أزمة الغرب وإعادة اكتشاف التجربة العثمانية
نيسان ـ نشر في 2026/10/15 الساعة 00:00
هناك أمور تتصدّع في العالم الغربي، وليس هذا التصدّع آتيا من الشوارع أو الجامعات أو أحياء المهاجرين فحسب، بل ينبع من أسس النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي قامت عليه الحضارة الغربية الحديثة. ففي أوروبا وأمريكا، تتزايد الاعتراضات على اقتصاد السوق الليبرالي، والرأسمالية، ومفهوم الدولة القومية، والسياسات النيوليبرالية. لقد تحوّل النظام الذي وعد البشرية بالحرية والمساواة والرفاه، إلى مصدر للقلق وانعدام الأمن والإقصاء بالنسبة إلى شرائح واسعة من مجتمعاته. ويتجلّى هذا الاضطراب في اتجاهين: صعود اليمين الشعبوي المتطرف والقومية وكراهية الأجانب، من جهة، واتساع الاحتجاجات التي يقودها الشباب والعمال والمهاجرون والفئات المهمشة، من جهة أخرى. وبينما يحاول الاتجاه الأول تحميل الأجانب والمسلمين والمهاجرين مسؤولية الأزمة، يشكّك الثاني في النظام ذاته. وعلى الرغم من التناقض الظاهري بينهما، فإن كليهما يكشف عجز النظام الغربي عن تقديم إجابات مُرضية عن المشكلات التي أنتجها بنفسه.
تحوّلت الاحتجاجات الطلابية التي يُقال إنها بدأت في 18 سبتمبر في إحدى مدارس كريتاي، في ضواحي باريس، إلى رمز للاضطرابات الاجتماعية التي امتدت إلى مناطق مختلفة من فرنسا، وقيل إنها انعكست أيضا في بلجيكا. وتصف بعض الأوساط هذه التحركات بأنها «الانتفاضة الفرنسية». غير أن حصر أسبابها في مشكلات التعليم يغفل أبعادها الأعمق؛ فالمطالب لا تقتصر على زيادة عدد المعلمين، أو تحسين القاعات الدراسية، بل تشمل انعدام تكافؤ الفرص، والحرمان الاقتصادي، والإقصاء الاجتماعي، وسياسات الهوية، وتشدد النهج الأمني للدولة. كذلك، لا يمكن اختزال المحتجين في المسلمين والمهاجرين والجماعات المتطرفة، إذ تعبّر أوساط مختلفة، من اليساريين والنقابات إلى المنظمات الشبابية وشرائح من المجتمع المسيحي، عن مظالم متقاربة.
ويُعدّ التيار الذي تمثّله حركة «فرنسا الأبية»، بقيادة جان لوك ميلانشون، أحد أبرز الفاعلين في هذا السياق. وبذلك، تتجاوز المسألة قضية الهجرة لتكشف أزمة أعمق في التمثيل والعدالة داخل المجتمع الفرنسي.
يشغل النقاش السياسي الغربي، التقارب بين الحركات اليسارية والجاليات المسلمة، ولا سيما في فرنسا، حيث يلتقي الاشتراكيون ومنظمات المهاجرين والجماعات المسلمة وحركات اجتماعية مختلفة حول مطالب مشتركة
لفهم ما تشهده فرنسا اليوم، لا بد من العودة إلى مايو 1968، حين تحولت الاحتجاجات الطلابية التي انطلقت من محيط جامعتي نانتير والسوربون في باريس إلى انتفاضة واسعة، شارك فيها العمال وشرائح اجتماعية مختلفة. وكان شعارها الأشهر: «كن واقعيا، واطلب المستحيل!». لم يقتصر تمرد ذلك الجيل على معارضة الجامعات والحكومة، بل شمل الرأسمالية والإمبريالية وحرب فيتنام والاستبداد وأشكال الهيمنة في الحياة اليومية. وامتدت أصداء الحركة إلى بلدان كثيرة، من بينها تركيا، مغذّية تطلعات الشباب إلى الحرية والمساواة والعدالة. وبعد نحو ستة عقود، تغيّر العالم وانتهت الحرب الباردة، لكن سعي الشباب إلى العدالة لم يتوقف، فإذا كان جيل 1968 قد خرج إلى الشوارع دفاعا عن مُثل كبرى، فإن شباب اليوم يناضلون غالبا من أجل حقوق أساسية، مثل التعليم والعمل والسكن والمعاملة المتساوية. وعندما تبقى مطالبهم بلا استجابة، تتسع دائرة الاعتراض لتشمل النظام السياسي الذي ينتج الحكومات، لا الحكومات وحدها. وهذا هو الاحتمال الذي يقلق النخب الحاكمة على ضفتي الأطلسي: أن تتحول الاحتجاجات المتفرقة إلى نقد مشترك للنظام القائم. ومن القضايا التي تشغل النقاش السياسي الغربي، التقارب بين الحركات اليسارية والجاليات المسلمة، ولا سيما في فرنسا، حيث يلتقي الاشتراكيون ومنظمات المهاجرين والجماعات المسلمة وحركات اجتماعية مختلفة حول مطالب مشتركة. وتصف أوساط يمينية هذا التقارب بأنه «التحالف الأحمر والأخضر»، في إشارة إلى اليسار والإسلام. لكن المسألة الأهم هي إمكان التقاء أشخاص من خلفيات دينية وفكرية مختلفة حول مطلب العدالة؛ فقد تتقاطع معارضة الاشتراكي لإقصاء شاب مسلم بسبب هويته الدينية، مع اعتراض العامل المسيحي على التفاوت الاقتصادي. ويتمحور هذا التقاطع حول مبدأ واضح: «نعم للاندماج، لا للاستيعاب القسري». فالناس يريدون المشاركة في الحياة القانونية والاجتماعية لبلدانهم، والالتزام بمسؤولياتهم المشتركة، من دون أن يُجبروا على التخلي عن معتقداتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم التاريخية. وهنا تظهر إحدى معضلات الدولة القومية الحديثة، التي تسعى أحيانا إلى صهر الاختلافات في هوية وطنية واحدة، بدلا من الاعتراف بها، بما يفاقم تعارض سياساتها مع واقع المجتمعات متعددة الثقافات.
وفي مواجهة الأزمة الراهنة، يبرز اتجاهان رئيسيان، الأول هو النهج اليميني الشعبوي والقومي، الذي يجسّده دونالد ترامب، والذي يعزو المشكلات الاجتماعية إلى المهاجرين والأجانب والاختلافات الثقافية، ويطرح إغلاق الحدود والترحيل الجماعي وتوسيع الصلاحيات الأمنية حلولا لها. وبدلا من معالجة جذور الأزمة، يحمّل هذا النهج مسؤوليتها للفئات الأكثر ضعفا. أما الاتجاه الثاني، فتتبناه الحركات الاشتراكية الديمقراطية، التي تدعو إلى تقليص التفاوت في توزيع الدخل، وتوسيع الحقوق الاجتماعية، وتعزيز حضور الهويات المختلفة في الحياة العامة. وعلى الرغم من اختلاف هذين التوجهين، فإنهما يواجهان سؤالا جوهريا: كيف يمكن بناء نظام سياسي مشترك في مجتمعات تتعايش فيها ديانات وثقافات وانتماءات تاريخية متعددة؟ لم تعد لندن وباريس وبرلين ونيويورك مدنا لمجتمعات وطنية متجانسة، بل أصبحت فضاءات تلتقي فيها حضارات ومعتقدات مختلفة، لذلك، لا تقتصر القضية على توزيع الموارد الاقتصادية، بل تشمل أيضا المبادئ السياسية والأخلاقية التي تتيح لهذه المجتمعات التعايش.
في هذا السياق، يحتاج الغرب إلى النظر في تجارب حضارية أخرى، وفي مقدمتها التجربة العثمانية. فالتعدد الثقافي الذي يواجهه الغرب الحديث ليس مشكلة جديدة تماما في تاريخنا. وقد قدّمت الدولة العثمانية، خلال وجودها السياسي الذي تجاوز ستة قرون، تجربة لافتة في إدارة جماعات دينية ومذهبية ولغوية وإثنية مختلفة تحت مظلة سياسية واحدة. فمن إسطنبول إلى القدس، ومن سالونيك إلى دمشق، ومن سراييفو إلى القاهرة، حافظ المسلمون والمسيحيون واليهود على تقاليدهم الدينية ومؤسساتهم المجتمعية ضمن أطر قانونية محددة.
وأتاح نظام الملل العثماني، خصوصا، للجماعات غير المسلمة مساحات مؤسسية لتنظيم حياتها الدينية والاجتماعية، ولا يعني ذلك أن النظام العثماني جسّد مساواة كاملة، أو خلا من التفاوتات، فمثل هذا التصوير لا ينسجم مع الحقائق التاريخية. لكن إحدى خصائصه المهمة تمثلت في عدم النظر إلى وجود الجماعات الدينية والثقافية المختلفة، بوصفه مشكلة ينبغي القضاء عليها. وعلى خلاف نموذج الدولة القومية القائم على التجانس الثقافي، أتاح التصور السياسي العثماني لهذه الجماعات الاستمرار في ظل سلطة واحدة. وتكمن أهمية هذه التجربة اليوم في أن التعددية الحقيقية لا تعني جعل الجميع متشابهين، بل ضمان حقهم في الاحتفاظ باختلافاتهم، مع بناء انتماء سياسي مشترك. إن أزمة الغرب ليست أزمة الرأسمالية أو الليبرالية أو الدولة القومية فحسب، بل هي أيضا أزمة في فهم الإنسان والمجتمع والعيش المشترك. فقد ساد الاعتقاد طويلا بأن الرفاه الاقتصادي سيقضي على الصراعات الثقافية، وأن المواطنة المشتركة ستحل مشكلات الهوية. لكن العولمة قرّبت المجتمعات بعضها من بعض، بينما زادت المخاوف الثقافية؛ وسهّل التقدم التكنولوجي التواصل، لكنه عمّق الاغتراب. كذلك، لم يمنع ترسخ الديمقراطية ظهور أشكال جديدة من الإقصاء داخل المجتمعات الديمقراطية نفسها. لذلك، تستحق التجربة العثمانية إعادة النظر، لا بهدف نقل نظام الملل بمؤسساته إلى الحاضر، بل لاستخلاص الدروس من رؤيته التي اعترفت بالاختلافات وأتاحت التعايش وعزّزت الانتماء السياسي المشترك خارج حدود الهوية الإثنية. وإذا استحضرنا مفهوم «العصبية» لدى ابن خلدون، أدركنا أن استدامة الوحدة السياسية لا تقوم على وحدة النسب وحدها، بل تحتاج أيضا إلى تضامن أوسع وشعور مشترك بالانتماء.
ولعل المفارقة التاريخية تكمن في أن الغرب الذي نظر إلى الدولة العثمانية، على مدى قرون، بوصفها رمزا للتخلّف، قد يجد نفسه اليوم مضطرا إلى الاستفادة من تجربتها في إدارة مجتمعاته متعددة الثقافات. فمستقبل البشرية لا يكمن في عالم يُفرض فيه التشابه على الجميع، بل في تصور حضاري يسمح للاختلافات بالتعايش من دون أن يسعى بعضها إلى إلغاء بعض.
كاتب تركي
تحوّلت الاحتجاجات الطلابية التي يُقال إنها بدأت في 18 سبتمبر في إحدى مدارس كريتاي، في ضواحي باريس، إلى رمز للاضطرابات الاجتماعية التي امتدت إلى مناطق مختلفة من فرنسا، وقيل إنها انعكست أيضا في بلجيكا. وتصف بعض الأوساط هذه التحركات بأنها «الانتفاضة الفرنسية». غير أن حصر أسبابها في مشكلات التعليم يغفل أبعادها الأعمق؛ فالمطالب لا تقتصر على زيادة عدد المعلمين، أو تحسين القاعات الدراسية، بل تشمل انعدام تكافؤ الفرص، والحرمان الاقتصادي، والإقصاء الاجتماعي، وسياسات الهوية، وتشدد النهج الأمني للدولة. كذلك، لا يمكن اختزال المحتجين في المسلمين والمهاجرين والجماعات المتطرفة، إذ تعبّر أوساط مختلفة، من اليساريين والنقابات إلى المنظمات الشبابية وشرائح من المجتمع المسيحي، عن مظالم متقاربة.
ويُعدّ التيار الذي تمثّله حركة «فرنسا الأبية»، بقيادة جان لوك ميلانشون، أحد أبرز الفاعلين في هذا السياق. وبذلك، تتجاوز المسألة قضية الهجرة لتكشف أزمة أعمق في التمثيل والعدالة داخل المجتمع الفرنسي.
يشغل النقاش السياسي الغربي، التقارب بين الحركات اليسارية والجاليات المسلمة، ولا سيما في فرنسا، حيث يلتقي الاشتراكيون ومنظمات المهاجرين والجماعات المسلمة وحركات اجتماعية مختلفة حول مطالب مشتركة
لفهم ما تشهده فرنسا اليوم، لا بد من العودة إلى مايو 1968، حين تحولت الاحتجاجات الطلابية التي انطلقت من محيط جامعتي نانتير والسوربون في باريس إلى انتفاضة واسعة، شارك فيها العمال وشرائح اجتماعية مختلفة. وكان شعارها الأشهر: «كن واقعيا، واطلب المستحيل!». لم يقتصر تمرد ذلك الجيل على معارضة الجامعات والحكومة، بل شمل الرأسمالية والإمبريالية وحرب فيتنام والاستبداد وأشكال الهيمنة في الحياة اليومية. وامتدت أصداء الحركة إلى بلدان كثيرة، من بينها تركيا، مغذّية تطلعات الشباب إلى الحرية والمساواة والعدالة. وبعد نحو ستة عقود، تغيّر العالم وانتهت الحرب الباردة، لكن سعي الشباب إلى العدالة لم يتوقف، فإذا كان جيل 1968 قد خرج إلى الشوارع دفاعا عن مُثل كبرى، فإن شباب اليوم يناضلون غالبا من أجل حقوق أساسية، مثل التعليم والعمل والسكن والمعاملة المتساوية. وعندما تبقى مطالبهم بلا استجابة، تتسع دائرة الاعتراض لتشمل النظام السياسي الذي ينتج الحكومات، لا الحكومات وحدها. وهذا هو الاحتمال الذي يقلق النخب الحاكمة على ضفتي الأطلسي: أن تتحول الاحتجاجات المتفرقة إلى نقد مشترك للنظام القائم. ومن القضايا التي تشغل النقاش السياسي الغربي، التقارب بين الحركات اليسارية والجاليات المسلمة، ولا سيما في فرنسا، حيث يلتقي الاشتراكيون ومنظمات المهاجرين والجماعات المسلمة وحركات اجتماعية مختلفة حول مطالب مشتركة. وتصف أوساط يمينية هذا التقارب بأنه «التحالف الأحمر والأخضر»، في إشارة إلى اليسار والإسلام. لكن المسألة الأهم هي إمكان التقاء أشخاص من خلفيات دينية وفكرية مختلفة حول مطلب العدالة؛ فقد تتقاطع معارضة الاشتراكي لإقصاء شاب مسلم بسبب هويته الدينية، مع اعتراض العامل المسيحي على التفاوت الاقتصادي. ويتمحور هذا التقاطع حول مبدأ واضح: «نعم للاندماج، لا للاستيعاب القسري». فالناس يريدون المشاركة في الحياة القانونية والاجتماعية لبلدانهم، والالتزام بمسؤولياتهم المشتركة، من دون أن يُجبروا على التخلي عن معتقداتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم التاريخية. وهنا تظهر إحدى معضلات الدولة القومية الحديثة، التي تسعى أحيانا إلى صهر الاختلافات في هوية وطنية واحدة، بدلا من الاعتراف بها، بما يفاقم تعارض سياساتها مع واقع المجتمعات متعددة الثقافات.
وفي مواجهة الأزمة الراهنة، يبرز اتجاهان رئيسيان، الأول هو النهج اليميني الشعبوي والقومي، الذي يجسّده دونالد ترامب، والذي يعزو المشكلات الاجتماعية إلى المهاجرين والأجانب والاختلافات الثقافية، ويطرح إغلاق الحدود والترحيل الجماعي وتوسيع الصلاحيات الأمنية حلولا لها. وبدلا من معالجة جذور الأزمة، يحمّل هذا النهج مسؤوليتها للفئات الأكثر ضعفا. أما الاتجاه الثاني، فتتبناه الحركات الاشتراكية الديمقراطية، التي تدعو إلى تقليص التفاوت في توزيع الدخل، وتوسيع الحقوق الاجتماعية، وتعزيز حضور الهويات المختلفة في الحياة العامة. وعلى الرغم من اختلاف هذين التوجهين، فإنهما يواجهان سؤالا جوهريا: كيف يمكن بناء نظام سياسي مشترك في مجتمعات تتعايش فيها ديانات وثقافات وانتماءات تاريخية متعددة؟ لم تعد لندن وباريس وبرلين ونيويورك مدنا لمجتمعات وطنية متجانسة، بل أصبحت فضاءات تلتقي فيها حضارات ومعتقدات مختلفة، لذلك، لا تقتصر القضية على توزيع الموارد الاقتصادية، بل تشمل أيضا المبادئ السياسية والأخلاقية التي تتيح لهذه المجتمعات التعايش.
في هذا السياق، يحتاج الغرب إلى النظر في تجارب حضارية أخرى، وفي مقدمتها التجربة العثمانية. فالتعدد الثقافي الذي يواجهه الغرب الحديث ليس مشكلة جديدة تماما في تاريخنا. وقد قدّمت الدولة العثمانية، خلال وجودها السياسي الذي تجاوز ستة قرون، تجربة لافتة في إدارة جماعات دينية ومذهبية ولغوية وإثنية مختلفة تحت مظلة سياسية واحدة. فمن إسطنبول إلى القدس، ومن سالونيك إلى دمشق، ومن سراييفو إلى القاهرة، حافظ المسلمون والمسيحيون واليهود على تقاليدهم الدينية ومؤسساتهم المجتمعية ضمن أطر قانونية محددة.
وأتاح نظام الملل العثماني، خصوصا، للجماعات غير المسلمة مساحات مؤسسية لتنظيم حياتها الدينية والاجتماعية، ولا يعني ذلك أن النظام العثماني جسّد مساواة كاملة، أو خلا من التفاوتات، فمثل هذا التصوير لا ينسجم مع الحقائق التاريخية. لكن إحدى خصائصه المهمة تمثلت في عدم النظر إلى وجود الجماعات الدينية والثقافية المختلفة، بوصفه مشكلة ينبغي القضاء عليها. وعلى خلاف نموذج الدولة القومية القائم على التجانس الثقافي، أتاح التصور السياسي العثماني لهذه الجماعات الاستمرار في ظل سلطة واحدة. وتكمن أهمية هذه التجربة اليوم في أن التعددية الحقيقية لا تعني جعل الجميع متشابهين، بل ضمان حقهم في الاحتفاظ باختلافاتهم، مع بناء انتماء سياسي مشترك. إن أزمة الغرب ليست أزمة الرأسمالية أو الليبرالية أو الدولة القومية فحسب، بل هي أيضا أزمة في فهم الإنسان والمجتمع والعيش المشترك. فقد ساد الاعتقاد طويلا بأن الرفاه الاقتصادي سيقضي على الصراعات الثقافية، وأن المواطنة المشتركة ستحل مشكلات الهوية. لكن العولمة قرّبت المجتمعات بعضها من بعض، بينما زادت المخاوف الثقافية؛ وسهّل التقدم التكنولوجي التواصل، لكنه عمّق الاغتراب. كذلك، لم يمنع ترسخ الديمقراطية ظهور أشكال جديدة من الإقصاء داخل المجتمعات الديمقراطية نفسها. لذلك، تستحق التجربة العثمانية إعادة النظر، لا بهدف نقل نظام الملل بمؤسساته إلى الحاضر، بل لاستخلاص الدروس من رؤيته التي اعترفت بالاختلافات وأتاحت التعايش وعزّزت الانتماء السياسي المشترك خارج حدود الهوية الإثنية. وإذا استحضرنا مفهوم «العصبية» لدى ابن خلدون، أدركنا أن استدامة الوحدة السياسية لا تقوم على وحدة النسب وحدها، بل تحتاج أيضا إلى تضامن أوسع وشعور مشترك بالانتماء.
ولعل المفارقة التاريخية تكمن في أن الغرب الذي نظر إلى الدولة العثمانية، على مدى قرون، بوصفها رمزا للتخلّف، قد يجد نفسه اليوم مضطرا إلى الاستفادة من تجربتها في إدارة مجتمعاته متعددة الثقافات. فمستقبل البشرية لا يكمن في عالم يُفرض فيه التشابه على الجميع، بل في تصور حضاري يسمح للاختلافات بالتعايش من دون أن يسعى بعضها إلى إلغاء بعض.
كاتب تركي
نيسان ـ نشر في 2026/10/15 الساعة 00:00