كل هذا الضوء لي
نيسان ـ نشر في 2026/10/14 الساعة 00:00
صباح هذا اليوم، أعود إلى مدرسة كفرنجة الثانوية للبنين، حاملا ريشة قلبي على راحتي. أعود بعد 36 عاما عودة ولد لحضن أمه، ممتلئا بالامتنان لحياة أرادتها كثرة في واحدة.
مدرستي المقدرة دعتني للاحتفاء بتجربتي عبر لقاء تفاعلي بطلبتها بعنوان «عدت وفي حقيبتي حياة»؛ وهو ما أشعرني أن علي اصطحاب كل الذين صرتهم وصاروني طيلة الرحلة، واثقا أن فتى في 15 من عمره سيسبقني حاملا صوته الجيّاش المجبولَ بالألم والغضب. الفتى الذي كنته وقد اعتقد أن قصيدته قادرة على وخز العالم وجره من قميصه المترهل.
تختلط علي المشاعر ولا أعلم إن كانت حقيبتي تمتلئ بحياتي أم بظلالها. أتذكرني فتى بقلب عاشق وجرأة بركان يجدل الكلمات ليغدو شاعرا وعازف ناي يرعى قطعان الغيم في فضاءاته الشاسعات. أراد للحياة أن تكون بعدد ظلال طالما يراها لنفسه تحت حبال أضواء الأعراس. لا أعرف لماذا تصوّر أن حياة واحدة تضيق به، ولا أعلم لماذا ما زال يعتقد أن الكتابة تعدّد الحياة وتكسر أبوابها لتفضي إلى حيوات يتوق لعيشها.
كما أحب أن أصف نفسي احيانا، أنا ضوء يتكسر. درست الفيزياء كاسرا أفق توقع الجميع، غير أني عدت للعيش في الأدب والصحافة والفن. يمر الضوء في قطرة ماء فينكسر؛ لتظهر ألوانه لقوس قزح في الآفاق، ولهذا أرى أن كل ما أنتجته ينبثق من فكرة ذلك الطيف الزاهي. المهم أنني نلت من الفيزياء الخيال ومن الأدب الاندغام ببوح الإنسان، وفي الإعلام اختبرت مسؤولية الكلمة وقوتها، وبين طلبتي تعلمت أن معرفتي تظل دوما ناقصة.
أعيش ما أكتب، وأكتب ما أعيش، حتى يصعب عليّ معرفة أين تنتهي التجربة وأين تبدأ عبارتها. هكذا تعالجني الكتابة وتكثرني؛ تمنحني أعمارا، وتحملني أوجاعا ليست لي، وتزيد حصتي من الفرح والسعادة وعلم جديد. أحب ذلك البرزخ بين معرفة الشيء والإحساس به، وأقيم فيه بكامل فضولي وجنوني.
سأقول للطلبة أنني لم أنل شيئا بسهولة. وكأن كل أشيائي كانت انتزاعا من فم تمساح، وأن لترجمة الحلم كلفة وقت وقراءة ومثابرة، وشجاعة اعتراف أن ما ننجزه ليس كثيرا ونحتاج إلى عمل جديد يخصّب حياتنا وحياة من حولنا، وسأقول إن التمترس على سبيل الحق والخير والجمال يتطلب قلبا شجاعا يثابر على الانضباط وأن نرى في حياة الناس ما يعنينا، والمهم حماية قدرتنا على التأثر بقصيدة أو زهرة في شق حجر.
سأعترف لهم أنني ومنذ خاطرتي التي ألقيتها في إذاعتهم قبل نحو أربعة عقود بعنوان «حجارة ودموع» وكانت وقوفا وتضامنا مع أطفال الانتفاضة الفلسطينية. من تلك الحادثة أيقنت أن الكلمات تستطيع حمل أوجاعنا وغضبنا وأن ما يُكتب بدموع يقرأ أو يسمع بدموع، ولا يؤثّر إلا المتأثِّر.
أنا ممتن لكل معلم آمن بي ومنحني ثقته وأسند جدراني. ولهذا أرى أن المدرسة وهي تحتفي بخريجها الذي ما زال في الطريق، وتعلن نفسها منصّة للأحلام الكبيرة، أراها تحتفي بما يمكن أن يصير إليه هؤلاء الذين على مقاعدها الآن. سأكون مدينا لمعلم منح سؤالا كل وقته، ولمكان أتاح لصوت غض أن يجرّب نفسه.
ما أرجوه أن أترك في أبنائي الطلبة رغبة اكتشاف أصواتهم وبراعم حيواتهم، وأن يروا في تجربتي البسيطة سبيلا يحثهم نحو ما يحبون ويحلمون.
مدرستي المقدرة دعتني للاحتفاء بتجربتي عبر لقاء تفاعلي بطلبتها بعنوان «عدت وفي حقيبتي حياة»؛ وهو ما أشعرني أن علي اصطحاب كل الذين صرتهم وصاروني طيلة الرحلة، واثقا أن فتى في 15 من عمره سيسبقني حاملا صوته الجيّاش المجبولَ بالألم والغضب. الفتى الذي كنته وقد اعتقد أن قصيدته قادرة على وخز العالم وجره من قميصه المترهل.
تختلط علي المشاعر ولا أعلم إن كانت حقيبتي تمتلئ بحياتي أم بظلالها. أتذكرني فتى بقلب عاشق وجرأة بركان يجدل الكلمات ليغدو شاعرا وعازف ناي يرعى قطعان الغيم في فضاءاته الشاسعات. أراد للحياة أن تكون بعدد ظلال طالما يراها لنفسه تحت حبال أضواء الأعراس. لا أعرف لماذا تصوّر أن حياة واحدة تضيق به، ولا أعلم لماذا ما زال يعتقد أن الكتابة تعدّد الحياة وتكسر أبوابها لتفضي إلى حيوات يتوق لعيشها.
كما أحب أن أصف نفسي احيانا، أنا ضوء يتكسر. درست الفيزياء كاسرا أفق توقع الجميع، غير أني عدت للعيش في الأدب والصحافة والفن. يمر الضوء في قطرة ماء فينكسر؛ لتظهر ألوانه لقوس قزح في الآفاق، ولهذا أرى أن كل ما أنتجته ينبثق من فكرة ذلك الطيف الزاهي. المهم أنني نلت من الفيزياء الخيال ومن الأدب الاندغام ببوح الإنسان، وفي الإعلام اختبرت مسؤولية الكلمة وقوتها، وبين طلبتي تعلمت أن معرفتي تظل دوما ناقصة.
أعيش ما أكتب، وأكتب ما أعيش، حتى يصعب عليّ معرفة أين تنتهي التجربة وأين تبدأ عبارتها. هكذا تعالجني الكتابة وتكثرني؛ تمنحني أعمارا، وتحملني أوجاعا ليست لي، وتزيد حصتي من الفرح والسعادة وعلم جديد. أحب ذلك البرزخ بين معرفة الشيء والإحساس به، وأقيم فيه بكامل فضولي وجنوني.
سأقول للطلبة أنني لم أنل شيئا بسهولة. وكأن كل أشيائي كانت انتزاعا من فم تمساح، وأن لترجمة الحلم كلفة وقت وقراءة ومثابرة، وشجاعة اعتراف أن ما ننجزه ليس كثيرا ونحتاج إلى عمل جديد يخصّب حياتنا وحياة من حولنا، وسأقول إن التمترس على سبيل الحق والخير والجمال يتطلب قلبا شجاعا يثابر على الانضباط وأن نرى في حياة الناس ما يعنينا، والمهم حماية قدرتنا على التأثر بقصيدة أو زهرة في شق حجر.
سأعترف لهم أنني ومنذ خاطرتي التي ألقيتها في إذاعتهم قبل نحو أربعة عقود بعنوان «حجارة ودموع» وكانت وقوفا وتضامنا مع أطفال الانتفاضة الفلسطينية. من تلك الحادثة أيقنت أن الكلمات تستطيع حمل أوجاعنا وغضبنا وأن ما يُكتب بدموع يقرأ أو يسمع بدموع، ولا يؤثّر إلا المتأثِّر.
أنا ممتن لكل معلم آمن بي ومنحني ثقته وأسند جدراني. ولهذا أرى أن المدرسة وهي تحتفي بخريجها الذي ما زال في الطريق، وتعلن نفسها منصّة للأحلام الكبيرة، أراها تحتفي بما يمكن أن يصير إليه هؤلاء الذين على مقاعدها الآن. سأكون مدينا لمعلم منح سؤالا كل وقته، ولمكان أتاح لصوت غض أن يجرّب نفسه.
ما أرجوه أن أترك في أبنائي الطلبة رغبة اكتشاف أصواتهم وبراعم حيواتهم، وأن يروا في تجربتي البسيطة سبيلا يحثهم نحو ما يحبون ويحلمون.
نيسان ـ نشر في 2026/10/14 الساعة 00:00