إصلاح التعليم: بين التوجهين النوعي والامتحاني

نيسان ـ نشر في 2016/01/17 الساعة 00:00
اختلفت مناهج إصلاح التعليم، بين توجه امتحاني، يعكس نظرة قصيرة المدى، ورغبة سريعة في إصلاح شكلي ظاهري، وهذا ما يسمى بالتوجه الامتحاني، في مقابل التوجه النوعي، الذي يرى أن إصلاح التعليم عملية بعيدة المدى، تتطلب خلخلة سياقات التعليم ومدخلاته وعملياته ومخرجاته، فأي المنهجين نختار؟
إن التوجه الامتحاني يعني ان نركز على: سياقات الامتحان، عمليات الامتحان، ومخرجات الامتحان.
واذا ما تم ضبط هذه العمليات، فإن سائر عمليات التعليم الأخرى ستضبط تلقائيا، فالمعلمون سوف يتكيفون ويدرسون الطلاب وفق توقعاتهم عن الامتحان، وكذلك مراكز التدريس الخصوصي والأهل، سوف يلتحقون بركب متطلبات النجاح في الامتحان.
فما المقصود بسياقات الامتحان؟
تتنوع سياقات الامتحان، بين اهداف الامتحان، وما يريده المجتمع منه، وما تريده الجامعات ايضا، فالوزارة تعد الامتحان، واضعة في اعتبارها قيم المجتمع، وما عوّدته عليه من بروتوكولات صارمة، الى الدرجة التي أعلنت فيها الوزارة ذات يوم عن إن "التوجيهي كرامة الوطن.. ومن يمسّه يمسّ الوطن".
إذن، تعمل الوزارة امتحانها في ظل قيم مجتمعية، تدين بالولاء للتنافس والعدالة، وربما القوة. وهذا ما يشرح لنا لماذا يحتفل مجتمعنا بالناجحين، ويطلقون النار في الهواء -ربما للتخلص من عدو وهمي يسمى التوجيهي-.
أما عمليات الامتحان، فترتبط باجراءاته الإدارية والفنية. وان ضبط هذه العمليات يحتاج لإدارة دقيقة، تحرم طالبا تأخر دقيقة عن المشاركة في الامتحان، ومراقبين أشبه بالدرك يصرخون ويتلذذون بتفتيش الطلاب بحثا عن أوراق غش، وفاحصين يقيسون اجابات الطلبة وفق اجابة نموذجية، يعاقب أي مبدع يخرج عنها. ولجنة امتحان تنظر بعين عصفور عن قرار قد يعيق نجاح طالب.
وتأتي ثالثا، مخرجات الامتحان، وهي للأسف "يانصيب قد يأتي الحظ فيها، وقد يغيب. مخرجات يصعب تفسيرها: كأن يتفاوت نجاح الطلاب في مادة واحدة تفاوتا رهيبا، ففي مادة التربية الاسلامية أو الثقافة الاسلامية، تتفاوت نسب النجاح بين 95 % و23 %.
لكن ما لا يفهم أبدا، هو كيف ينجح بعض الطلاب، ويلتحقون بالجامعة، ثم يأتي أساتذة الجامعات ليقولوا لنا أنهم لا يقرأون ولا يكتبون!! وكيف يرسب حوالي مائة ألف طالب بعد ان درسوا اثنتي عشرة سنة.
إن خلاصة التوجه الامتحاني: 1- امتحانات صارمة مصيرية. 2- تركيز على نقل بعض المعرفة وحفظها، وإثبات ذلك في ورقة الامتحان. 3- تعليم ميكانيكي -آلي- يهدف الى النجاح في الامتحان. 4- تحميل الطلاب وحدهم مسؤولية النتائج. 5- تقويم تشخيصي، لا يتبعه أي تعديل وتطوير. 6- تبرئة المناهج وطرق التدريس والمعلمين من أية مسؤوليات.
7 - الحلول السهلة والسريعة لإطفاء الحرائق.
التوجه النوعي
يرى أنصار التوجه النوعي، وهو ما لا نعرفه في بلادنا الا شكلا، ضرورة تطوير قيم التعليم: الرؤيا، الرسالة، الفلسفة
وسياقات التعليم ومدخلاته وعملياته ومخرجاته، ويستند هذا التوجه إلى المبادئ الآتية:
- إن أسواق التعليم والعمل صارت أكثر تنافسية، ولم يعد الطالب الأردني والخريج الأردني والمعلم الأردني هو الأول عربيا وخليجيا.
- لا قيمة لخريج جامعي لا يمتلك مهارات العمل، ولا يجوز ان نعد طلابنا لممارسة مهن في طريقها إلى الانقراض.
- لا قيمة لأي إنسان لا يمتلك مهارات التفكير الناقد، وحل المشكلات والتواصل والمشاركة، وإيجاد حلول إبداعية عديدة لموقف واحد.
- ضرورة توجيه الإصلاح التربوي نحو هدف ثابت، لا هدفا إصلاحيا متحركا.
- ضرورة التركيز على بناء ما يسمى المغايرة، وهي تنمية شخصية الطالب، والذهاب معه الى حيث يريد، بدلا من جرّه بسلاسل الى حيث نريد. أما بناء المسايرة، فيجب أن يكون في إطار الهوية الجامعة لا الفرعية أو الأغلبية.
- استقلالية المدرسة، واستقلالية المعلم، لكن بعد تأهيله وتنمية قيمة الموضوعية، وتدريبه على أن يعرض وجهات النظر المختلفة.
وانطلاقا من هذه الأسس، تتم عمليات الإصلاح، بدءاً من فلسفة التعليم، ثم مناهجه وطرق تدريسه، واعداد المعلم بموجبها، ثم يأتي الامتحان ليقيس كل هذه الأمور. فالامتحان ليس نقطة البدء، وليس منفصلا عن مدخلات التعليم وعملياته، لكنه ليس موجها للتعليم وحاكما عليه.
وهناك اتجاهان في فلسفة التعليم:
1 - الكونفوشية، وهي عزو نجاح الطالب الى مثابرته وجده واجتهاده.
2- المدرسة الأميركية، وهي عزو النجاح الى قدرات الطالب وجيناته الوراثية.
ومع أن وزارة التربية هاجمت في دفاعها الكونفوشية، وسخرت منها، ومن البوذية والزرادشيتية، مع أنها تدعي ثقافة الحوار والتسامح، إلا أننا بحاجة الى ربط النجاح بالجهد، وليس بالوراثة أو الحظ.
إن خلاصة التوجه النوعي في الإصلاح هي:
- تذويت (من الذات) المعرفة، وجعلها جزءا من شخصية الطالب، وقيمه ومهاراته واتجاهاته. وبهذا تكون معرفة لا تنسى.
- ربط المناهج بحاجات الطالب ومتطلبات اشباعها، وهي حاجاته: الفزيولوجية: مهارات الراحة والطعام. والسيكولوجية: مهارات المشاركة والانتماء والاحترام والحب والتواصل والتفكير والمعرفة وإثبات الذات.
- ان المعلم المطلوب هو: معلم مبهج، يثير البهجة والمرح ودهشة التعلم. معلم باتجاهات مهنية وحس بالمسؤولية. معلم يتقن فلسفة المادة التي بدرسها. معلم منخرط بأنشطة المجتمع لا مشاهدا لها. معلم نام مهنياً وبشكل مستمر. معلم متأمل بما يفعل. معلم بإسهام تربوي جديد. معلم يخطط لعمله.
هذه هي سمات المعلم، وشروط تفوقه.
لو سألنا الأكاديميات لدينا: من هو المتعلم المتميز؟ وما مدى انطباق هذه المعايير عليه؟ هل نجد تطابقا؟
نحن بحاجة الى مناهج نوعية ومعلم نوعي، ليتمكن طلابنا من بناء الذات، وهذا يتطلب: نشر الفعالية، وهي ربط النتائج بأسبابها. ونشر المرونة، وهي احترام الآخر. ونشر المهارة، وهي أداء العمل باحتراف. ونشر الوعي، وهي معرفة ما يدور حولنا. ونشر الاعتماد المتبادل، وهي تمكين الذات والآخر بالتواصل والتفاعل.
(الغد)
    نيسان ـ نشر في 2016/01/17 الساعة 00:00