إذا كان الصراع وجوديا فكل الحلول مستحيلة!
نيسان ـ نشر في 2026/10/17 الساعة 00:00
في مقال قرأته لمدير لوموند الراحل المؤرخ أندري فونتان قبل حوالي عقدين، قال إنه لاحظ عند لقائه بإسحاق شامير، الذي كان يتحدث الفرنسية بطلاقة، استخفافه المطلق بمصير الفلسطينيين وعدم أخذهم في الحسبان في أي من السيناريوهات الإقليمية الممكنة، كأن لا وجود لهم أصلا. تذكرت هذه الملاحظة عندما طالعت ما نشرته هآرتس أخيرا من أن شامير كان يقول، ردا على إعلان الفلسطينيين عام 1988 اعترافهم بقرارات الأمم المتحدة 181 و242 (أي القبول بحل سلمي لا يمنحهم، نظريا، إلا 22 بالمائة من وطنهم): «كانوا يتحدثون عن رمينا في البحر. أما اليوم فلا يقولون ذلك. لقد أصبحوا أكثر دهاء. فهم يطالبون بحق الفلسطينيين في تقرير المصير. ولكن إذا نظرنا إلى الواقع بتمعن فلن نجد أي تغيير. فالعرب هم العرب ذاتهم والبحر هو البحر ذاته، والغاية هي الغاية ذاتها: تدمير دولة إسرائيل». وتشرح هآرتس بأن جوهر هذه الرؤية أن الأمر لا يتعلق بصراع سياسي يمكن حله بالتسويات، بل هو صراع وجودي غيّر فيه الطرف العربي طريقته ولكنه لم يغيّر غايته. أي أن كل مبادرة سياسية وكل رغبة في الاعتراف المتبادل ما هي إلا ستار من دخان يخفي محاولة العرب أن يحققوا سياسيا ما تعذر عليهم تحقيقه عسكريا. على أن شامير لم يفعل سوى التعبير عن نهج ساد إسرائيل طيلة عقود، وهو القول بأن الصراع لا يتأثر بما تفعله إسرائيل من توسيع أو تجميد للاستيطان، ومن سيطرة على الأراضي أو انسحاب منها. فكل ذلك لا معنى له، بالنظر إلى أن الصراع ناجم عن رفض عربي لوجود دولة إسرائيل أصلا، وأنه سوف يستمر حتى زوالها. ولهذا فإن إسرائيل ستبقى تَعُدّ أي حل سلمي خطرا وجوديا.
قام مسار أوسلو على الفصل بين الشعبين، ولكن ما يفرضه دوام الاستيطان هو التداخل الكلي بينهما إلى حد أن الدولة الواحدة قد تصير هي النهاية التي ستنتهي إليها، وتنتهي بها، إسرائيل
هذه هي حقيقة الموقف الإسرائيلي التي يفترض أن جميع العرب يعرفونها بالتجربة والتحقيق لا بمجرد الخبر. فهل من معنى إذن لاستمرارهم في مجاراة الموقف الدولي المتمادي في روتين الثرثرة عن حل الدولتين؟ إذا كانت الحقيقة أن إسرائيل لم تُبق أي إمكان لقيام دولة فلسطينية فعلية، فليس أقل من أن يُبنى الموقف العربي على أساس هذه الحقيقة، وليس على سراب الخطاب الدبلوماسي الدولي. ومن لوازم هذه الحقيقة أن الحلول الممكنة نظريا هي مستحيلة التحقيق في البرهة التاريخية الراهنة: سواء منها النصر العسكري العربي الحاسم على دولة إسرائيل؛ أو تقسيم الأرض نصفين بين الشعبين؛ أو إقامة دُويْلة فلسطينية على خُمس الأرض المحتلة. بهذا لا يبقى من حل سوى الدولة الديمقراطية الواحدة. ولا معنى للاعتراض بأنه حل مستحيل لأن هذا الاعتراض يتجاهل أن الحلول الثلاثة الأخرى مستحيلة أيضا! كما أنه يتجاهل أن انتهاج استراتيجية المطالبة بهذا الحل، الذي يؤيده حاليا نصف اليهود الأمريكيين من شريحة الشباب (التي سيتعاظم دورها مستقبلا في تصحيح السياسات الأمريكية) سيكون له مزايا متنوعة. أولها أن المطالبة بالحد الأقصى (فلسطين التاريخية) تضع العرب في موقف تفاوضي أقوى من استجداء الحد الأدنى. كما أنها تلزم العالم الغربي بالارتقاء إلى مستوى ترجمة شعاراته عن المساواة والعلمانية والديمقراطية إلى واقع ملموس في فلسطين، تماما كما فعل لما دعم حل الدولة الديمقراطية الواحدة في جنوب إفريقيا.
صحيح أن العنصرية الإسرائيلية ستقف مانعا ضد هذا الحل. وصحيح أن العالم الغربي يبدو عاجزا عن مجرد تصوره. بل الأصح أنه يخافه ويتوجس من احتماله، ولهذا فهو ما ينفك ينصح إسرائيل بأن «السماح للفلسطينيين بإقامة دولتهم» هو أفضل ضمان لبقاء الدولة اليهودية وحفظ أمنها. والسبب، كما شرح إدوارد سعيد، هو أن التصور الغربي قائم على مسلمات اللامساواة بين (علوية) الإسرائيليين( ودونية) الفلسطينيين). ومن أدلة صعوبة زحزحة هذه المسلمات أن جريدة تقدمية مثل الغارديان قد عابت الأسبوع الماضي على حزب الخضر إقدامه على المطالبة بحل الدولة الواحدة. كما أن مثقفا أمريكيا ليبراليا شجاعا مثل نورمان فينكلشتاين، صاحب الكتاب الشهير «صناعة المحرقة»، قد أبدى لما حاورتُه في شأن حل الدولة الواحدة قبل سنين شديد الاعتراض، بدعوى أنه وهم خادع.
ولكن البادي أنه ليس أخدع من حل الدولتين الذي صيّره الإسرائيليون سرابا يحسبه الغربيون ماء. لقد قام مسار أوسلو على الفصل بين الشعبين، ولكن ما يفرضه دوام الاستيطان هو التداخل الكلي بينهما إلى حد أن الدولة الواحدة قد تصير هي النهاية التي ستنتهي إليها، وتنتهي بها، إسرائيل.
٭ كاتب تونسي
القدس العربي
قام مسار أوسلو على الفصل بين الشعبين، ولكن ما يفرضه دوام الاستيطان هو التداخل الكلي بينهما إلى حد أن الدولة الواحدة قد تصير هي النهاية التي ستنتهي إليها، وتنتهي بها، إسرائيل
هذه هي حقيقة الموقف الإسرائيلي التي يفترض أن جميع العرب يعرفونها بالتجربة والتحقيق لا بمجرد الخبر. فهل من معنى إذن لاستمرارهم في مجاراة الموقف الدولي المتمادي في روتين الثرثرة عن حل الدولتين؟ إذا كانت الحقيقة أن إسرائيل لم تُبق أي إمكان لقيام دولة فلسطينية فعلية، فليس أقل من أن يُبنى الموقف العربي على أساس هذه الحقيقة، وليس على سراب الخطاب الدبلوماسي الدولي. ومن لوازم هذه الحقيقة أن الحلول الممكنة نظريا هي مستحيلة التحقيق في البرهة التاريخية الراهنة: سواء منها النصر العسكري العربي الحاسم على دولة إسرائيل؛ أو تقسيم الأرض نصفين بين الشعبين؛ أو إقامة دُويْلة فلسطينية على خُمس الأرض المحتلة. بهذا لا يبقى من حل سوى الدولة الديمقراطية الواحدة. ولا معنى للاعتراض بأنه حل مستحيل لأن هذا الاعتراض يتجاهل أن الحلول الثلاثة الأخرى مستحيلة أيضا! كما أنه يتجاهل أن انتهاج استراتيجية المطالبة بهذا الحل، الذي يؤيده حاليا نصف اليهود الأمريكيين من شريحة الشباب (التي سيتعاظم دورها مستقبلا في تصحيح السياسات الأمريكية) سيكون له مزايا متنوعة. أولها أن المطالبة بالحد الأقصى (فلسطين التاريخية) تضع العرب في موقف تفاوضي أقوى من استجداء الحد الأدنى. كما أنها تلزم العالم الغربي بالارتقاء إلى مستوى ترجمة شعاراته عن المساواة والعلمانية والديمقراطية إلى واقع ملموس في فلسطين، تماما كما فعل لما دعم حل الدولة الديمقراطية الواحدة في جنوب إفريقيا.
صحيح أن العنصرية الإسرائيلية ستقف مانعا ضد هذا الحل. وصحيح أن العالم الغربي يبدو عاجزا عن مجرد تصوره. بل الأصح أنه يخافه ويتوجس من احتماله، ولهذا فهو ما ينفك ينصح إسرائيل بأن «السماح للفلسطينيين بإقامة دولتهم» هو أفضل ضمان لبقاء الدولة اليهودية وحفظ أمنها. والسبب، كما شرح إدوارد سعيد، هو أن التصور الغربي قائم على مسلمات اللامساواة بين (علوية) الإسرائيليين( ودونية) الفلسطينيين). ومن أدلة صعوبة زحزحة هذه المسلمات أن جريدة تقدمية مثل الغارديان قد عابت الأسبوع الماضي على حزب الخضر إقدامه على المطالبة بحل الدولة الواحدة. كما أن مثقفا أمريكيا ليبراليا شجاعا مثل نورمان فينكلشتاين، صاحب الكتاب الشهير «صناعة المحرقة»، قد أبدى لما حاورتُه في شأن حل الدولة الواحدة قبل سنين شديد الاعتراض، بدعوى أنه وهم خادع.
ولكن البادي أنه ليس أخدع من حل الدولتين الذي صيّره الإسرائيليون سرابا يحسبه الغربيون ماء. لقد قام مسار أوسلو على الفصل بين الشعبين، ولكن ما يفرضه دوام الاستيطان هو التداخل الكلي بينهما إلى حد أن الدولة الواحدة قد تصير هي النهاية التي ستنتهي إليها، وتنتهي بها، إسرائيل.
٭ كاتب تونسي
القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026/10/17 الساعة 00:00