تأجيل الانتخابات الفلسطينية بين اختبارين مبادرة الاثني عشر شهراً والمجلس الاستشاري الوطني

علي ابو حبلة
نيسان ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 00:00
لم يكن توقع تعذر إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها المحدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مجرد قراءة عابرة، بل استند إلى تقدير سياسي وقانوني لجملة من العقبات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، والأوضاع الاستثنائية في قطاع غزة، والقيود المفروضة على القدس الشرقية، واستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، فضلاً عن عدم اكتمال التوافق الوطني على ضمانات العملية الانتخابية ومتطلباتها.
ومن هذا المنطلق، طرحنا في 30 أيلول/سبتمبر 2026 مبادرة بعنوان «12 شهراً لإنقاذ المسار الوطني الفلسطيني وبناء الدولة»، دعت إلى حوار وطني شامل، وبرنامج انتقالي محدد زمنياً، وتوحيد المؤسسات، وإصلاح منظومة الحكم، وصولاً إلى تجديد الشرعية عبر الانتخابات.
وفي 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، صدر المرسوم الرئاسي بإلغاء المرسوم رقم (4) لسنة 2026 المتعلق بالدعوة إلى الانتخابات التشريعية، وتحديد 11 أيلول/سبتمبر 2027 موعداً متزامناً للانتخابات الرئاسية والتشريعية. واستندت المبررات الرسمية إلى العقبات الإسرائيلية، والظروف الأمنية والإنسانية في غزة، والقيود المفروضة على الحركة، واستمرار الاستيطان واحتجاز أموال المقاصة، والحاجة إلى تهيئة الظروف اللازمة لانتخابات حرة ونزيهة وشاملة. كما ربطت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تعديل الموعد بالحاجة إلى تعزيز الوحدة الوطنية وإتاحة المجال أمام حوار شامل.
لكن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يتقدم على سواه هو: هل سيكون التأجيل محطة جديدة في إدارة الأزمة، أم بداية لمسار وطني يعالج جذورها ويعيد بناء النظام السياسي على أسس دستورية وديمقراطية؟
أولاً: التأجيل لا ينهي الأزمة، وإنما يضع المسؤوليات أمام اختبار جديد؛ اذ لا يمكن تجاهل أثر الاحتلال في تعطيل الحياة السياسية الفلسطينية، أو التقليل من الصعوبات التي تواجه إجراء الانتخابات في القدس الشرقية وقطاع غزة، غير أن وجود هذه العقبات لا يعفي المؤسسات الفلسطينية والقوى السياسية من مسؤولية معالجة الاختلالات الداخلية. فالاحتلال يفرض قيوداً خارجية، لكن الانقسام، وتعطل المؤسسات المنتخبة، وضعف المساءلة، وتراجع الثقة العامة، قضايا تتطلب قرارات فلسطينية وإرادة سياسية مستقلة.
ثانياً: المشروعية القانونية وأثر المرسوم على الحقوق الانتخابية؛ يستدعي قرار التأجيل مراجعة قانونية دقيقة تشمل القانون الأساسي الفلسطيني وتعديلاته، وقانون الانتخابات العامة النافذ، والمرسوم السابق، والمرسوم الجديد، والقرارات بقانون ذات الصلة، مع التحقق من السند القانوني الذي استند إليه إلغاء الموعد السابق وتحديد موعد جديد.
وقد أعلنت الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون «استقلال» اعتراضها على التأجيل قبل صدور المرسوم، مستندة إلى اعتبارات دستورية وحقوقية، ومثيرة مسألة السند القانوني وآثار القرار على الحقوق الانتخابية. ويظل هذا موقفاً قانونياً منسوباً إلى الهيئة، وليس حكماً قضائياً نهائياً يحسم مشروعية القرار.
ثالثاً: المجلس الاستشاري الوطني الانتقالي.. الحلقة المؤسسية المفقودة؛ اذ تكتسب مبادرة الاثني عشر شهراً أهمية إضافية من خلال اقتراح إنشاء مجلس استشاري وطني انتقالي، محدود المدة والاختصاص، يضم خبرات قانونية ودستورية وأكاديمية واقتصادية وإدارية، وشخصيات وطنية مستقلة، بما يتيح الاستفادة من الكفاءات الفلسطينية في مراجعة بنية النظام السياسي ومعالجة الاختلالات المؤسسية.
رابعاً: خريطة طريق لمدة اثني عشر شهراً؛ حيث تقترح المبادرة اعتماد فترة الاثني عشر شهراً إطاراً زمنياً للإنجاز، مع ضرورة مواءمة مراحلها مع الموعد الانتخابي المعلن في 11 أيلول/سبتمبر 2027، بحيث لا تتحول المدة إلى تمديد تلقائي أو مبرر لتأجيل جديد.
خامساً: مواقف الفصائل بين التوافق والمساءلة؛ فقد أظهرت المواقف السياسية المعلنة وجود تباين في تقدير التأجيل. فقد حذرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين قبل صدور القرار من أن التأجيل قد يقوض الاستحقاق الانتخابي، ثم دعت بعد الإعلان إلى حوار وطني وحكومة توافق بمخرجات ملزمة. كما طرحت هيئة «استقلال» اعتراضات قانونية تتعلق بالحق الانتخابي والسند الدستوري للقرار.
سادساً: الإصلاح الداخلي شرط لتعزيز المواجهة الوطنية؛ فلا يمكن بناء استراتيجية فلسطينية فعالة لمواجهة الاستيطان والضم ومصادرة الأراضي، أو التحرك في المسارات القانونية والدبلوماسية الدولية، من دون نظام سياسي موحد ومؤسسات تتمتع بالثقة والمساءلة.
* باحث في القانون الدولي ورئيس تحرير صوت العروبة
    نيسان ـ نشر في 2026/10/12 الساعة 00:00