تأمُل على أطلال غزة

جلبير الأشقر
نيسان ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 00:00
تطلّ علينا السنة الرابعة منذ اندلاع الكارثة التي فجّرتها العملية التي قادتها «حماس» في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وحالة الشعب الفلسطيني على أسوأ ما شهده في تاريخه. فالمحصّلة الراهنة بالغة الترويع: *حربُ إبادة جماعية زاد عدد القتلى المباشرين فيها عن 74 ألفاً حتى يومنا، غالبيتهم من الأطفال والنساء والمسنّين؛ *وهذا يعني أن عدد القتلى غير المباشرين من جراء الظروف الخانقة التي خلقها العدوان الصهيوني من حصارٍ للقطاع إلى حدّ فرض المجاعة عليه، وتدميرٍ لبناه التحتية الصحّية، وإجبارٍ لغالبية سكانه العظمى على العيش في ظروف بالغة الهشاشة والسوء، ذاك العدد الذي نادراً ما نجد تقديرات له في الإعلام العالمي، إنما ينضاف إلى عدد القتلى المباشرين بحيث ليس من المبالغ فيه تقدير عدد القتلى الإجمالي من جراء العدوان بحوالي عِشر سكان غزة؛ *وعددٌ رسمي من المصابين ناهز بذاته عِشراً آخر من سكان القطاع، بينهم عدد مروّع من المعاقين بحيث باتت لدى الغزاويين أعلى نسبة منهم في العالم، بما في ذلك أعلى نسبة من الأطفال المعاقين؛ *تدميرٌ لمباني القطاع بنسبة 82 في المئة، حسب أحدث التقديرات، وهي نسبة تضع ما حلّ بغزة في مرتبة لا تضاهيها سوى حالات التدمير القصوى التي شهدتها بعض المدن خلال الحرب العالمية الثانية؛ *احتلالٌ إسرائيلي راهن لحوالي 70 في المئة من مساحة القطاع، وهو احتلال يتمدّد تدريجياً؛ *حشرٌ وحشدٌ للغالبية العظمى من سكان غزة بنسبة 86 في المئة، أي مليون وثماني مئة ألف نسمة، في مواقع نزوح مؤقتة على جزء من أرض القطاع، بما ينذر بترحيلهم إلى خارج أرض فلسطين، وهي غاية معلنة لدى الحكم الصهيوني كما لدى الإدارة الأمريكية التي أصبحت رسمياً وصيّة على القطاع؛ *وتصاعدٌ خطير في بناء المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية، كما في وتيرة غزوات المستوطنين على التجمعات السكانية الفلسطينية، بما يفصح عن رغبة أكيدة في استكمال نكبة 1948، الذي استعصى على الدولة الصهيونية عند احتلالها لباقي الأراضي الفلسطينية في حرب 1967؛ *ومجتمعٌ يهوديّ إسرائيليّ بات أكثر تطرّفاً إلى اليمين وكرهاً للفلسطينيين، بمن فيهم ذوو الجنسية الإسرائيلية، مما في أي وقت سابق من تاريخ دولته، إلى حدّ أن انتخابات الكنيست القادمة بعد ثلاثة أسابيع، مهما كان تركيب الائتلاف الحكومي الذي سوف تنجبه، إنما سوف تأتي على الأرجح بالتركيب النيابي الأكثر يمينية في تاريخ الدولة الصهيونية بحيث يمكن توقّع المزيد من القوانين والقرارات الغارقة في الرجعية والعنصرية إزاء الفلسطينيين؛ *احتلالٌ لمساحة في الجنوب اللبناني تفوق ضعفي المساحة المحتلة في غزة حالياً، وقد جرى فيها ترحيلٌ للسكان وتدميرٌ على شاكلة ما جرى في غزة، بما يشير إلى رغبة أكيدة في الضمّ؛ *واحتلالٌ لمساحات إضافية من الجولان السوري، مع تأليبٌ طائفي لقسم من الشعبين السوري واللبناني ضد قسم آخر؛ وهلمّ جرّا.
انتخابات الكنيست القادمة بعد ثلاثة أسابيع، مهما كان تركيب الائتلاف الحكومي الذي سوف تنجبه، إنما سوف تأتي على الأرجح بالتركيب النيابي الأكثر يمينية
إنها لكارثة عظمى تفوق بكثافتها كل ما شهده تاريخ المنطقة الحديث، وقد بات فيها ميزان القوى بين الدولة الصهيونية ومحيطها العربي راجحاً لصالح الأخيرة بما لم يسبق له مثيلٌ في تاريخها. ومع كل هذا، يطلع علينا من يمجّد بعملية «طوفان الأقصى»، قائلاً إنها سمحت بكشف حقيقة الدولة الصهيونية بما ألّب عليها قسماً من الرأي العام في البلدان الغربية يفوق كل ما عرفناه حتى الآن في هذا الصدد. لكنّ الحقيقة هي أن التأليب لم يكن بفعل العملية التي قادتها «حماس» بل بالرغم منها: والحال أن وقع العملية الأول كان تعاطفاً شديداً مع الإسرائيليين بما جعل الحكومات الغربية تؤيد الحرب التي شنّتها الحكومة الصهيونية بصورة شبه مطلقة طيلة أشهرٍ، وهو بالضبط ما أطلق العنان للحكومة المذكورة في إعادة احتلال القطاع من خلال حرب إبادة جماعية ضد سكانه. فإن وحشية الحكم الصهيوني التي بلغت ذروة لم تبلغها من قبل، هي التي ألّبت عليه نسبة متزايدة من الرأي العام في البلدان الغربية، بما ينجلي في تمحور السجال بين نقّاد إسرائيل وأنصارها في تلك البلدان حول تشخيص الإبادة الجماعية.
فإن المنطق الذي ينسب لمهندسي العملية التي جرت قبل ثلاث سنوات إدراكَهم بما سينجم عنها بغية تأليب الرأي العام على الدولة الصهيونية، إنما يعزو إليهم إرادة جهنمية في جلب كارثة هائلة على شعبهم. وهو بالتالي منطقٌ يشكّل شتيمة لذكرى الذين خططوا للعملية، الذين عملوا بالأحرى بكثير من الأوهام والحسابات الخاطئة، بما فيها التوهّم بأن خطف عدد كبير من الرهائن سيكون من شأنه ردع أكثر حكومة في تاريخ إسرائيل تطرّفاً، ردعها عن تدمير القطاع وإبادة شعبه بعد أن وجدت في «طوفان الأقصى» ذريعة لذلك.
هذا ولا شك في أنه لو خُيّر أي عاقل فلسطيني، سواء في غزة أو في الضفة الغربية أو بين عرب 1948، بين الوضع الذي كان سائداً قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والوضع القائم اليوم، سوف يفضّل الوضع السابق ألف مرة على الوضع الراهن. فكفانا تفكيراً عاطفيّاً وسحريّاً، وهو نمط التفكير الذي أوصلنا إلى الحالة الكارثية المزرية التي نحن فيها اليوم. وقد حان الوقت لمناقشة هادئة لاستراتيجية عقلانية للتحرّر الفلسطيني من النّير الصهيوني. وللحديث صلة.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان
    نيسان ـ نشر في 2026/10/07 الساعة 00:00