سوريا: الإخوان المسلمون بين خيارين؟

علي العبدالله
نيسان ـ نشر في 2026/10/09 الساعة 00:00
أثار بيان مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ـ الدورة العادية الخامسة 2026، الصادر يوم 27/9/2026، ردود فعل متعددة ومتباينة، حيث رأى البعض أن قرار الجماعة البقاء في المشهد السياسي ليس منطقيا، في ضوء ما لحق بها من ضعف وجمود وشيخوخة سياسية وتنظيمية، ورأى البعض أن تمسك الجماعة بصيغتها الحالية ليس مجديا بعد كل هذه التغيرات التي طرأت على الواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي، ورأى البعض تمسكها بالبقاء وبصيغتها الحالية وليد شعور بالغبن والتهميش، ورأى البعض في تمسك الجماعة بخلفيتها الإسلامية ودعوتها في بيانها إلى المواطنة والتعددية والمشاركة الوطنية الشاملة في الحياة السياسية، تعارضا لا يحسمه نص بيان، بل يحتاج إلى أسس دستورية وقانونية تجسّده وتحوّله إلى حقيقة معيشة.
واقع الحال أن ما جاء في بيان المجلس من التمسك بالعمل السياسي والخلفية الإسلامية، إلى الدعوة إلى مشاركة كل المكونات في الحياة السياسية، وإلى التعددية السياسية والمواطنة والمطالبة بقانون أحزاب، إلخ، ليس جديدا فقد طرحت الجماعة هذه المطالب عام 2005، في رسالة المراقب العام علي صدر الدين البيانوني، إلى جلسة منتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني الديمقراطي حول الإصلاح في سوريا، وثبتتها في «المشروع السياسي لسوريا المستقبل… رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سوريا»، الذي صدر عام 2004 في كتاب كبير (192 صفحة من القطع الكبير) وملخص صغير(40 صفحة)، وواصلت تكرارها في مناسبات عديدة آخرها في «وثيقة العيش المشترك في سوريا»، التي صدرت عام 2025. لذا لا داعي للوقوف عند هذه الإعلانات، والتوجه إلى البحث عن جواب للسؤال الكاشف حول مغزى تكرارها هذا العام، وعلاقة ذلك بالراهن السوري.
ينطوي بيان مجلس الشورى على رؤية تتباين بقدر أو آخر عن سياسات السلطة السورية، فرغم إشادته بالنجاحات الدبلوماسية التي حققتها السلطة، ونتائجها المهمة من رفع اسم سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، إلى رفع العقوبات الاقتصادية، إلا أن قوله في بنده الثاني «ونبذ الطائفية والفئوية، وترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك، من خلال الحوار مع مختلف القوى الوطنية»، وقوله في بنده الثالث «وإرساء التعددية السياسية المنظمة»، وقوله في بنده الخامس «يشدد المجلس على أهمية إطلاق مسار جاد للعدالة الانتقالية»، وقوله في بنده السادس «يؤكد المجلس أن بناء سوريا المستقرة يتطلب مشاركة جميع مكوناتها في الحياة السياسية والتنمية، وبناء مؤسسات الدولة، في إطار نظام تعددي قائم على سيادة القانون، وضمان الحريات السياسية، وتنظيم العمل الحزبي»، يؤكد تمايز الجماعة عن السلطة وسياساتها؛ ويجعله عامل ضغط عليها كي تعيد النظر في سياساتها. إلى جانب مشروع القرار الذي طرحه نواب في مجلس الشعب السوري لإلغاء القانون 49 لعام 1980، الذي أصدره النظام البائد والذي يجرّم الجماعة ويقضي بإعدام المنتمين إليها، ومطالبته بمنح صفة شهيد لكل من أُعدم استناداً لهذا القانون، والاستفادة من المزايا المادية والمعنوية لأسر الضحايا ومنح عضوية رابطة المحاربين القدماء للسجناء الأحياء، والاستفادة من مزايا العضوية، تعبير واضح عن احتجاجها على موقف السلطة منها، كما ظهر في دعوتها إلى حل نفسها، وسعيها لإضعافها عن طريق تجاهل قيادتها واستقطاب جزء من كوادرها، خاصة أبناء قياديي وكوادر الجماعة، الذي عاشوا وترعرعوا في دول الخليج العربي وتمثلوا التوجهات السلفية نظريا وعمليا. ما يعني أن الجماعة تعمل على تكريس حضورها في المشهد السياسي السوري، ما يجعلها تحديا سياسيا للسلطة ومنافسا لها على الحاضنة الشعبية.
ينطوي بيان مجلس الشورى على رؤية تتباين عن سياسات السلطة السورية، رغم إشادته بالنجاحات الدبلوماسية التي حققتها، وبنتائجها المهمة مثل رفع اسم سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب
يطرح بقاء جماعة الإخوان المسلمين في المشهد السياسي، أسئلة حول صلاحية الصيغة القائمة والأثر السياسي والاجتماعي الذي نجم عن وجودها وممارستها طوال أكثر من سبعين عاما، وأثر هذه السنين في بنيتها السياسية والتنظيمية.
شكلت صيغة الجماعة، جماعة دعوية واجتماعية، فرصة مكنتها من استقطاب قواعد تنظيمية وحاضنة اجتماعية واسعة على خلفية تطابق سرديتها وشعاراتها المرفوعة مع المزاج الشعبي؛ وشكلت ممارستها نقطة ضعف قاتلة لأنها تحاشت في مسيرتها الطويلة مخالفة المزاج العام وتعاملت مع كل سرديات التدين الشعبي كحقائق وقيم إسلامية ما أبقى المجتمع السوري يدور في دائرة من القناعات غير المنطقية والإيمان بالخرافات والكرامات والأولياء على الضد من التوجيه الإلهي، بالإضافة إلى استسلامها للعقائد التي صاغها الأسلاف، الأشعرية والماتريدية، ولاجتهادات أئمة المذاهب الأربعة ومفسري القرآن الكريم، مع ما فيها من ضعف ناجم عن تواضع قدرات الأسلاف في مناهج البحث والعلوم الطبيعية والاجتماعية.
مثال على ذلك ما قاله البيضاوي في تفسيره عن البرق والرعد إنه ناجم عن صراع ملائكة الخير وملائكة الشر، وقول فقهاء المذاهب الأربعة إن الجنين يبقى في رحم أمه سنوات، أبو حنيفة قال سنتين والشافعي وابن حنبل ومالك أربع سنوات، ويعتبر استسلام الجماعة إلى ما حملته من إرث جماعة الإخوان المسلمين الأم التي أنشأها الشيخ، حسن البنا، في مصر عام 1928، خاصة نقطة ضعفها البنيوية المتمثلة في نظرها إلى جزء من صورة الواقع في العالم الإسلامي: الغزو الثقافي، وتأسيس رؤيتها وتحديد هدفها وفقها عبر التركيز على تحصين المجتمعات الإسلامية بإعادة الاهتمام بالمحرمات، وبإقامة الشعائر الدينية وإحياء التراث الإسلامي متجاهلة السوس الذي ينخر هذه المجتمعات على مستوى التعاطي مع الحياة بكل مناحيها، العلوم النظرية والتطبيقية وإدارة المؤسسات والمشاريع وإعمار الكون، وتجاهل ما في التراث الإسلامي، الذي دعت إلى إحيائه، من ضعف وتعارض مع جوهر التوجيه الإلهي في قضايا رئيسة، مثل حرية الإنسان ودوره في الحياة والعدل والمساواة والزامية الشورى، وما في الفقه الإسلامي من تناقضات وتباينات مع القرآن الكريم في قضايا حيوية، مثل الميراث والوصية وموقع ومكانة المرأة في المجتمع ومعاملة أهل الكتاب. وقد قاد انخراط الجماعة في السياسة وتعدد مواقفها وتقلبها واعتمادها العنف وسيلة لبلوغ أهدافها السياسية في تآكل مصداقيتها، وتراجع شعبيتها، ولم تكن ممارستها على صعيد العمل التنظيمي أفضل من ممارستها على الصعيدين الدعوي والسياسي، حيث بقيت قاعدة طاعة القيادة وتنفيذ قراراتها وتوجيهاتها أساس تربية الأعضاء، وبقي مجلس الشورى الإطار المقرر في اختيار القيادة العليا، المراقب العام ومكتبه، وتسمية القادة في المستويات الأخرى بالكامل، ما انعكس سلبا على طبيعة القيادة حيث بقيت قيادات الصف الأول تختار القادة من بينها حتى بلغ معظم قادتها أرذل العمر، وعلى القواعد، التي حدت السياسة التنظيمية من قدرتها على الاجتهاد والإبداع. ما قاد إلى انسحاب كثير من جيل الشباب من الجماعة، بعد يأسهم من حصول تغيير في قواعد عملها التنظيمية وبقاء الطريق مغلقا أمام صعودهم في الهرم التنظيمي.
لا بد لتحقيق جدوى البقاء في المشهد السياسي من إعادة البحث في العقائد القديمة واستخدام العلوم الاجتماعية الحديثة والدراسات اللسانية في صياغة عقيدة تستند إلى ما جاء في الذكر الحكيم، كما لابد من فتح البنية التنظيمية وتحريرها من الجمود وإعطاء الشباب دورا وازنا فيه، والفصل بين الدعوي والسياسي بإقامة حزب سياسي ببرنامج وطني ونبذ العنف والدخول في التنافس السياسي مع بقية الأفكار والتيارات على قدم المساواة.
كاتب سوري
    نيسان ـ نشر في 2026/10/09 الساعة 00:00