لماذا لم تنكسر إيران رغم الحرب والحصار؟
نيسان ـ نشر في 2026/10/16 الساعة 00:00
ما تكشفه التسريبات الأخيرة بشأن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية، حول إيران ليس مجرد اختلاف تقني بين السياسيين، وأجهزة الاستخبارات، بل أزمة أعمق تتعلّق بفهم طبيعة القوة نفسها في النظام الدولي المعاصر. فبينما يواصل دونالد ترامب تقديم الحرب والحصار البحري على إيران باعتبارهما نجاحا استراتيجيا ساحقا، ترسم التقديرات المنسوبة إلى وكالة الاستخبارات المركزية صورة أكثر تعقيدا: إيران لم تنهَر، وقدراتها العسكرية لم تُستنزف بالقدر الذي توحي به التصريحات الأمريكية، فيما تشير التقديرات المسرّبة إلى احتفاظها بجزء مهم من ترسانتها الصاروخية، وبقدرة على تحمّل الضغوط الاقتصادية لأشهر طويلة. هنا لا يتعلّق الأمر فقط بما تبقّى لدى إيران من صواريخ ومنصات إطلاق، بل بما إذا كانت واشنطن قد خلطت بين القدرة على إلحاق الدمار، والقدرة على فرض الاستسلام.
تستطيع القوة العظمى تدمير المنشآت، وضرب البنية العسكرية، وتشديد الحصار، لكنها لا تستطيع افتراض أن كل ضربة تقرّب الخصم تلقائيا من الانهيار
فالمعضلة التي تواجه الولايات المتحدة اليوم أنّ التفوّق العسكري، مهما اتسع، لا يمنح صاحبه بالضرورة السيطرة على النتيجة السياسية للحرب، تستطيع القوة العظمى تدمير المنشآت، وضرب البنية العسكرية، وتشديد الحصار، لكنها لا تستطيع افتراض أن كل ضربة تقرّب الخصم تلقائيا من الانهيار. وقد تكون أخطر نتائج الحرب، أنها كشفت الفجوة بين ما تستطيع واشنطن فعله عسكريا وما تستطيع انتزاعه سياسيا. لم تعد المسألة تتعلّق بحجم الدمار الذي أحدثته الضربات، بل بسبب عجزها حتى الآن عن إنتاج تسوية نهائية بالشروط الأمريكية. فبعد أشهر من الحرب والحصار والعقوبات، لا تزال إيران قادرة على المناورة، فيما انتقلت المواجهة من الرهان على الضربات الحاسمة، إلى اختبار القدرة على الاستنزاف. وفي 8 أكتوبر، وسّعت واشنطن عقوباتها على شبكات مرتبطة بتصدير النفط الإيراني وناقلات تعمل ضمن ما يُعرف بالأسطول الخفي. وفي المقابل، تحدّث ترامب عن استمرار المحادثات، معلنا أنّ الولايات المتحدة لن تستأنف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. وبين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري والتفاوض، لا تزال الغاية النهائية للمواجهة موضع تساؤل: هل المطلوب انتزاع تنازلات محددة أم إخضاع إيران بصورة أوسع؟
وكانت تسريبات مايو قد كشفت عن فجوة بين الخطاب السياسي والتقديرات الاستخباراتية المتداولة، فقد تحدّثت تقارير صحافية، استنادا إلى تقييمات مسرّبة، عن احتفاظ إيران بنحو 70% من مخزونها الصاروخي السابق للحرب، وبنسبة كبيرة من منصات الإطلاق المتحرّكة. لكن القيادة العسكرية الأمريكية اعترضت على دقة الأرقام المنشورة، كما أنّ هذه التقديرات لا تمثل جردا نهائيا للقدرات الإيرانية الحالية، ومع ذلك، فإنّ الجدل بشأنها يطرح سؤالا يتجاوز الأرقام: هل أدّت الضربات فعلا إلى تقويض القدرة الإيرانية على مواصلة القتال بالقدر الذي أعلنه الخطاب الأمريكي؟ لا يعني ذلك أن إيران خرجت من الحرب بلا خسائر. فقد تعرّضت قدراتها العسكرية والاقتصادية لضربات كبيرة، وتواجه ضغوطا متزايدة على مواردها وصادراتها، لكن إضعاف الدولة لا يساوي انهيارها، كما أنّ تراجع قدراتها لا يضمن قبولها بالشروط المفروضة عليها. وهذا ما أظهرته تجارب أمريكية سابقة، من العراق إلى أفغانستان، حيث لم يكن التفوّق العسكري وحده كافيا لضمان النتائج السياسية التي سعت واشنطن إلى تحقيقها. فالمشكلة تبدأ عندما تتحوّل القدرة على كسب المعارك إلى افتراض بإمكان التحكّم في مآلاتها. في هذا السياق، يمثل مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية، فالمضيق ليس مجرد ممر لنقل النفط، بل نقطة تتقاطع عندها الحسابات العسكرية مع أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وأي اضطراب في الملاحة يرفع كلفة المواجهة على أطراف تتجاوز الولايات المتحدة وإيران، ويجعل استمرار التصعيد مصدر قلق للأسواق والدول المستوردة للطاقة.
وفي 12 أكتوبر، أفادت تقارير بأنّ طهران تُراجع الرد الأمريكي على مقترحها بشأن إعادة فتح المضيق، وسط خلاف حول ترتيب الملفات التفاوضية، فواشنطن تريد وضع البرنامج النووي في صلب المحادثات منذ بدايتها، بينما تعطي إيران الأولوية لإعادة فتح المضيق واستعادة أمن الملاحة. وهذا الخلاف ليس تفصيلا إجرائيّا، بل يعكس اختلافا في تعريف المشكلة نفسها: هل تبدأ التسوية بتقييد البرنامج النووي، أم بتخفيف الضغوط وتأمين الممر البحري؟ وما دام الطرفان مختلفين حول نقطة البداية، فإنّ الحديث عن قرب الحسم يظل سابقا لأوانه. أما الحصار، فلا يمكن التقليل من أثره الاقتصادي، فهو يضغط على الصادرات الإيرانية ويقلّص الموارد المتاحة للدولة، لكنّه لا يضمن وحده تغيير حسابات القيادة، وقد تدفع الضغوط الطويلة إلى تقليص الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات، لكنها قد توسّع أيضا مسارات الالتفاف على العقوبات والاقتصاد غير الرسمي. والأهم أن كلفة الحصار لا تُترجم آليا إلى تنازلات سياسية؛ فالدولة التي تعتبر مطالب خصمها تهديدا لبقائها قد تتحمّل خسائر إضافية، بدل قبول شروط تراها مقدّمة لإضعافها بصورة نهائية.
وهنا تبرز مشكلة أخرى في الاستراتيجية الأمريكية، وهي غموض الهدف النهائي. فتقييد البرنامج النووي يختلف عن تقليص القدرات الصاروخية، وكلاهما يختلف عن تغيير السلوك الإقليمي، أو إحداث تغيير في بنية النظام. ولا يمكن افتراض أنّ الضربات والحصار سيحقّقان هذه الأهداف المختلفة بالدرجة نفسها. وكلّما اتسعت الغايات من دون تحديد ما يكفي لتحقيقها، ازدادت احتمالات استمرار الضغط من دون نهاية سياسية واضحة. ولا تبقى تداعيات هذا المأزق محصورة في واشنطن وطهران، فدول الخليج تواجه مخاطر على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة، إلى جانب احتمال امتداد المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى. كما أنّ الحرب الطويلة تفرض على الإدارة الأمريكية حسابات اقتصادية وسياسية داخلية، تجعل استمرار التصعيد قرارا مكلفا لا تحكمه الاعتبارات العسكرية وحدها، لكن تعليق الهجمات أو استمرار المحادثات لا يعنيان التوصل إلى تسوية؛ فالفارق كبير بين تجميد التصعيد ومعالجة أسبابه. إنّ وهم الحسم الأمريكي لا يعني أنّ الولايات المتحدة فقدت تفوّقها العسكري، ولا أنّ إيران أصبحت عصيّة على الإضعاف، بل يعني أنّ امتلاك أدوات القوة لا يضمن التحكّم في الزمن السياسي أو فرض تعريف واحد للنصر. تستطيع واشنطن إلحاق أضرار واسعة بإيران، فيما تستطيع طهران، ما دامت تحتفظ بأوراق ضغط وقدرة على مواصلة المواجهة، جعل الوصول إلى تسوية بالشروط الأمريكية أكثر تعقيدا وكلفة.
في المحصّلة النهائية، لم تنتصر إيران لمجرّد أنها لم تنهَر، كما أنّ الولايات المتحدة لم تُحقق بالضرورة أهدافها السياسية لمجرد تفوّقها العسكري، فالمعيار ليس حجم الدمار وحده، بل ما إذا كانت الحرب قد حقّقت الأهداف التي شُنّت من أجلها. وبين صمود إيران وعجز واشنطن عن فرض نهاية حاسمة، تتكشّف المفارقة الكبرى للصراع، ومفادها أنه قد تنجح القوة في إيلام خصمها، لكنّها لا تضمن إخضاعه؛ وقد يصمد الخصم أمامها، من دون أن يكون قد انتصر.
كاتب تونسي
تستطيع القوة العظمى تدمير المنشآت، وضرب البنية العسكرية، وتشديد الحصار، لكنها لا تستطيع افتراض أن كل ضربة تقرّب الخصم تلقائيا من الانهيار
فالمعضلة التي تواجه الولايات المتحدة اليوم أنّ التفوّق العسكري، مهما اتسع، لا يمنح صاحبه بالضرورة السيطرة على النتيجة السياسية للحرب، تستطيع القوة العظمى تدمير المنشآت، وضرب البنية العسكرية، وتشديد الحصار، لكنها لا تستطيع افتراض أن كل ضربة تقرّب الخصم تلقائيا من الانهيار. وقد تكون أخطر نتائج الحرب، أنها كشفت الفجوة بين ما تستطيع واشنطن فعله عسكريا وما تستطيع انتزاعه سياسيا. لم تعد المسألة تتعلّق بحجم الدمار الذي أحدثته الضربات، بل بسبب عجزها حتى الآن عن إنتاج تسوية نهائية بالشروط الأمريكية. فبعد أشهر من الحرب والحصار والعقوبات، لا تزال إيران قادرة على المناورة، فيما انتقلت المواجهة من الرهان على الضربات الحاسمة، إلى اختبار القدرة على الاستنزاف. وفي 8 أكتوبر، وسّعت واشنطن عقوباتها على شبكات مرتبطة بتصدير النفط الإيراني وناقلات تعمل ضمن ما يُعرف بالأسطول الخفي. وفي المقابل، تحدّث ترامب عن استمرار المحادثات، معلنا أنّ الولايات المتحدة لن تستأنف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. وبين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري والتفاوض، لا تزال الغاية النهائية للمواجهة موضع تساؤل: هل المطلوب انتزاع تنازلات محددة أم إخضاع إيران بصورة أوسع؟
وكانت تسريبات مايو قد كشفت عن فجوة بين الخطاب السياسي والتقديرات الاستخباراتية المتداولة، فقد تحدّثت تقارير صحافية، استنادا إلى تقييمات مسرّبة، عن احتفاظ إيران بنحو 70% من مخزونها الصاروخي السابق للحرب، وبنسبة كبيرة من منصات الإطلاق المتحرّكة. لكن القيادة العسكرية الأمريكية اعترضت على دقة الأرقام المنشورة، كما أنّ هذه التقديرات لا تمثل جردا نهائيا للقدرات الإيرانية الحالية، ومع ذلك، فإنّ الجدل بشأنها يطرح سؤالا يتجاوز الأرقام: هل أدّت الضربات فعلا إلى تقويض القدرة الإيرانية على مواصلة القتال بالقدر الذي أعلنه الخطاب الأمريكي؟ لا يعني ذلك أن إيران خرجت من الحرب بلا خسائر. فقد تعرّضت قدراتها العسكرية والاقتصادية لضربات كبيرة، وتواجه ضغوطا متزايدة على مواردها وصادراتها، لكن إضعاف الدولة لا يساوي انهيارها، كما أنّ تراجع قدراتها لا يضمن قبولها بالشروط المفروضة عليها. وهذا ما أظهرته تجارب أمريكية سابقة، من العراق إلى أفغانستان، حيث لم يكن التفوّق العسكري وحده كافيا لضمان النتائج السياسية التي سعت واشنطن إلى تحقيقها. فالمشكلة تبدأ عندما تتحوّل القدرة على كسب المعارك إلى افتراض بإمكان التحكّم في مآلاتها. في هذا السياق، يمثل مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية، فالمضيق ليس مجرد ممر لنقل النفط، بل نقطة تتقاطع عندها الحسابات العسكرية مع أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وأي اضطراب في الملاحة يرفع كلفة المواجهة على أطراف تتجاوز الولايات المتحدة وإيران، ويجعل استمرار التصعيد مصدر قلق للأسواق والدول المستوردة للطاقة.
وفي 12 أكتوبر، أفادت تقارير بأنّ طهران تُراجع الرد الأمريكي على مقترحها بشأن إعادة فتح المضيق، وسط خلاف حول ترتيب الملفات التفاوضية، فواشنطن تريد وضع البرنامج النووي في صلب المحادثات منذ بدايتها، بينما تعطي إيران الأولوية لإعادة فتح المضيق واستعادة أمن الملاحة. وهذا الخلاف ليس تفصيلا إجرائيّا، بل يعكس اختلافا في تعريف المشكلة نفسها: هل تبدأ التسوية بتقييد البرنامج النووي، أم بتخفيف الضغوط وتأمين الممر البحري؟ وما دام الطرفان مختلفين حول نقطة البداية، فإنّ الحديث عن قرب الحسم يظل سابقا لأوانه. أما الحصار، فلا يمكن التقليل من أثره الاقتصادي، فهو يضغط على الصادرات الإيرانية ويقلّص الموارد المتاحة للدولة، لكنّه لا يضمن وحده تغيير حسابات القيادة، وقد تدفع الضغوط الطويلة إلى تقليص الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات، لكنها قد توسّع أيضا مسارات الالتفاف على العقوبات والاقتصاد غير الرسمي. والأهم أن كلفة الحصار لا تُترجم آليا إلى تنازلات سياسية؛ فالدولة التي تعتبر مطالب خصمها تهديدا لبقائها قد تتحمّل خسائر إضافية، بدل قبول شروط تراها مقدّمة لإضعافها بصورة نهائية.
وهنا تبرز مشكلة أخرى في الاستراتيجية الأمريكية، وهي غموض الهدف النهائي. فتقييد البرنامج النووي يختلف عن تقليص القدرات الصاروخية، وكلاهما يختلف عن تغيير السلوك الإقليمي، أو إحداث تغيير في بنية النظام. ولا يمكن افتراض أنّ الضربات والحصار سيحقّقان هذه الأهداف المختلفة بالدرجة نفسها. وكلّما اتسعت الغايات من دون تحديد ما يكفي لتحقيقها، ازدادت احتمالات استمرار الضغط من دون نهاية سياسية واضحة. ولا تبقى تداعيات هذا المأزق محصورة في واشنطن وطهران، فدول الخليج تواجه مخاطر على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة، إلى جانب احتمال امتداد المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى. كما أنّ الحرب الطويلة تفرض على الإدارة الأمريكية حسابات اقتصادية وسياسية داخلية، تجعل استمرار التصعيد قرارا مكلفا لا تحكمه الاعتبارات العسكرية وحدها، لكن تعليق الهجمات أو استمرار المحادثات لا يعنيان التوصل إلى تسوية؛ فالفارق كبير بين تجميد التصعيد ومعالجة أسبابه. إنّ وهم الحسم الأمريكي لا يعني أنّ الولايات المتحدة فقدت تفوّقها العسكري، ولا أنّ إيران أصبحت عصيّة على الإضعاف، بل يعني أنّ امتلاك أدوات القوة لا يضمن التحكّم في الزمن السياسي أو فرض تعريف واحد للنصر. تستطيع واشنطن إلحاق أضرار واسعة بإيران، فيما تستطيع طهران، ما دامت تحتفظ بأوراق ضغط وقدرة على مواصلة المواجهة، جعل الوصول إلى تسوية بالشروط الأمريكية أكثر تعقيدا وكلفة.
في المحصّلة النهائية، لم تنتصر إيران لمجرّد أنها لم تنهَر، كما أنّ الولايات المتحدة لم تُحقق بالضرورة أهدافها السياسية لمجرد تفوّقها العسكري، فالمعيار ليس حجم الدمار وحده، بل ما إذا كانت الحرب قد حقّقت الأهداف التي شُنّت من أجلها. وبين صمود إيران وعجز واشنطن عن فرض نهاية حاسمة، تتكشّف المفارقة الكبرى للصراع، ومفادها أنه قد تنجح القوة في إيلام خصمها، لكنّها لا تضمن إخضاعه؛ وقد يصمد الخصم أمامها، من دون أن يكون قد انتصر.
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026/10/16 الساعة 00:00