زائد عن الحاجة
نيسان ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 00:00
قرأت مرة، ولا أذكر أين، أن من يحافظون على روتين حياتهم اليومي يتسمون باستقرارٍ نفسي. لا أدري مدى صحة ذلك علميا، لكنه طمأنني حينها.
صباح اليوم مغرٍ بكسر الروتين: الشمس محجوبة بعد أشهر لاهبة، وساعة الهاتف تشير إلى السابعة والنصف، إذن فقد أشرقت، ولكن على غير العادة لم أجفل، كما يحدث يوميا، من زوامير باصات المدرسة، حتى سيارة الغاز لا أثر لها. الخارج هادئ من وراء الشبابيك. وقفت في البلكونة ولكن ليس كما تعودت، أطِل وأرجع إلى المطبخ. الأرض مبتلة ولا طريق يلصف بعد حمّام مطري. أركيت جذعي على الحافة واستنشقت رائحة التراب العذية. ما بقي من ورق ازداد اخضرارا. لا أحد على مدّ النظر سوى سيارات أشبه بالعلب المتحركة في خط إنتاج مصنع.
غليت فنجان قهوة وعدت كي لا يفوتني سحر المشهد. لا أرغب في العودة إلى الروتين، حيث نشرة الأخبار ومتابعة آخر مقتلة وسقطة عربية ومسيرة احتجاجية في الغرب. كل شيء هذا الصباح على غير روتيني الثابت. البيوت لا شك شبه فارغة من ناسها: الأطفال في مدارسهم والموظفون في مكاتبهم، ومن تبقى من الأمهات قد يرفعن ملابس الصيف ويرتبن الشتوي في الخزائن. عنّت على بالي أغنية فيروز "رجعت الشتوية"، مناسبة جدا لهذه البانوراما ولحالة الحرية التي أمارسها الآن. كرم الزيتون بدأت تتناقص شجراته بعد أن بنى مالكوه فيه بعض البيوت، وكلما تطلعتُ نحوه شعرت بغصّة.
نظرت إلى حيث مكان شجرة التين التي كانت في زاويته، وكنت أقطف منها حبّات عندما أمرّ بها. الآن حلّت مكانها حاوية، والحاوية طافحة، بل تناثرت من حولها أكياس سوداء. على غير روتينها أيضا لم تظهر شاحنة النفايات ولا حتى بكبّات النباشين. أعرفهما، الاثنين، من نوع "كيا" زرقاء وبيضاء، بل إنني سبق أن ذهبتُ في سياحة استطلاعية إلى الشارع الذي يفرغ فيه النباشون ويفرزون ما حصّلوه من حاويات المدينة. ومرة أشرت عليهم بتشكيل رابطة أو نقابة للنباشين، تدافع عن حقوقهم وتنظم عملهم، وتبرعت بمساعدتهم في عمل ويب سايت لها على الإنترنت، حيث يمكنهم أيضا عبره الإعلان عن شواغر عمل للمبطلين والمعطلين، بلا طلب خبرة طبعا. وأعجبتهم نصيحتي تلك، إلا أنها لم ترَ النور حتى الآن.
في خضم ذلك المونولوج مع النفس، ومع بدء رغبتي في الدخول إلى البيت، لمحت رجلا يحمل شوالا على كتفه ويبدأ في نبش الحاوية التي صارت "تينة". استندت من جديد أستطلعه. يتناول ويرمي كمن يغرف من قدر. فرّت القطط الثلاث التي كانت متعنكشة على الأكياس الملقاة. ركزت جيدا، لا، ليس تخيلا. قبل أيام فحصت نظري في محل نظارات مجانًا، ما زال ستة على ستة. أخرج كيسا ومزقه، رفع بين يديه قميصا، نفضه ولبسه فوق قميصه. عركت عيني، ليس تخيلا. تركه مفتوحا، مد يده وأخرج "بنطالون"، شلح الشبشب ودسّه في رجليه فوق بنطلونه، زرّره وراح ينفض جوانبه كلها كأنه يزيل عنه غبار باطون. ظللت أتفرج كيف سينتهي المشهد الذي لم أعد أدري هل هو روتيني أم لا روتيني في هذا الزمن. لم يظهر أحد في الشارع. عكم شواله على كتفه ومضى، بعد أن سد حاجته، غاب بين ما تبقى من شجيرات الزيتون.
برد فنجان القهوة ولا أدري متى سكتت فيروز.. أدرت ظهري للسحر الذي كان، وأطلّت سيارة الخردة تزعق بروتينها اليومي. ما الذي يريده منا هذا "الخردواتي" ؟ كأنه يطلب منا تفكيك غرف نومنا لنبيعها له مع ثلاجاتنا وغسالاتنا كي نخلص ونرتاح من زنّه صباح مساء...
عدت أفتّش ذاكرتي: هذا الرجل لأول مرة يظهر لي، وأعرف نباشي حارتي كما قلت، لكنني أعرفه أيضا. تذكرت أين رأيته: في قصة "المعطف"لغوغول. صديقي هذا الذي "تطقّم" من الحاوية ليس بعيدا عن المهمّش التعس "أكاكي أكاكييفيتش" صاحب المعطف.
ولأن الذاكرة البعيدة تلد ذاكرة طازجة.. تذكرت أن رجلا توفي قبل ثلاثة أيام في بيت من أطراف بيوت حارتنا... كان مقاسه قريبا جدا من مقاس هذا الأخير.
ولا أدري، أكنت فعلا ما زلت محافظًا على استقراري النفسي بعد كسر روتيني اليومي؟.. ماهذه الأبهة يارجل.....
صباح اليوم مغرٍ بكسر الروتين: الشمس محجوبة بعد أشهر لاهبة، وساعة الهاتف تشير إلى السابعة والنصف، إذن فقد أشرقت، ولكن على غير العادة لم أجفل، كما يحدث يوميا، من زوامير باصات المدرسة، حتى سيارة الغاز لا أثر لها. الخارج هادئ من وراء الشبابيك. وقفت في البلكونة ولكن ليس كما تعودت، أطِل وأرجع إلى المطبخ. الأرض مبتلة ولا طريق يلصف بعد حمّام مطري. أركيت جذعي على الحافة واستنشقت رائحة التراب العذية. ما بقي من ورق ازداد اخضرارا. لا أحد على مدّ النظر سوى سيارات أشبه بالعلب المتحركة في خط إنتاج مصنع.
غليت فنجان قهوة وعدت كي لا يفوتني سحر المشهد. لا أرغب في العودة إلى الروتين، حيث نشرة الأخبار ومتابعة آخر مقتلة وسقطة عربية ومسيرة احتجاجية في الغرب. كل شيء هذا الصباح على غير روتيني الثابت. البيوت لا شك شبه فارغة من ناسها: الأطفال في مدارسهم والموظفون في مكاتبهم، ومن تبقى من الأمهات قد يرفعن ملابس الصيف ويرتبن الشتوي في الخزائن. عنّت على بالي أغنية فيروز "رجعت الشتوية"، مناسبة جدا لهذه البانوراما ولحالة الحرية التي أمارسها الآن. كرم الزيتون بدأت تتناقص شجراته بعد أن بنى مالكوه فيه بعض البيوت، وكلما تطلعتُ نحوه شعرت بغصّة.
نظرت إلى حيث مكان شجرة التين التي كانت في زاويته، وكنت أقطف منها حبّات عندما أمرّ بها. الآن حلّت مكانها حاوية، والحاوية طافحة، بل تناثرت من حولها أكياس سوداء. على غير روتينها أيضا لم تظهر شاحنة النفايات ولا حتى بكبّات النباشين. أعرفهما، الاثنين، من نوع "كيا" زرقاء وبيضاء، بل إنني سبق أن ذهبتُ في سياحة استطلاعية إلى الشارع الذي يفرغ فيه النباشون ويفرزون ما حصّلوه من حاويات المدينة. ومرة أشرت عليهم بتشكيل رابطة أو نقابة للنباشين، تدافع عن حقوقهم وتنظم عملهم، وتبرعت بمساعدتهم في عمل ويب سايت لها على الإنترنت، حيث يمكنهم أيضا عبره الإعلان عن شواغر عمل للمبطلين والمعطلين، بلا طلب خبرة طبعا. وأعجبتهم نصيحتي تلك، إلا أنها لم ترَ النور حتى الآن.
في خضم ذلك المونولوج مع النفس، ومع بدء رغبتي في الدخول إلى البيت، لمحت رجلا يحمل شوالا على كتفه ويبدأ في نبش الحاوية التي صارت "تينة". استندت من جديد أستطلعه. يتناول ويرمي كمن يغرف من قدر. فرّت القطط الثلاث التي كانت متعنكشة على الأكياس الملقاة. ركزت جيدا، لا، ليس تخيلا. قبل أيام فحصت نظري في محل نظارات مجانًا، ما زال ستة على ستة. أخرج كيسا ومزقه، رفع بين يديه قميصا، نفضه ولبسه فوق قميصه. عركت عيني، ليس تخيلا. تركه مفتوحا، مد يده وأخرج "بنطالون"، شلح الشبشب ودسّه في رجليه فوق بنطلونه، زرّره وراح ينفض جوانبه كلها كأنه يزيل عنه غبار باطون. ظللت أتفرج كيف سينتهي المشهد الذي لم أعد أدري هل هو روتيني أم لا روتيني في هذا الزمن. لم يظهر أحد في الشارع. عكم شواله على كتفه ومضى، بعد أن سد حاجته، غاب بين ما تبقى من شجيرات الزيتون.
برد فنجان القهوة ولا أدري متى سكتت فيروز.. أدرت ظهري للسحر الذي كان، وأطلّت سيارة الخردة تزعق بروتينها اليومي. ما الذي يريده منا هذا "الخردواتي" ؟ كأنه يطلب منا تفكيك غرف نومنا لنبيعها له مع ثلاجاتنا وغسالاتنا كي نخلص ونرتاح من زنّه صباح مساء...
عدت أفتّش ذاكرتي: هذا الرجل لأول مرة يظهر لي، وأعرف نباشي حارتي كما قلت، لكنني أعرفه أيضا. تذكرت أين رأيته: في قصة "المعطف"لغوغول. صديقي هذا الذي "تطقّم" من الحاوية ليس بعيدا عن المهمّش التعس "أكاكي أكاكييفيتش" صاحب المعطف.
ولأن الذاكرة البعيدة تلد ذاكرة طازجة.. تذكرت أن رجلا توفي قبل ثلاثة أيام في بيت من أطراف بيوت حارتنا... كان مقاسه قريبا جدا من مقاس هذا الأخير.
ولا أدري، أكنت فعلا ما زلت محافظًا على استقراري النفسي بعد كسر روتيني اليومي؟.. ماهذه الأبهة يارجل.....
نيسان ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 00:00