'البقاء لإسرائيل'
نيسان ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 00:00
في لقاء إعلامي معه، كشف تاكر كارلسون، الصديق القديم للرئيس ترامب، أمراً مهماً فقال: "هذه أول مرة أروي فيها ما جرى. كنتُ قد عدتُ من تل أبيب بعد لقاء السفير الأميركي مايك هاكابي. وبعد يومين، عقدت لقاء مع الرئيس ترامب في المكتب البيضاوي. كنّا وحدنا وكان منزعجاً مني، لأنني أحرجت السفير وضيّقت عليه. فقلت له: "اسمعني. بصفتي ابن سفير، أعرف متطلبات الوظيفة. وسفيرك هناك دعا للتو إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط، والسماح لاسرائيل بضم أجزاء من السعودية والأردن وسورية وهذه مشكلة دبلوماسية". دار نقاش بيننا حولها. وأضفت: "لا تدور الحرب إطلاقاً حول برنامج إيران النووي الذي أخبرتني عنه، وأعلنت للعالم أنك قضيت عليه تماماً في يوليو/ تموز الماضي. تدفع إسرائيل نحو هذه الحرب لتحقيق ثلاثة أهداف: فرض هيمنتها الخاصة بها لشطب إيران التي لا تستطيع ولا تملك حرية الحركة طالما بقيت اسرائيل قوة إقليمية. تقليص نفوذ مجلس التعاون الخليجي وقوته. دول الخليج الست التي تنافس إسرائيل، والتي باتت تتحول الى ما يشبه سويسرا الشرق، وهذا يضرّ المصالح الاسرائيلية. إخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، لأن وجودنا يقيّد طموحاتهم وتطلعاتهم، فلا بدّ من إخراج قواعدنا العسكرية وتفكيكها".
قلت هذا الكلام للرئيس ترامب قبل الحرب، فأجاب: "أنت محق. لكننا سنموت جميعاً ولا فارق في ذلك". فقلت "ماذا عن أطفالنا وأحفادنا وبلدنا ومستقبلهم؟". فاكتفى بالقول "هذا هو". لم يجبني بشيء آخر. فقلت له: "إن الله يراك".
إيران قادرة مباشرةً، ومن خلال الحوثيين كما يجري اليوم، على التأثير في مجريات الأمور. ربما يتردّد ترامب الآن في اتخاذ قرارات العودة الى الحرب الكبرى
يؤكّد هذا الحوار الصريح الواضح شراكة ترامب عن سابق تصوّر وتصميم ومسؤوليته مع نتنياهو عن الحرب التي لم تحقق أهدافها بعد. لم يسقط النظام، وقد لا يسقط رغم كل المعاناة الإيرانية. وإيران قادرة مباشرةً، ومن خلال الحوثيين كما يجري اليوم، على التأثير في مجريات الأمور. ربما يتردّد ترامب الآن في اتخاذ قرارات العودة الى الحرب الكبرى. أقول الآن، لكن هذا لا يعني أنه قد لا يفعل في لحظة ما. أما نتنياهو فلم يتراجع قط عن أفكاره وأهدافه. وهو مستعد لفعل كل شيء لتحقيقها، لتبقى إسرائيل الدولة السيدة المتفوقة في المنطقة. يصرّ على استكمال الحرب ضد إيران. ويهدّد تركيا. ويحتل ويضرب في سورية، ويستهدف كل مقدّراتها رغم دخولها في حوار مع إسرائيل، وعدم انطلاق أي عملية من أراضيها تهدّد أمن الأخيرة، وقيادتها الجديدة تكرّر التزامها بالخيار الدبلوماسي لحل المشكلات العالقة.
أترك الهدف الثاني في حديث كارلسون المتعلق بقلق اسرائيل من تحوّل دول الخليج الى "سويسرا الشرق"، وأتوقف عند الحرب على إيران ومستقبل وجود القوات الأميركية في الخليج. فبالتزامن مع كلامه، أعلن الصحافي الإسرائيلي آلون مزراحي: "من المتوقع أن يتقلّص الوجود العسكري الأميركي في الأردن بعد الانسحاب من 15 قاعدة عسكرية في المنطقة". وترافق هذا مع الإعلان عن بدء خروج القوات من العراق حسب بيان رسمي لـ "البنتاغون" وفيه: " أميركا وشركاؤها في التحالف يختتمون رسمياً عملية "العزم الصلب" في العراق. ومن المتوقع أن تقود القوات العراقية الجهود المستمرة لتأمين الدولة وكبح فلول داعش. الانسحاب المنظم لقوات التحالف ومعدّاته من قاعدة إربيل الجوية يمثل ختام المهمة العسكرية التي هزمت تنظيم داعش. سنواصل تقديم تدريب موجّه ودعم مخابراتي لشركائنا العراقيين". ثم أصدر الحرس الثوري الإيراني بياناً جاء فيه: "خروج القوات الأميركية من العراق حدث تاريخي كبير وإنجاز لمحور المقاومة، وهو بداية لإخراج هذه القوات من جميع غرب آسيا. جاء الإخراج نتيجة تمسّك الشعب العراقي باستقلاله وصموده. واشنطن التي استخدمت لغة القوة اضطرّت الى الانسحاب من أرض احتلتها عقدين".
الأرض مقابل السلام تعني لإسرائيل الأرض لنا والسلام لنا. والسلام عليكم يا عرب. كل الممارسات الإسرائيلية على الأرض اليوم تحت عنوان "الأرض لنا"
مهمٌ وجيدٌ هذا الانسحاب ومرحبٌ به، لكن الوقائع والحقائق العنيدة التي تفرض نفسها على أرض الواقع في المنطقة تدعو الى التوقف عند ملاحظاتٍ وأسئلةٍ كثيرة تتناقض مع النيّات والأهداف الأميركية وكلام الحرس الثوري. الصراع على المنطقة بين إيران من جهة وأميركا واسرائيل من جهة ثانية، وغياب العرب عن الفعل والتأثير في مجريات الأمور، وتحوّل دولهم إلى فضاءات وساحات وأدوات في هذا الصراع، وتنامي دور تركيا، جعلني أقول مرّاتٍ: "ثمة ثلاث دول غير عربية تقرّر مصير العرب والعرب غير موجودين"، والنتيجة واضحة، واسرائيل كانت ولا تزال مصرّة على أن تكون الدولة المتفوقة استراتيجياً المهيمنة في المنطقة. رسمت خططها وبرامجها، وحضّرت أدواتها وعدّتها الأمنية السياسية العسكرية الدبلوماسية الإعلامية، ومدّت يدها الاخطبوطية في كل الاتجاهات، واستفادت من الاحتلال الأميركي للعراق، ووجود القوات العسكرية التابعة له، ومن مشاريع أوهام السلام والاتفاقات الإبراهيمية مع بعض العرب بدعم أميركي، واستباحتها أرض فلسطين في غزّة والضفة، واجتياحاتها واستهدافاتها المتتالية لبنان، وذلك كله في سياق مشروعها الاستراتيجي المذكور. لم يُخف مسؤولوها أهدافهم عقدين ونصف العقد على الأقل، عندما احتل صدّام حسين الكويت، وتمّ تركيب التحالف الدولي لإخراجه بقيادة الولايات المتحدة، خرجت نظرية تقول "جاء الأصيل فانتهى دور الوكيل"، في سياق ترحيب بـ "الوجود الأميركي" الذي سيقلّص دور الوكيل إسرائيل. وكان هذا الكلام بعد سنواتٍ من مشروع "الأرض مقابل السلام" الذي كان وهماً كبيراً لدى العرب.
تعليقاً على المشروع الإسرائيلي ومحطاته، كتبت أكثر من مرّة مفنداً الخطوات والأهداف الإسرائيلية، مستنداً الى ما ينشره المسؤولون الإسرائيليون ومراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية "الأرض مقابل السلام"، فقلت: "يجب ألا نذهب بعيداً في تحليلات التمنيات. الأرض مقابل السلام تعني لإسرائيل الأرض لنا والسلام لنا. والسلام عليكم يا عرب. كل الممارسات الإسرائيلية على الأرض اليوم تحت عنوان "الأرض لنا". هذا احتلال غزّة ، والتهديد بضم الضفة، وتكريس ضم الجولان، والتوسّع في جنوب سورية، والحديث عن حقٍّ إلهي في ضم جنوب لبنان وأجزاء من الأردن ومصر والسعودية.
يقولون بوضوح: "الأرض لنا" "والسلام لنا" "والسلام عليكم يا عرب". أي "باي باي" يا عرب. "لا شيء لكم. البقاء لنا".
وعندما دار الحديث عن الأصيل والوكيل كتبتُ أيضاً: " لقد جاء الأصيل ليثبّت الوكيل ويعزّز دوره لا ليقلّصه"، وها هو الأصيل يفعل الشيء نفسه اليوم ويكرّسه على الأرض. "الوكيل الإسرائيلي هو "الأصيل" في نظر أميركا. يتمدّد. يحتل. يقتل. يعمّم الفوضى. يضرب كل عوامل القوة وعناصرها عند العرب، وهم ينتظرون وهم السلام.
مشروع نتنياهو الحرب المفتوحة، وستكون على مساحة كل الأرض العربية. وبالتالي، ستعمّ الفوضى وتبقى إسرائيل متحكّمة بمفاصل اللعبة
تنسحب أميركا اليوم. تخلي قواعدها. لكن لمصلحة من؟ هل الدول المعنية فعلاً مرتاحة؟ مطمئنة إلى سيادتها وقواتها وقدراتها وإمكاناتها في ظل الحرب الكارثية الدائرة والذاهبة إلى التوسّع لتصل إلى "الدمار الشامل" "والحريق الهائل"؟ هل الدول المعنية صاحبة سيادة فعلية على أرضها؟ تملك حرّية التصرف بنفطها ورأسمالها الوحيد المرهون، كما كل مستقبلها. لأسباب عديدة كتبت عنها كتباً منذ عقود أهمها: الوهم. الارتجال. القصور الفكري. الاتكال على الآخر، على الثروة من دون خطط وبرامج واضحة، استقواء كثيرين بأميركا ورهانهم على إسرائيل؟ قبل الانسحاب الأميركي، كان نتنياهو يكرّر: "أميركا لا تحميكم. أنا دفعت ترامب إلى الحرب ضد إيران. أنا أحميكم. أنا أضمن أمنكم. أنا المُلِّح والضاغط الدائم لاستكمال الحرب على إيران. لن تستقر المنطقة إذا استمرّ هذا النظام". وفي الوقت نفسه، يهدّد قطر ذات الدور المهم، يعتبرها مع تركيا خطراً على إسرائيل أكثر من إيران. مشروعه الحرب المفتوحة، وستكون على مساحة كل الأرض العربية. وبالتالي، ستعمّ الفوضى وتبقى إسرائيل متحكّمة بمفاصل اللعبة. وإذا بقي نتنياهو يتوّج "الملك العظيم" على عرشها وفي تاريخها، ولن تكون أميركا في النهاية إلا معها. في غياب مشروع متكامل لمواجهة ما تقوم به، رغم نبذها عالمياً ومحاصرتها شعبياً وفرض عقوبات في عدة دول على إنتاج مستوطناتها، ومع استكمال الحرب على إيران، والحرب في اليمن، والصراع على المضائق والممرّات لضمان حرية الملاحة البحرية، وانتقال البضائع ليصبّ ذلك كله في إسرائيل، حيث يتم تصفية كل شيء وتمرير كل شيء، وتحوير كل شيء وتحويره في اتجاهها ومصلحتها، ليكون "البقاء لها" الدولة المتفوقة المتفرّدة المستبدة.
تنسحب أميركا من العراق، ويسود قلق في المناطق الكردية. ضغطت على أكراد سورية للاتفاق مع الدولة، وهم كانوا يتلقون دعماً من الناحية العراقية. اليوم لا أميركا في إربيل، إيران تستمر في استهداف المنطقة، والانسحاب الأميركي يطلق يد إسرائيل، لتستبيح كل شيء في سياق استكمال حربها. الانسحاب فرصة جديدة لها، تعرف كيف تستفيد منه. دول الجوار في متاهة، ونتنياهو، قبل واقعة طائرة "فلاي دبي" وبعدها، جاهز لافتعال أو استغلال أي حدث لتحقيق مشروعه القائم على ما تجسّده الوقائع والحقائق على الأرض من فلسطين إلى كل الدول العربية.
لا رحمة للعرب. لا رحمة عليهم والبقاء لإسرائيل. هذه هي عقيدة نتنياهو وشركائه. يبقى الرهان على الشعب الأصعب في التاريخ، الشعب الفلسطيني.
قلت هذا الكلام للرئيس ترامب قبل الحرب، فأجاب: "أنت محق. لكننا سنموت جميعاً ولا فارق في ذلك". فقلت "ماذا عن أطفالنا وأحفادنا وبلدنا ومستقبلهم؟". فاكتفى بالقول "هذا هو". لم يجبني بشيء آخر. فقلت له: "إن الله يراك".
إيران قادرة مباشرةً، ومن خلال الحوثيين كما يجري اليوم، على التأثير في مجريات الأمور. ربما يتردّد ترامب الآن في اتخاذ قرارات العودة الى الحرب الكبرى
يؤكّد هذا الحوار الصريح الواضح شراكة ترامب عن سابق تصوّر وتصميم ومسؤوليته مع نتنياهو عن الحرب التي لم تحقق أهدافها بعد. لم يسقط النظام، وقد لا يسقط رغم كل المعاناة الإيرانية. وإيران قادرة مباشرةً، ومن خلال الحوثيين كما يجري اليوم، على التأثير في مجريات الأمور. ربما يتردّد ترامب الآن في اتخاذ قرارات العودة الى الحرب الكبرى. أقول الآن، لكن هذا لا يعني أنه قد لا يفعل في لحظة ما. أما نتنياهو فلم يتراجع قط عن أفكاره وأهدافه. وهو مستعد لفعل كل شيء لتحقيقها، لتبقى إسرائيل الدولة السيدة المتفوقة في المنطقة. يصرّ على استكمال الحرب ضد إيران. ويهدّد تركيا. ويحتل ويضرب في سورية، ويستهدف كل مقدّراتها رغم دخولها في حوار مع إسرائيل، وعدم انطلاق أي عملية من أراضيها تهدّد أمن الأخيرة، وقيادتها الجديدة تكرّر التزامها بالخيار الدبلوماسي لحل المشكلات العالقة.
أترك الهدف الثاني في حديث كارلسون المتعلق بقلق اسرائيل من تحوّل دول الخليج الى "سويسرا الشرق"، وأتوقف عند الحرب على إيران ومستقبل وجود القوات الأميركية في الخليج. فبالتزامن مع كلامه، أعلن الصحافي الإسرائيلي آلون مزراحي: "من المتوقع أن يتقلّص الوجود العسكري الأميركي في الأردن بعد الانسحاب من 15 قاعدة عسكرية في المنطقة". وترافق هذا مع الإعلان عن بدء خروج القوات من العراق حسب بيان رسمي لـ "البنتاغون" وفيه: " أميركا وشركاؤها في التحالف يختتمون رسمياً عملية "العزم الصلب" في العراق. ومن المتوقع أن تقود القوات العراقية الجهود المستمرة لتأمين الدولة وكبح فلول داعش. الانسحاب المنظم لقوات التحالف ومعدّاته من قاعدة إربيل الجوية يمثل ختام المهمة العسكرية التي هزمت تنظيم داعش. سنواصل تقديم تدريب موجّه ودعم مخابراتي لشركائنا العراقيين". ثم أصدر الحرس الثوري الإيراني بياناً جاء فيه: "خروج القوات الأميركية من العراق حدث تاريخي كبير وإنجاز لمحور المقاومة، وهو بداية لإخراج هذه القوات من جميع غرب آسيا. جاء الإخراج نتيجة تمسّك الشعب العراقي باستقلاله وصموده. واشنطن التي استخدمت لغة القوة اضطرّت الى الانسحاب من أرض احتلتها عقدين".
الأرض مقابل السلام تعني لإسرائيل الأرض لنا والسلام لنا. والسلام عليكم يا عرب. كل الممارسات الإسرائيلية على الأرض اليوم تحت عنوان "الأرض لنا"
مهمٌ وجيدٌ هذا الانسحاب ومرحبٌ به، لكن الوقائع والحقائق العنيدة التي تفرض نفسها على أرض الواقع في المنطقة تدعو الى التوقف عند ملاحظاتٍ وأسئلةٍ كثيرة تتناقض مع النيّات والأهداف الأميركية وكلام الحرس الثوري. الصراع على المنطقة بين إيران من جهة وأميركا واسرائيل من جهة ثانية، وغياب العرب عن الفعل والتأثير في مجريات الأمور، وتحوّل دولهم إلى فضاءات وساحات وأدوات في هذا الصراع، وتنامي دور تركيا، جعلني أقول مرّاتٍ: "ثمة ثلاث دول غير عربية تقرّر مصير العرب والعرب غير موجودين"، والنتيجة واضحة، واسرائيل كانت ولا تزال مصرّة على أن تكون الدولة المتفوقة استراتيجياً المهيمنة في المنطقة. رسمت خططها وبرامجها، وحضّرت أدواتها وعدّتها الأمنية السياسية العسكرية الدبلوماسية الإعلامية، ومدّت يدها الاخطبوطية في كل الاتجاهات، واستفادت من الاحتلال الأميركي للعراق، ووجود القوات العسكرية التابعة له، ومن مشاريع أوهام السلام والاتفاقات الإبراهيمية مع بعض العرب بدعم أميركي، واستباحتها أرض فلسطين في غزّة والضفة، واجتياحاتها واستهدافاتها المتتالية لبنان، وذلك كله في سياق مشروعها الاستراتيجي المذكور. لم يُخف مسؤولوها أهدافهم عقدين ونصف العقد على الأقل، عندما احتل صدّام حسين الكويت، وتمّ تركيب التحالف الدولي لإخراجه بقيادة الولايات المتحدة، خرجت نظرية تقول "جاء الأصيل فانتهى دور الوكيل"، في سياق ترحيب بـ "الوجود الأميركي" الذي سيقلّص دور الوكيل إسرائيل. وكان هذا الكلام بعد سنواتٍ من مشروع "الأرض مقابل السلام" الذي كان وهماً كبيراً لدى العرب.
تعليقاً على المشروع الإسرائيلي ومحطاته، كتبت أكثر من مرّة مفنداً الخطوات والأهداف الإسرائيلية، مستنداً الى ما ينشره المسؤولون الإسرائيليون ومراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية "الأرض مقابل السلام"، فقلت: "يجب ألا نذهب بعيداً في تحليلات التمنيات. الأرض مقابل السلام تعني لإسرائيل الأرض لنا والسلام لنا. والسلام عليكم يا عرب. كل الممارسات الإسرائيلية على الأرض اليوم تحت عنوان "الأرض لنا". هذا احتلال غزّة ، والتهديد بضم الضفة، وتكريس ضم الجولان، والتوسّع في جنوب سورية، والحديث عن حقٍّ إلهي في ضم جنوب لبنان وأجزاء من الأردن ومصر والسعودية.
يقولون بوضوح: "الأرض لنا" "والسلام لنا" "والسلام عليكم يا عرب". أي "باي باي" يا عرب. "لا شيء لكم. البقاء لنا".
وعندما دار الحديث عن الأصيل والوكيل كتبتُ أيضاً: " لقد جاء الأصيل ليثبّت الوكيل ويعزّز دوره لا ليقلّصه"، وها هو الأصيل يفعل الشيء نفسه اليوم ويكرّسه على الأرض. "الوكيل الإسرائيلي هو "الأصيل" في نظر أميركا. يتمدّد. يحتل. يقتل. يعمّم الفوضى. يضرب كل عوامل القوة وعناصرها عند العرب، وهم ينتظرون وهم السلام.
مشروع نتنياهو الحرب المفتوحة، وستكون على مساحة كل الأرض العربية. وبالتالي، ستعمّ الفوضى وتبقى إسرائيل متحكّمة بمفاصل اللعبة
تنسحب أميركا اليوم. تخلي قواعدها. لكن لمصلحة من؟ هل الدول المعنية فعلاً مرتاحة؟ مطمئنة إلى سيادتها وقواتها وقدراتها وإمكاناتها في ظل الحرب الكارثية الدائرة والذاهبة إلى التوسّع لتصل إلى "الدمار الشامل" "والحريق الهائل"؟ هل الدول المعنية صاحبة سيادة فعلية على أرضها؟ تملك حرّية التصرف بنفطها ورأسمالها الوحيد المرهون، كما كل مستقبلها. لأسباب عديدة كتبت عنها كتباً منذ عقود أهمها: الوهم. الارتجال. القصور الفكري. الاتكال على الآخر، على الثروة من دون خطط وبرامج واضحة، استقواء كثيرين بأميركا ورهانهم على إسرائيل؟ قبل الانسحاب الأميركي، كان نتنياهو يكرّر: "أميركا لا تحميكم. أنا دفعت ترامب إلى الحرب ضد إيران. أنا أحميكم. أنا أضمن أمنكم. أنا المُلِّح والضاغط الدائم لاستكمال الحرب على إيران. لن تستقر المنطقة إذا استمرّ هذا النظام". وفي الوقت نفسه، يهدّد قطر ذات الدور المهم، يعتبرها مع تركيا خطراً على إسرائيل أكثر من إيران. مشروعه الحرب المفتوحة، وستكون على مساحة كل الأرض العربية. وبالتالي، ستعمّ الفوضى وتبقى إسرائيل متحكّمة بمفاصل اللعبة. وإذا بقي نتنياهو يتوّج "الملك العظيم" على عرشها وفي تاريخها، ولن تكون أميركا في النهاية إلا معها. في غياب مشروع متكامل لمواجهة ما تقوم به، رغم نبذها عالمياً ومحاصرتها شعبياً وفرض عقوبات في عدة دول على إنتاج مستوطناتها، ومع استكمال الحرب على إيران، والحرب في اليمن، والصراع على المضائق والممرّات لضمان حرية الملاحة البحرية، وانتقال البضائع ليصبّ ذلك كله في إسرائيل، حيث يتم تصفية كل شيء وتمرير كل شيء، وتحوير كل شيء وتحويره في اتجاهها ومصلحتها، ليكون "البقاء لها" الدولة المتفوقة المتفرّدة المستبدة.
تنسحب أميركا من العراق، ويسود قلق في المناطق الكردية. ضغطت على أكراد سورية للاتفاق مع الدولة، وهم كانوا يتلقون دعماً من الناحية العراقية. اليوم لا أميركا في إربيل، إيران تستمر في استهداف المنطقة، والانسحاب الأميركي يطلق يد إسرائيل، لتستبيح كل شيء في سياق استكمال حربها. الانسحاب فرصة جديدة لها، تعرف كيف تستفيد منه. دول الجوار في متاهة، ونتنياهو، قبل واقعة طائرة "فلاي دبي" وبعدها، جاهز لافتعال أو استغلال أي حدث لتحقيق مشروعه القائم على ما تجسّده الوقائع والحقائق على الأرض من فلسطين إلى كل الدول العربية.
لا رحمة للعرب. لا رحمة عليهم والبقاء لإسرائيل. هذه هي عقيدة نتنياهو وشركائه. يبقى الرهان على الشعب الأصعب في التاريخ، الشعب الفلسطيني.
نيسان ـ نشر في 2026/10/06 الساعة 00:00