في غربة النخبة السورية الحداثية في وطنها
نيسان ـ نشر في 2026/10/08 الساعة 00:00
من أقسى ما يصيب نخبةً أن يعود وطنها إلى التاريخ، فتكتشف أن أفكارها لا تعرف طريق العودة إليه. وأن تَسقط السلطة التي أمضت عقوداً في معارضتها، فتجد نفسها أمام مجتمع لا تملك لغةً لمخاطبته، ودولةٍ لا تملك تصوراً لبنائها، وحريةٍ طالبت بها طويلاً ثم أربكتها النتائج الأولى لاستخدامها. هذه، في تقديري، بعض ملامح المأساة التي كشفها تحرير سوريا لدى قطاع من نخبتها الحداثية العلمانية: اغترابٌ كان مستوراً خلف جدار الاستبداد، ثم انكشف حين انهار الجدار.
لا يشمل هذا الحكم كل من يحمل هذه المرجعيات؛ ففي السوريين أصحاب تجارب فكرية وسياسية تستحق الاحترام، وقد دفع بعضهم أثماناً باهظة دفاعاً عن الحرية. وموضوعنا هنا يتركز في نمطٍ من الوعي يختزل الحداثة في علامات الانتماء إليها، ويستمد شرعيته من سلامة مفرداته أكثر مما يستمدها من قدرته على إنتاج معنى اجتماعي وفعل سياسي. ومن داخل هذا المنطق، يصبح الاختلاف مع الواقع شهادةً على التفوق عليه، ويغدو تعذر التأثير فيه دليلاً إضافياً على تخلفه.
والحقيقة أن الأزمة كانت تلوح منذ عقود. فقد تشكل لدى هذا النمط مزيجٌ اصطناعي من الليبرالية والحداثة والعلمانية، تُجمَع عناصره كما لو كانت منظومة واحدة متجانسة، وتوضع الديمقراطية إطاراً سياسياً له. لكن هذه المرجعيات نشأت داخل مسارات تاريخية متباينة، وعرفت خلافات عميقة حول الدين والدولة والاقتصاد والحرية. وعندما تُقتطع نتائجها من عمليات تشكلها، تتحول من موارد للتفكير إلى قائمة شروط يُطلب من المجتمع استيفاؤها كي يستحق الدخول في العصر.
وقد أتاحت فكرة «الحداثات المتعددة» في علم الاجتماع تجاوز تصور أن طريق الغرب هو الصيغة الوحيدة للتحديث. فالحداثة تتشكل أيضاً من إعادة تفسير المجتمعات لتقاليدها ومؤسساتها في مواجهة تحولات العالم. وتلك نقطة شديدة الأهمية لسوريا: فامتلاك الأفكار يقتضي امتلاك القدرة على إعادة تركيبها داخل تجربة المجتمع، بما يحفظ مقاصد الحرية والعدالة والمواطنة، ويمنحها حوامل تستطيع حملها إلى الحياة.
من الضرورة بمكانٍ القول، هنا، أن الديمقراطية حق للسوريين وأفق لتنظيم اختلافهم ومحاسبة حكامهم. غير أن الدفاع عنها يفرض التمييز بين قواعدها السياسية وبين اختيارات ثقافية يرغب بعض المدافعين عنها في فرضها معها. إذ يمكن لمواطن أن يكون متديناً ومحافظاً ومؤيداً للتداول والمساواة أمام القانون. ويمكن لآخر أن يكون علمانياً ويضيق بخيارات الناخبين حين تخالف ذائقته. لكن الغربة تبدأ حين يُطلب من الناس تغيير هويتهم الاجتماعية قبل الاعتراف بأهليتهم السياسية.
ثم إن الدين والتقاليد والعادات أجزاء من البنية التي يمنح السوريون من خلالها حياتهم معنى، ويبنون الثقة والتضامن والانتماء. وهي بنية متحركة ومتنوعة، تحمل موارد للنهوض ومصادر للتوتر، وتحتاج إلى نقد وإصلاح. أما معاملتها باعتبارها كتلةً من العوائق، فتجرد مشروع التحديث من أدواته الاجتماعية. إذ كيف ينشأ الإصلاح إن كانت النخبة لا ترى في لغة المجتمع إلا خطأً ينبغي محوه، ولا ترى في ارتباطاته إلا نقصاً ينبغي الاعتذار عنه؟
وثمة في المسألة اغترابٌ آخر عن الجغرافيا السياسية. فسوريا تقع في منطقة صاغتها، منذ أكثر من قرن، صراعات الحدود والسيادة والتدخلات الخارجية، وتنازع القوى على مواردها ومواقعها. وفي هذه الجغرافيا، يحتاج كل مشروع سياسي إلى حسابات للقوة والوقت والتحالفات والقدرة المؤسسية. بمعنى أن المبادئ تُختبر هنا في قدرتها على توجيه القرار تحت الضغط، وعلى تحديد تنازلاته وحدوده وكلفته. أما الاكتفاء بإدانة الإكراهات، فيترك مهمة التعامل معها لمن يملك أدواتها.
نمط من الوعي يختزل الحداثة في علامات الانتماء إليها، ويستمد شرعيته من سلامة مفرداته أكثر مما يستمدها من قدرته على إنتاج معنى اجتماعي وفعل سياسي
والمؤكد أن وجود هذه الإكراهات لايمنح أحداً تفويضاً مفتوحاً لتعليق الحقوق. لكن مسؤولية الفكر السياسي تكمن في أن يقترح كيف تُحمى الحرية داخل دولة مهددة، وكيف تُمارس السلطة دون أن تتحول الطوارئ إلى طبيعتها الدائمة. وحين يتكرر الاحتجاج بالظروف، يجب أن تكون لدى النخبة معايير ومؤسسات وضمانات تقيس ضرورته، وتحدد نهايته. بذلك تكتسب معارضتها قوة البرنامج، ويصبح نقدها قادراً على إلزام السلطة بإجابات.
والحالُ أنه كان يمكن لهذه الفجوات أن تبقى محجوبة في زمن الاستبداد. فالمعارضة تمنح صاحبها موقعاً أخلاقياً واضحاً، وتسمح له بتأجيل أسئلة التنفيذ. وفي هامش المعارضة يستطيع المرء إعلان ما يجب فعله؛ أما في موقع الحكم فعليه أن يحدد بأي مؤسسات وموارد وكوادر، وفي أي وقت، وعلى حساب أي أولوية أخرى. وبين الموقعين تقع معرفةٌ كاملة بالسياسة، لا يمنحها إتقان المصطلحات، ولا تُكتسب بمجرد امتلاك موقف أخلاقي صحيح. وقد أسهم القمع الأسدي نفسه في تدمير التنظيم والخبرة والثقة، وحرم السوريين فرص التعلم السياسي.
لكن التحرير غيّر طبيعة الامتحان، إذ صار مطلوباً أن تتحول الحرية من مطلب إلى مؤسسات، وأن ينتقل النقد من وصف المأساة إلى اقتراح وسائل الخروج منها.
وهنا ظهر جوهر الأزمة. فجزء من النخبة ما زال يمتلك قاموس الاعتراض أكثر مما يمتلك هندسة البدائل. فهو يستحضر الدولة المدنية والتعدد والعدالة، ثم يتعثر حين يُطلب منه تصميم قانون، أو بناء حزب، أو اقتراح تسوية، أو وضع برنامج تعليمي يتعامل مع معتقدات الناس ومخاوفهم وحقوقهم. وبين المفهوم والأداة توجد المسافة التي يصنع فيها التاريخ، والتي لا تعبرها البلاغة وحدها.
فالمشروع الثقافي الجاد يستطيع أن يقترح مناهج تُنمّي التفكير النقدي وتحترم إيمان الأسر، وسياسات توسّع مشاركة النساء وتواجه العوائق الفعلية أمامهن، ومساحات حوار تُشرك المرجعيات الدينية في حماية الحقوق. ويستطيع المشروع السياسي أن يصوغ ضمانات للمعارضة، وقواعد للتمثيل، وآليات للرقابة. وفي هذه التفاصيل يتحدد وزن الفكرة؛ وفي القدرة على كسب شركاء لها تتحدد أهليتها لأن تصبح مشروعاً وطنياً.
إن أشد جوانب المأساة التي نتحدث عنها يتمثل في أن تتحول الغربة إلى خصومة مع المجتمع، ثم تُسمى تلك الخصومة وفاءً للحداثة. وعندئذ تصبح النجاحات التي تأتي على غير الصورة المتخيلة مصدر ارتباك، وتغدو أخطاء المرحلة أدلةً على استحالة المشروع الوطني كله. وهكذا يجد بعض من حاربوا الاستبداد أنفسهم أسرى عادة المعارضة، حتى حين يكون المطلوب منهم تأسيس المجال الذي يجعل المعارضة منتجةً وضرورية.
والحالُ، مرةً أخرى، أن سوريا تحتاج إلى هذه النخبة حين تستعيد دورها في الاجتراح والترجمة والبناء، وتضع علمها في خدمة أسئلة وطنها. وأن حقها في نقد الحكم يظل كاملاً، كما تظل عليها مسؤولية تحويل هذا النقد إلى قدرة عامة. فالمأساة التاريخية أن ينتصر السوريون على من صادر مستقبلهم، ثم يبقى بعض مثقفيهم عاجزين عن تخيل مستقبل يستطيع السوريون أنفسهم أن يعيشوه.
٭ كاتب سوري
لا يشمل هذا الحكم كل من يحمل هذه المرجعيات؛ ففي السوريين أصحاب تجارب فكرية وسياسية تستحق الاحترام، وقد دفع بعضهم أثماناً باهظة دفاعاً عن الحرية. وموضوعنا هنا يتركز في نمطٍ من الوعي يختزل الحداثة في علامات الانتماء إليها، ويستمد شرعيته من سلامة مفرداته أكثر مما يستمدها من قدرته على إنتاج معنى اجتماعي وفعل سياسي. ومن داخل هذا المنطق، يصبح الاختلاف مع الواقع شهادةً على التفوق عليه، ويغدو تعذر التأثير فيه دليلاً إضافياً على تخلفه.
والحقيقة أن الأزمة كانت تلوح منذ عقود. فقد تشكل لدى هذا النمط مزيجٌ اصطناعي من الليبرالية والحداثة والعلمانية، تُجمَع عناصره كما لو كانت منظومة واحدة متجانسة، وتوضع الديمقراطية إطاراً سياسياً له. لكن هذه المرجعيات نشأت داخل مسارات تاريخية متباينة، وعرفت خلافات عميقة حول الدين والدولة والاقتصاد والحرية. وعندما تُقتطع نتائجها من عمليات تشكلها، تتحول من موارد للتفكير إلى قائمة شروط يُطلب من المجتمع استيفاؤها كي يستحق الدخول في العصر.
وقد أتاحت فكرة «الحداثات المتعددة» في علم الاجتماع تجاوز تصور أن طريق الغرب هو الصيغة الوحيدة للتحديث. فالحداثة تتشكل أيضاً من إعادة تفسير المجتمعات لتقاليدها ومؤسساتها في مواجهة تحولات العالم. وتلك نقطة شديدة الأهمية لسوريا: فامتلاك الأفكار يقتضي امتلاك القدرة على إعادة تركيبها داخل تجربة المجتمع، بما يحفظ مقاصد الحرية والعدالة والمواطنة، ويمنحها حوامل تستطيع حملها إلى الحياة.
من الضرورة بمكانٍ القول، هنا، أن الديمقراطية حق للسوريين وأفق لتنظيم اختلافهم ومحاسبة حكامهم. غير أن الدفاع عنها يفرض التمييز بين قواعدها السياسية وبين اختيارات ثقافية يرغب بعض المدافعين عنها في فرضها معها. إذ يمكن لمواطن أن يكون متديناً ومحافظاً ومؤيداً للتداول والمساواة أمام القانون. ويمكن لآخر أن يكون علمانياً ويضيق بخيارات الناخبين حين تخالف ذائقته. لكن الغربة تبدأ حين يُطلب من الناس تغيير هويتهم الاجتماعية قبل الاعتراف بأهليتهم السياسية.
ثم إن الدين والتقاليد والعادات أجزاء من البنية التي يمنح السوريون من خلالها حياتهم معنى، ويبنون الثقة والتضامن والانتماء. وهي بنية متحركة ومتنوعة، تحمل موارد للنهوض ومصادر للتوتر، وتحتاج إلى نقد وإصلاح. أما معاملتها باعتبارها كتلةً من العوائق، فتجرد مشروع التحديث من أدواته الاجتماعية. إذ كيف ينشأ الإصلاح إن كانت النخبة لا ترى في لغة المجتمع إلا خطأً ينبغي محوه، ولا ترى في ارتباطاته إلا نقصاً ينبغي الاعتذار عنه؟
وثمة في المسألة اغترابٌ آخر عن الجغرافيا السياسية. فسوريا تقع في منطقة صاغتها، منذ أكثر من قرن، صراعات الحدود والسيادة والتدخلات الخارجية، وتنازع القوى على مواردها ومواقعها. وفي هذه الجغرافيا، يحتاج كل مشروع سياسي إلى حسابات للقوة والوقت والتحالفات والقدرة المؤسسية. بمعنى أن المبادئ تُختبر هنا في قدرتها على توجيه القرار تحت الضغط، وعلى تحديد تنازلاته وحدوده وكلفته. أما الاكتفاء بإدانة الإكراهات، فيترك مهمة التعامل معها لمن يملك أدواتها.
نمط من الوعي يختزل الحداثة في علامات الانتماء إليها، ويستمد شرعيته من سلامة مفرداته أكثر مما يستمدها من قدرته على إنتاج معنى اجتماعي وفعل سياسي
والمؤكد أن وجود هذه الإكراهات لايمنح أحداً تفويضاً مفتوحاً لتعليق الحقوق. لكن مسؤولية الفكر السياسي تكمن في أن يقترح كيف تُحمى الحرية داخل دولة مهددة، وكيف تُمارس السلطة دون أن تتحول الطوارئ إلى طبيعتها الدائمة. وحين يتكرر الاحتجاج بالظروف، يجب أن تكون لدى النخبة معايير ومؤسسات وضمانات تقيس ضرورته، وتحدد نهايته. بذلك تكتسب معارضتها قوة البرنامج، ويصبح نقدها قادراً على إلزام السلطة بإجابات.
والحالُ أنه كان يمكن لهذه الفجوات أن تبقى محجوبة في زمن الاستبداد. فالمعارضة تمنح صاحبها موقعاً أخلاقياً واضحاً، وتسمح له بتأجيل أسئلة التنفيذ. وفي هامش المعارضة يستطيع المرء إعلان ما يجب فعله؛ أما في موقع الحكم فعليه أن يحدد بأي مؤسسات وموارد وكوادر، وفي أي وقت، وعلى حساب أي أولوية أخرى. وبين الموقعين تقع معرفةٌ كاملة بالسياسة، لا يمنحها إتقان المصطلحات، ولا تُكتسب بمجرد امتلاك موقف أخلاقي صحيح. وقد أسهم القمع الأسدي نفسه في تدمير التنظيم والخبرة والثقة، وحرم السوريين فرص التعلم السياسي.
لكن التحرير غيّر طبيعة الامتحان، إذ صار مطلوباً أن تتحول الحرية من مطلب إلى مؤسسات، وأن ينتقل النقد من وصف المأساة إلى اقتراح وسائل الخروج منها.
وهنا ظهر جوهر الأزمة. فجزء من النخبة ما زال يمتلك قاموس الاعتراض أكثر مما يمتلك هندسة البدائل. فهو يستحضر الدولة المدنية والتعدد والعدالة، ثم يتعثر حين يُطلب منه تصميم قانون، أو بناء حزب، أو اقتراح تسوية، أو وضع برنامج تعليمي يتعامل مع معتقدات الناس ومخاوفهم وحقوقهم. وبين المفهوم والأداة توجد المسافة التي يصنع فيها التاريخ، والتي لا تعبرها البلاغة وحدها.
فالمشروع الثقافي الجاد يستطيع أن يقترح مناهج تُنمّي التفكير النقدي وتحترم إيمان الأسر، وسياسات توسّع مشاركة النساء وتواجه العوائق الفعلية أمامهن، ومساحات حوار تُشرك المرجعيات الدينية في حماية الحقوق. ويستطيع المشروع السياسي أن يصوغ ضمانات للمعارضة، وقواعد للتمثيل، وآليات للرقابة. وفي هذه التفاصيل يتحدد وزن الفكرة؛ وفي القدرة على كسب شركاء لها تتحدد أهليتها لأن تصبح مشروعاً وطنياً.
إن أشد جوانب المأساة التي نتحدث عنها يتمثل في أن تتحول الغربة إلى خصومة مع المجتمع، ثم تُسمى تلك الخصومة وفاءً للحداثة. وعندئذ تصبح النجاحات التي تأتي على غير الصورة المتخيلة مصدر ارتباك، وتغدو أخطاء المرحلة أدلةً على استحالة المشروع الوطني كله. وهكذا يجد بعض من حاربوا الاستبداد أنفسهم أسرى عادة المعارضة، حتى حين يكون المطلوب منهم تأسيس المجال الذي يجعل المعارضة منتجةً وضرورية.
والحالُ، مرةً أخرى، أن سوريا تحتاج إلى هذه النخبة حين تستعيد دورها في الاجتراح والترجمة والبناء، وتضع علمها في خدمة أسئلة وطنها. وأن حقها في نقد الحكم يظل كاملاً، كما تظل عليها مسؤولية تحويل هذا النقد إلى قدرة عامة. فالمأساة التاريخية أن ينتصر السوريون على من صادر مستقبلهم، ثم يبقى بعض مثقفيهم عاجزين عن تخيل مستقبل يستطيع السوريون أنفسهم أن يعيشوه.
٭ كاتب سوري
نيسان ـ نشر في 2026/10/08 الساعة 00:00