بلقنة العراق: أوراق ضغط أم مخططات صهيونية؟
نيسان ـ نشر في 2026/10/10 الساعة 00:00
هدد وزير الخارجية الأمريكي في 23 سبتمبر؛ قائلا إذا لم يتم نزع سلاح الميليشيات المسلحة فإن بلقنة العراق هي الحل. هذا التصريح ما هو إلا ورقة ضغط على الحكومة العراقية، وأيضا هو مخطط صهيوني، تم الإعداد له من قبل اللوبي الصهيوني من لحظة إصدار قانون حرية العراق عام 1998 عندما كان كلينتون رئيس الإدارة الأمريكية ووزيرة خارجيته مادلين أولبرايت الصهيونية، التي حين سألها أحد الصحافيين: هل يستحق الأمر (أي الحصار) قتل مليون طفل عراقي؟ أجابت بلا أدنى تردد: نعم يستحق؛ هذا الحصار قاد لاحقا إلى احتلال العراق.
لم تكن الغاية ذات المديات البعيدة؛ إسقاط النظام الديكتاتوري، بل تدمير الدولة بالكامل، هذا الاحتلال هو الذي أنتج دستورا يؤدي حكما إلى ديمقراطية توافقية، أو ديمقراطية محاصصة، وهذه الديمقراطية بدورها تؤدي كتحصيل حاصل لا بد منه، أو لا مخرج غيره، لوضع الأطر والأسس لكيانات تنتمي تاريخيا وثقافيا وعرقيا ولغويا في الجل الأعظم منها إلى جسد واحد تماما هو العراق، لتتشكل لاحقا بعد أقل من سنة من إقرار الدستور وإجراء انتخابات طبقا لهذا الدستور؛ قوى وأحزاب جديدة إضافة إلى الأخرى القديمة.
إن طرح بلقنة العراق، أو فدرلة العراق لم يكن وليد اليوم، بل كان قد طرح قبل أكثر من عشرين عاما، وأول من طرحه هو الراحل عبد العزيز الحكيم؛ ربما ما كان يقصده الحكيم، هو الفدرالية الإدارية، وليس البلقنة والفرق بينهما كبير، إضافة إلى ما كان قد طرحه، في التوازي الزمني، بايدن في مقال له نشر حينها في إحدى الصحف الأمريكية؛ كلا الطرحين رفضهما بوش الابن في وقتها، أي في سنة 2005، في رأيي رفض بوش الابن لبلقنة العراق كان رفض التوقيت وليس رفضا مبدئيا، في انتظار انضاج الظروف والبيئة السياسية؛ وهذا ما حدث أو ما يحدث الآن بعد أكثر من عشرين عاما. وكان هذا الطرح قد رفض رفضا قاطعا من العراقيين في شمال وغرب العراق، ومن القسم الأكبر من العراقيين في وسط وجنوب العراق. بلقنة العراق يمس مسا استراتيجيا؛ وحدته وتاريخه وحضارته.. بلقنة العراق لا تدعمها إجرائيا وحتى في النوايا جميع معطيات الواقع الموضوعي عراقيا وعربيا واقليميا.. فهو إذن طرح مصيره الفشل، للأسباب التالية:
حرب أمريكا على إيران هي حرب أمريكية إسرائيلية؛ لإحداث تغييرات وتحولات في المنطقة العربية خصوصا في العراق، ومنها طرح وزير خارجية أمريكا مؤخرا حول بلقنة العراق
أولا، البلقنة تختلف كليا عن الفدرالية؛ فهي هنا تعني إقامة كيانات شبه مستقلة عن المركز في بغداد. وهذه لها تداعيات على دول جوار العراق وبالذات تركيا، التي ترفض تقسيم العراق ليس حبا به أو حفاظا عليه وعلى وحدته وتاريخه، بل الأمر سيكون له، ولو بعد حين، تأثيرات على الوحدة الجغرافية التركية.
ثانيا، إقليم الوسط والجنوب سيكون تابعا لإيران بطريقة او بأخرى، ما يؤدي إلى تقوية إيران اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وغير ذلك من عناصر القوة والقدرة. هذا التغيير في الهيكلية الجغرافية الرسمية للعراق؛ سيضر ضررا كبيرا واستراتيجيا بدول الخليج العربي. لهذا فإن دول الخليج العربي وبالذات السعودية ستعارض أي توجه من هذا القبيل.
ثالثا، وهذا هو الأهم؛ أن العراقيين، رغم كل ما حدث ويحدث حتى اللحظة في شمال وغرب العراق سيعارضون ولن يقبلوا بأن يتم تقسيم بلدهم إلى أقاليم ضعيفة، إضافة إلى أن حكومة المركز في بغداد ستكون ضعيفة، لأن إقامة أي إقليم في شمال وغرب العراق، أو في الوسط والجنوب، سيكون كحال إقليم كردستان دولة مستقلة داخل دولة العراق، أو إذا أريد له أي الإقليم المقترح أو الأقاليم المقترحة، حسب الإرادة الأمريكية الصهيونية، وحسب تهديد وزير خارجية أمريكا؛ أن يكون إقليما فدراليا. هنا يكون لزاما على إقليم كردستان أن يتحول إلى إقليم فدرالي وليس دولة داخل دولة. هذا التحول مهما كانت الظروف والبيئة السياسية، لا يقبل به قادة إقليم كردستان. إقامة الأقاليم في العراق، حسب تهديد وزير خارجية أمريكا؛ ستكون خاضعة للإرادة الأمريكية والصهيونية على طريقة إقليم كردستان العراق، أي أكثر من الكونفدرالية، حينها يكون العراق قد تم تقسيمه إلى دويلات ضمن جغرافية العراق تنتظر الزمن الملائم لإعلان الاستقلال كدول مستقلة تماما كما حصل ليوغسلافيا.
رابعا، العراق ليس يوغسلافيا. في يوغسلافيا؛ دول وقوميات تم تجمعيها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؛ لتتشكل منها يوغسلافيا تحت قيادة الحزب الشيوعي وبقيادة جوزيف بروز تيتو الكرواتي. كما أن يوغسلافيا (البلقان) التي تمت صناعتها من قبل الاتحاد السوفييتي المنتصر في الحرب العالمية الثانية؛ قد شهدت دولها وقومياتها عدة حروب، سميت في وقتها بحرب البلقان؛ أما العراق فهو دولة واحدة عبر كل تاريخه الموغل في القدم؛ ففي الوسط والجنوب والشمال والغرب، شعب عراقي واحد يوحده التاريخ واللغة والقيم والحضارة والانتماء.
إن تهديد وزير خارجية أمريكا ببلقنة العراق، إن لم يتم نزع سلاح الميليشيات، ما هو إلا رؤية صهيونية لمستقبل العراق؛ جعلتها الصهيونية أو اللوبي الصهيوني؛ رؤية أمريكية صهيونية، وهي ورقة ضغط على الحكومة العراقية، وفي الوقت ذاته مخطط تم الإعداد له ربما منذ عدة سنوات.. عودة أمريكا إلى الحديث عن بلقنة العراق، في الظروف الدولية والإقليمية والعربية والعراقية الحالية، وفي ظل حرب أمريكا وإسرائيل على إيران؛ ما هي الا إرادة اللوبي الصهيوني المنسجمة كليا مع الإدارة الأمريكية، إدارة ترامب والتي هي وطاقمها في تواشج عضوي فعال مع اللوبي الصهيوني. حرب أمريكا على إيران هي حرب أمريكية إسرائيلية؛ لإحداث تغييرات وتحولات في المنطقة العربية، خصوصا العراق، ومنها ما طرحه وزير خارجية أمريكا مؤخرا حول بلقنة العراق، إضافة إلى تغييرات أخرى موازية في الزمن ومختلفة في الأمكنة في إعادة هيكلية النظام الرسمي العربي، وجغرافية الأوطان العربية.
كاتب عراقي
لم تكن الغاية ذات المديات البعيدة؛ إسقاط النظام الديكتاتوري، بل تدمير الدولة بالكامل، هذا الاحتلال هو الذي أنتج دستورا يؤدي حكما إلى ديمقراطية توافقية، أو ديمقراطية محاصصة، وهذه الديمقراطية بدورها تؤدي كتحصيل حاصل لا بد منه، أو لا مخرج غيره، لوضع الأطر والأسس لكيانات تنتمي تاريخيا وثقافيا وعرقيا ولغويا في الجل الأعظم منها إلى جسد واحد تماما هو العراق، لتتشكل لاحقا بعد أقل من سنة من إقرار الدستور وإجراء انتخابات طبقا لهذا الدستور؛ قوى وأحزاب جديدة إضافة إلى الأخرى القديمة.
إن طرح بلقنة العراق، أو فدرلة العراق لم يكن وليد اليوم، بل كان قد طرح قبل أكثر من عشرين عاما، وأول من طرحه هو الراحل عبد العزيز الحكيم؛ ربما ما كان يقصده الحكيم، هو الفدرالية الإدارية، وليس البلقنة والفرق بينهما كبير، إضافة إلى ما كان قد طرحه، في التوازي الزمني، بايدن في مقال له نشر حينها في إحدى الصحف الأمريكية؛ كلا الطرحين رفضهما بوش الابن في وقتها، أي في سنة 2005، في رأيي رفض بوش الابن لبلقنة العراق كان رفض التوقيت وليس رفضا مبدئيا، في انتظار انضاج الظروف والبيئة السياسية؛ وهذا ما حدث أو ما يحدث الآن بعد أكثر من عشرين عاما. وكان هذا الطرح قد رفض رفضا قاطعا من العراقيين في شمال وغرب العراق، ومن القسم الأكبر من العراقيين في وسط وجنوب العراق. بلقنة العراق يمس مسا استراتيجيا؛ وحدته وتاريخه وحضارته.. بلقنة العراق لا تدعمها إجرائيا وحتى في النوايا جميع معطيات الواقع الموضوعي عراقيا وعربيا واقليميا.. فهو إذن طرح مصيره الفشل، للأسباب التالية:
حرب أمريكا على إيران هي حرب أمريكية إسرائيلية؛ لإحداث تغييرات وتحولات في المنطقة العربية خصوصا في العراق، ومنها طرح وزير خارجية أمريكا مؤخرا حول بلقنة العراق
أولا، البلقنة تختلف كليا عن الفدرالية؛ فهي هنا تعني إقامة كيانات شبه مستقلة عن المركز في بغداد. وهذه لها تداعيات على دول جوار العراق وبالذات تركيا، التي ترفض تقسيم العراق ليس حبا به أو حفاظا عليه وعلى وحدته وتاريخه، بل الأمر سيكون له، ولو بعد حين، تأثيرات على الوحدة الجغرافية التركية.
ثانيا، إقليم الوسط والجنوب سيكون تابعا لإيران بطريقة او بأخرى، ما يؤدي إلى تقوية إيران اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وغير ذلك من عناصر القوة والقدرة. هذا التغيير في الهيكلية الجغرافية الرسمية للعراق؛ سيضر ضررا كبيرا واستراتيجيا بدول الخليج العربي. لهذا فإن دول الخليج العربي وبالذات السعودية ستعارض أي توجه من هذا القبيل.
ثالثا، وهذا هو الأهم؛ أن العراقيين، رغم كل ما حدث ويحدث حتى اللحظة في شمال وغرب العراق سيعارضون ولن يقبلوا بأن يتم تقسيم بلدهم إلى أقاليم ضعيفة، إضافة إلى أن حكومة المركز في بغداد ستكون ضعيفة، لأن إقامة أي إقليم في شمال وغرب العراق، أو في الوسط والجنوب، سيكون كحال إقليم كردستان دولة مستقلة داخل دولة العراق، أو إذا أريد له أي الإقليم المقترح أو الأقاليم المقترحة، حسب الإرادة الأمريكية الصهيونية، وحسب تهديد وزير خارجية أمريكا؛ أن يكون إقليما فدراليا. هنا يكون لزاما على إقليم كردستان أن يتحول إلى إقليم فدرالي وليس دولة داخل دولة. هذا التحول مهما كانت الظروف والبيئة السياسية، لا يقبل به قادة إقليم كردستان. إقامة الأقاليم في العراق، حسب تهديد وزير خارجية أمريكا؛ ستكون خاضعة للإرادة الأمريكية والصهيونية على طريقة إقليم كردستان العراق، أي أكثر من الكونفدرالية، حينها يكون العراق قد تم تقسيمه إلى دويلات ضمن جغرافية العراق تنتظر الزمن الملائم لإعلان الاستقلال كدول مستقلة تماما كما حصل ليوغسلافيا.
رابعا، العراق ليس يوغسلافيا. في يوغسلافيا؛ دول وقوميات تم تجمعيها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؛ لتتشكل منها يوغسلافيا تحت قيادة الحزب الشيوعي وبقيادة جوزيف بروز تيتو الكرواتي. كما أن يوغسلافيا (البلقان) التي تمت صناعتها من قبل الاتحاد السوفييتي المنتصر في الحرب العالمية الثانية؛ قد شهدت دولها وقومياتها عدة حروب، سميت في وقتها بحرب البلقان؛ أما العراق فهو دولة واحدة عبر كل تاريخه الموغل في القدم؛ ففي الوسط والجنوب والشمال والغرب، شعب عراقي واحد يوحده التاريخ واللغة والقيم والحضارة والانتماء.
إن تهديد وزير خارجية أمريكا ببلقنة العراق، إن لم يتم نزع سلاح الميليشيات، ما هو إلا رؤية صهيونية لمستقبل العراق؛ جعلتها الصهيونية أو اللوبي الصهيوني؛ رؤية أمريكية صهيونية، وهي ورقة ضغط على الحكومة العراقية، وفي الوقت ذاته مخطط تم الإعداد له ربما منذ عدة سنوات.. عودة أمريكا إلى الحديث عن بلقنة العراق، في الظروف الدولية والإقليمية والعربية والعراقية الحالية، وفي ظل حرب أمريكا وإسرائيل على إيران؛ ما هي الا إرادة اللوبي الصهيوني المنسجمة كليا مع الإدارة الأمريكية، إدارة ترامب والتي هي وطاقمها في تواشج عضوي فعال مع اللوبي الصهيوني. حرب أمريكا على إيران هي حرب أمريكية إسرائيلية؛ لإحداث تغييرات وتحولات في المنطقة العربية، خصوصا العراق، ومنها ما طرحه وزير خارجية أمريكا مؤخرا حول بلقنة العراق، إضافة إلى تغييرات أخرى موازية في الزمن ومختلفة في الأمكنة في إعادة هيكلية النظام الرسمي العربي، وجغرافية الأوطان العربية.
كاتب عراقي
نيسان ـ نشر في 2026/10/10 الساعة 00:00