه يكاد يختصر الشعر الفلسطيني عالميًا. واستقر سميح القاسم في الذاكرة واحدًا من أعمدة شعر المقاومة. وحفر توفيق زيّاد قصائده في الوجدان الشعبي والسياسي. أما راشد حسين، الذي كان هناك مبكرًا، فقد بدأت صورته تنسحب ببطء إلى الخلف.
لماذا؟
ليس ثمة جواب واحد يكفي.
غادر البلاد، وعاش في أوروبا ثم الولايات المتحدة، فانقطعت تلك العلاقة اليومية التي كانت تجمعه بالقرية والمنبر والجمهور. وابتعد عن البيئة الثقافية التي استمرت فيها أسماء مثل القاسم وزيّاد، وعن شبكة الصحافة والمؤسسات التي لعب فيها الحزب الشيوعي ومنابره دورًا كبيرًا في إبقاء الإنتاج الأدبي الفلسطيني في الداخل حاضرًا ومتداولًا.
وكانت علاقته السياسية أكثر التباسًا من أن توضع تحت لافتة واحدة. عمل في صحافة (مابام)، لكنه خرج من الحزب إثر خلافات سياسية وفكرية، وكان من مؤسسي (حركة الأرض) القومية العربية التي واجهت الحكم العسكري ومصادرة الأراضي. ولذلك يبدو اختزاله في عبارة (شاعر مابام) ظلمًا آخر يضاف إلى سيرته؛ فالرجل نفسه لم يبق في المكان الذي يراد أحيانًا سجنه فيه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نبحث عن مؤامرة سهلة تفسر غيابه.
فالمنفى وحده لا يكفي. محمود درويش غادر فلسطين أيضًا، لكنه حوّل المنفى إلى قارة شعرية كاملة.
والسياسة وحدها لا تكفي.
وربما كان السبب الأكثر قسوة وبساطة هو الزمن نفسه.
مات راشد حسين سنة 1977 وهو في الأربعين من عمره، وكانت تجربته قد توقفت عند ثلاثة دواوين أساسية، وكان آخرها قد صدر قبل موته بعام واحد فقط. أما درويش والقاسم فقد واصلا الكتابة عقودًا بعد ذلك، وتحوّلت تجاربهما، واتسعت، وراجعت نفسها، وخرجت من كثير من البدايات الخطابية إلى أسئلة أكثر تركيبًا في اللغة والوجود والموت والهوية.
وهنا يصبح من الظلم أن نضع النهاية إلى جانب النهاية.
نحن، في الحقيقة، نقارن تجربة اكتملت بتجربة انكسرت وهي لا تزال في الطريق.
ولا نعرف ماذا كان يمكن أن يفعل راشد باللغة لو عاش عشرين أو ثلاثين سنة أخرى. وهذا سؤال لا يستطيع النقد أن يجيب عنه؛ فالشعر لا يُقاس بما كان يمكن أن يُكتب، وإنما بما كُتب. لكن السؤال يظل ضروريًا كي نتذكر أن الفارق بين التجارب لم يكن موهبةً فقط، بل كان زمنًا أيضًا.
واللافت أن محمود درويش نفسه لم يترك راشد في النسيان. رثاه في (كان ما سوف يكون)، فعاد راشد إلى الشعر من باب شاعر آخر، كأن القصيدة أرادت أن تستعيد واحدًا من أبنائها قبل أن يأخذه الغياب كله.
ثم عاد إلياس خوري، بعد عقود، ليمنحه التعبير الذي يكاد يطابق مصيره كله: (الغائب الحاضر)، وليصفه بأنه (أب الشعر الفلسطيني من دون أن يدري)، شاعرًا حمل في تجربته تردد البدايات وهفواتها وجمالياتها.
وتلك عبارة مهمة؛ لأنها تعيد كلمة (الأب) إلى معناها الصحيح.
الأبوة هنا لا تعني التفوق.
قد يتجاوز الأبناء آباءهم، وهذا هو المعنى الطبيعي للحياة والفن. وقد يبلغ محمود درويش مناطق في الشعر لم يبلغها راشد حسين، وقد تتسع تجربة سميح القاسم بعد السنوات التي أُغلقت في وجه راشد. وليس المطلوب أن نخفض أحدًا لكي نرفع الآخر.
فالجبل لا يصير أعلى إذا محونا الجبال التي حوله.
المطلوب فقط أن نعيد ترتيب الضوء.
أن نقول إن البدايات لا تصبح أقل أهمية لأن ما جاء بعدها صار أكثر نضجًا. وإن الشاعر الذي حمل القصيدة إلى الناس يوم كانت القصيدة بحاجة إلى أن تمشي على قدميها بين القرى والمظاهرات، والذي سبق إلى صناعة ذلك الصوت الجماعي الذي سيُعرف لاحقًا باسم شعر المقاومة، يستحق ألا يبقى هامشًا في الحكاية التي ساهم في كتابتها.
راشد حسين ليس شاعرًا نحتاج إلى إنقاذه من الموت؛ فالبيت الذي ظل يتردد بعد صاحبه أنقذ نفسه منذ زمن.
ما يحتاج إلى الإنقاذ هو ذاكرتنا نحن.
ذاكرة تميل أحيانًا إلى أن تختصر الأزمنة في اسم واحد، وأن تجعل القمة تحجب السفوح التي حملتها، وأن تنسى أن الأصوات الكبيرة لا تولد في الفراغ، بل تأتي من أصوات سبقتها ومهدت لها الطريق، ثم وقفت، أحيانًا، بعيدًا عن عدسة الصورة.
ربما لم يكن راشد حسين (الأب) الوحيد لشعر المقاومة الفلسطينية، وربما كان الأدق أن نراه واحدًا من آبائه المبكرين. لكن المؤكد أنه كان هناك، قريبًا من نار البداية، قبل أن تستقر الأسماء وتُصنع التراتبيات وتكتب الذاكرة روايتها الأخيرة.
كان هناك حين احتاج الفلسطيني الذي بقي في أرضه إلى صوت يقول له إن البقاء ليس هزيمة.
كان هناك حين احتاجت القصيدة إلى أن تصير منبرًا.
وكان هناك حين لم يكن العالم العربي قد اكتشف بعد أن وراء الجدار شعبًا يكتب ويغضب ويغني.
وكان هناك أيضًا، بعد أن ابتعد المنبر، حين بدأ الشاعر يسمع في صوته ما لم يكن يسمعه في شبابه، ويتعب من الخطب، ويبحث تحت رماد الهتاف عن نار أخرى للشعر.
ثم غاب الرجل، وبقي صوته يتنقل من فم إلى فم.
وهذه ربما أجمل مفارقة يمكن أن يتركها شاعر وراءه، وأكثرها قسوة:
أن تنسى الذاكرة اسمك قليلًا،
لكنها لا تستطيع أن تنسى ما قلت.
نيسان ـ نشر في 2026/10/05 الساعة 00:00