علامَ تحتدم معركة الانتخابات الإسرائيلية؟

جمال زحالقة
نيسان ـ نشر في 2026/10/15 الساعة 00:00
تحظى الانتخابات الإسرائيلية، التي ستجري بعد أقل من أسبوعين، باهتمام إقليمي وعالمي كبير، خاصة أنّها تأتي بعد حرب الإبادة والدمار الشامل في غزة والعدوان متعدد الاتجاهات على إيران ولبنان وسوريا، والتصعيد الخطير في القدس والضفة الغربية. وإذ يبدو أن هناك مبالغة في التوقّعات بأن تأتي هذه الانتخابات بتغيير في السياسات الإسرائيلية، من المهم الالتفات إلى ما لن يتغير أيضا، الذي يعكس المشترك بين معسكر نتنياهو ومعارضيه، بكل ما يخص تعميق الاحتلال وترسيخ الاستيطان واستراتيجية الأمن الهجومية العدوانية. القضايا الخلافية تظهر بصخب في الصراع الانتخابي، والمسكوت عنه هو المتفق عليه بين المعسكرين. وفي غياب خلافات جوهرية ونقاشات مبدئية، تتمحور المعركة الانتخابية حول نتنياهو.
ظاهريا تدور الانتخابات إلى حد بعيد حول سؤال واحد: هل يستمر نتنياهو في الحكم، أم تنتهي حقبته السياسية؟ غير أن هذا السؤال يحجب وراءه أسئلة أخرى تتعلق بطبيعة النظام الإسرائيلي ومستقبله، وبحدود الخلاف بين معسكراته، وبالسياسات التي ستتبعها إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني والمنطقة. وهناك سؤال أهم من كل هذا وهو: هل يبقى في الحكم من ارتكب جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتدمير الشامل بشهادة محكمة الجنايات الدولية؟ فإذا بقي في السلطة سيسجّل في الذاكرة السياسية الإسرائيلية أن هذه الجرائم مفيدة انتخابيا، وإذا خسر فسوف يكون ذلك علامة على أنها ليست بالضرورة قارب نجاة لمن يبادر إليها.
اختفت عن أجندة الانتخابات الإسرائيلية كلمات مثل سلام ومفاوضات وتسوية، ولا حديث عن دولة فلسطينية، أو عن حل سياسي من أي نوع. النقاش عن كيفية استعمال القوة لحسم الصراع
تبدو المعركة الانتخابية محتدمة، وتدور نقاشات ساخنة حول قضايا كثيرة، لكنّها لا تلامس الأحداث المصيرية المهمة. لا أحد في إسرائيل يناقش نتنياهو حول جرائم غزة والضفة ولبنان وإيران وسوريا واليمن؛ لا أحد يسأله عن أكثر من 75 ألف شهيد في غزة، عن عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ الذين قتلهم الجيش؛ ولا أحد يحاسبه على تدمير مدن بكاملها ومحو البنى التحتية وهدم المساجد والمدارس والجامعات، ولا أحد يطرح رؤية مختلفة عن احتلال أجزاء من لبنان وسوريا؛ ولا أحد يخالف نتنياهو بشأن بقاء الاحتلال وتهويد القدس وتوسيع الاستيطان. هذه قضايا تحظى بإجماع سياسي بين المعسكرين، وإذا كان من نقاش فهو يتمحور حول فشل نتنياهو في تحقيق الأهداف العدوانية المتفق عليها، وحول الإخفاق في الوصول إلى ما وعد به من نزع سلاح حماس وتفكيك حزب الله وإسقاط النظام في إيران.
هناك عدة محاور يدور حولها النقاش المحتدم في المعركة الانتخابية بين المعسكرين المتنافسين، الأمر المهم ليس موقف كل حزب على حدة، بل ما يمكن الاتفاق عليه بين الأحزاب المكوّنة لكل معسكر. وعلى سبيل المثال، يدعو زعيم حزب الديمقراطيين يئير جولان، إلى إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، لكن هذا الموقف مرفوض من شركائه في «معسكر التغيير»، وبالتالي هو لا يستطيع تمريره في الحكومة العتيدة، التي من الممكن أن يؤلّفها هذا المعسكر. من الناحية العملية، فإن ما يقرر سياسة أي حكومة جديدة تتشكل بعد الانتخابات سيكون ما يمكن للائتلاف أن يتفق عليه، وعلى قدرة رئيس الحكومة على اتخاذ قرارات وانتهاج سياسات، قد لا تعجب بعض الوزراء. وعليه فإن الصدام المركزي في الانتخابات هو بين معسكرين وليس بين أحزاب، والقضايا في محور الصراع الانتخابي هي تلك التي يحملها كل من هذين المعسكرين ـ معسكر نتنياهو ومعسكر تغيير نتنياهو:
أولا نتنياهو، تجمع أحزاب «معسكر التغيير» على إزاحة بنيامين نتنياهو من السلطة، وتتعهد على الملأ بأنّها لن تكون شريكة معه في حكومة واحدة. وتدور حول شخص نتنياهو نقاشات حامية الوطيس بين مؤيديه، الذين يعتبرونه «ملك إسرائيل»، الذي يحفظ الأمن ويطوّر الاقتصاد ويتمتع بقدرات سياسية خارقة، ومعارضيه الذين يرون فيه مصيبة حلّت بالدولة العبرية ويتهمونه بالفساد وبتسخير قدرات ومصلحة الدولة لأغراضه الشخصية، على أساس مبدأ «الملك أهم من المملكة». كما اتهمت بعض قيادات المعارضة نتنياهو بأنّه مستعد لشن حرب جديدة للمحافظة على كرسيّه، وهناك دلائل أنّه قد يفعلها. كل هذا لا يغلق الباب أمام احتمال إقامة حكومة وحدة بمشاركة نتنياهو وآيزنكوت، وقد لمّح الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، بأنّه سيسعى إلى منع إعادة الانتخابات بكل ما لديه من صلاحيات وقدرات، وفهم الرأي العام الإسرائيلي ذلك، بأنّه تمهيد لإقامة حكومة وحدة، ونشرت تقارير عن اتصالات بهذا الشأن يجريها هرتسوغ مع أطراف سياسية متنفّذة.
ثانيا التجنيد: أثارت الحرب من جديد قضية تجنيد اليهود التوراتيين (الحريديم) بقوّة غير مسبوقة. يعود ذلك إلى تنامي الشعور لدى أوساط واسعة في المجتمع الإسرائيلي بعدم المساواة في تحمّل عبء الخدمة العسكرية. جنود الاحتياط يخدمون مئات الأيام سنويا والشباب الحريديم لا يخدمون في الجيش. الأحزاب الدينية حليفة لنتنياهو، وقد حاول (ولم ينجح) تمرير قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، ما عرّضه لانتقادات شديدة. أحزاب المعارضة تعد بفرض الخدمة الإجبارية على الشباب الحريديم، ويعد ذلك من أهم رسائلها في الدعاية الانتخابية. هذه المسألة هي نقطة ضعف نتنياهو، الذي يحاول باستمرار طرح قضايا أمنية لإزاحة الانتباه عنها.
ثالثا المسؤولية عن السابع من أكتوبر: تحمّل المعارضة نتنياهو المسؤولية عن صدمة السابع من أكتوبر، بصفته رئيسا للوزراء، ولأنّه لم يلتفت إلى التحذيرات التي وصلته من مصر والإمارات والاستخبارات الإسرائيلية. نتنياهو في المقابل يدّعي أن المسؤولية تقع على عاتق المؤسسة الأمنية، التي فشلت في رصد الهجوم وفي الحصول على معلومات مسبقة حول خطط ونوايا حماس. وتتوعد المعارضة وتتعهد بتأليف «لجنة تحقيق رسمية»، تحسم بشأن مسؤولية القيادات السياسية والأمنية. لا أحد في إسرائيل يقترح التحقيق في الإبادة الجماعية في غزة وفي جرائم الحرب المتواصلة.
رابعا الانقلاب على القضاء: يصر معسكر نتنياهو على إجراء تغييرات عميقة في الجهاز القضائي لإخضاعه بالكامل لأجندة اليمين المتطرّف. لقد أجاز هذا الجهاز جميع جرائم الحرب الإسرائيلية، ورفض «التدخل» في قضية التجويع والمساعدات الإنسانية، وهو يصادق باستمرار على هدم البيوت وزرع المستوطنات ومصادرة الأراضي. اليمين الإسرائيلي يريد أكثر من ذلك من خلال منع القضاء من التدخل في دستورية بعض القوانين، وإبعاده عن قضايا حقوق الإنسان، وإلزامه بمنح الحكومة حرية كاملة للعمل، حتى لو كانت قراراتها غير قانونية وفق القانون الإسرائيلي. ويثير هذا الموضوع غضبا عارما في أوساط النخب الإسرائيلية التقليدية، وعند الفئات التي تعتبر نفسها جزءا مما يسمى «العالم الحر». وإذا شكّل نتنياهو الحكومة الجديدة وواصل تنفيذ مشروع الانقلاب القضائي، فسيؤدي ذلك، كما يبدو إلى هجرة واسعة من إسرائيل.
خامسا الأمن والحروب: تحاول المعارضة التشكيك في قدرة نتنياهو على إدارة حرب الجبهات المتعددة، وتتهمه بالتهور في تحديد أهداف الحرب وبعدم استثمار «إنجازات الجيش» في تحقيق مكاسب سياسية. ويسوّق نتنياهو نفسه بأنه «سيد الأمن» ويؤكد أنه ماض في الحروب والمواجهات لحسم المعارك في غزة ولبنان والضفة وإيران. الخلاف ليس على مبدأ الحرب ولا على الأهداف، بل على التكتيك والطريقة.
لقد اختفت عن أجندة الانتخابات الإسرائيلية كلمات مثل سلام ومفاوضات وتسوية، ولا حديث عن دولة فلسطينية، أو عن حل سياسي من أي نوع. النقاش هو كيفية استعمال القوة لحسم الصراع، وتتجسد في الانتخابات حالة إسبارطة، التي ينادي بها نتنياهو. تظهر استطلاعات الرأي تعادلا بين المعسكرين مع احتمال أن يكون بالإمكان إزاحة نتنياهو عن منصبه، لكن خلع نتنياهو لا يعني نهاية السياسات التي يتبعها، لأن «معسكر التغيير» يقوم أساسا على استبدال نتنياهو، لا على استبدال سياساته ببديل يختلف عنها جوهريا.
كاتب وباحث فلسطيني
    نيسان ـ نشر في 2026/10/15 الساعة 00:00