مليون مكالمة تكشف انهيار المجتمع الإسرائيلي من الداخل

نيسان ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 00:00
ثلاث سنوات مرت على عملية طوفان الأقصى، وما زال الاحتلال الإسرائيلي يحصي خسائره التي لا تظهر في نشرات وزارة حربه ولا في بيانات الجيش، إنما تظهر في خطوط المساعدة النفسية.
وفي هذا السياق؛ كشف تقرير صادر عن منظمة “عيران” المختصة في تقديم الإسعاف النفسي الأولي في الكيان، أن قرابة مليون مكالمة وصلت إلى خطوط الدعم منذ 7 أكتوبر 2023، وأن الشعور بالوحدة أصبح اليوم الشكوى الأكثر شيوعاً، بينما ارتفعت نسبة الأفكار الانتحارية بين المراهقين والشباب الإسرائيليين، في شهادة حية على أن حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال لم تكن بلا ثمن على مجتمعه هو نفسه.
ويجد الجنود الإسرائيليون الذين عادوا من غزة محمّلين بصور الدمار والقتل أنفسهم عاجزين عن العودة إلى الحياة «الطبيعية»، حيث تسجل الخطوط الساخنة ارتفاعاً في مكالمات الاحتياطيين والنظاميين الذين يتحدثون عن الاكتئاب والصدمة والشعور بالبعد عن عائلاتهم.. هؤلاء هم أنفسهم الذين نفذوا أوامر القتل والتدمير، وهم الذين يدفعون الآن ثمن الانهيار الداخلي، حيث تتسع الفجوة بين ما فعلوه في الميدان وبين ما يُطلب منهم في البيت، وتلتهم الوحدة ما تبقى من تماسكهم الاجتماعي.
الأخطر أن هذا الانهيار لم يعد مقتصراً على الجنود. فالعائلات الإسرائيلية عموماً تعاني اضطراب الحياة اليومية، والخدمة العسكرية المطولة، والقلق الأمني الدائم. حين يقول مدير «عيران» إن خلف كل مكالمة إنساناً يعاني الألم والفقدان والوحدة. فهو يصف مجتمعاً بدأ يفقد قدرته على تصديق روايته الخاصة عن «الأمن المطلق» الذي تبشر به حكومة نتنياهو.
ثلاث سنوات من الحرب لم تُنتج استقراراً، بل أنتجت إرهاقاً جماعياً وميلاً متزايداً نحو الانتحار بين الشباب الإسرائيلي، في مؤشر واضح على أن التكلفة البشرية والنفسية للاحتلال بدأت تتسرب إلى داخل المجتمع الذي طالما ادعى أنه محصَّن.
هذه الاعترافات توكد أن المعركة لم تكن عسكرية فحسب. فـ”الطوفان” لم يقتصر على كسر هيبة الجيش، فقد فتح جرحاً عميقاً في الوعي الإسرائيلي نفسه. والشعور بالوحدة الذي يتصدر الآن شكاوى المتصلين هو نتاج فقدان الشعور بالأمان والانتماء في مجتمع بنى هويته على الاحتلال والقوة المطلقة.
وحين تتراجع نسبة مكالمات القلق والصدمة المباشرة، وتتصاعد نسبة الوحدة والأفكار الانتحارية، فهذا يعني أن الصدمة انتقلت من الحدث الحاد إلى الحالة المزمنة، حيث بات المجتمع الإسرائيلي يعيش مرحلة ما بعد الصدمة الطويلة الأمد، إذ يصبح «الطبيعي» اليومي مجرد قناع يخفي التآكل الداخلي.
وتمثل كل مكالمة على خط «عيران» شهادة إضافية على أن حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على غزة لم تحقق أهدافها، بل خلّفت مجتمعاً منهكاً يعاني من صعوبة إعادة بناء علاقاته الأسرية والاجتماعية. فالجنود الذين يجدون صعوبة في شرح ما فعلوه لعائلاتهم، والشباب الذين يفكرون في الانتحار، والعائلات التي تفقد استقرارها؛ كلها عناصر تكشف هشاشة النموذج الذي طالما روّج له الاحتلال.
العام المقبل، كما يتوقع مدير المنظمة نفسها “سيكون مليئاً بالتحديات”.. هذا التوقع ليس مجرد تحذير طبي؛ إنه إقرار بأن آثار الحرب لن تزول بسهولة. وفي حين يحاول الاحتلال إعادة صياغة روايته عن «النصر» أو «الاستقرار»، تظل خطوط المساعدة النفسية تسجل الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها، عن مجتمع يعيش تحت وطأة وحدته وخوفه وإرهاقه، ويدفع ثمن حرب اختار أن يخوضها بوحشية، وما زال يحصد نتائجها يوماً بعد يوم.
    نيسان ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 00:00