لاهوت الإبادة.. كيف يُحرّك العقل الإنجيلي الأمريكي بوصلة الحرب؟
نيسان ـ نشر في 2026/10/18 الساعة 00:00
دأبت الدبلوماسية الأمريكية على تسويق اصطفافها المطلق خلف إسرائيل بوصفه شأناً سياسياً تحكمه حسابات المصالح الجيوسياسية، أو التزاماً علمانياً بقيم "الديمقراطية المشتركة". غير أن هذا الخطاب البراغماتي الخارجي يحجب المحرك الأيديولوجي الأعمق الذي يوجّه مراكز القرار في واشنطن؛ وهو التيار الإنجيلي الصهيوني (Christian Zionism). فالانحياز لإسرائيل في الوعي الجمعي لقطاعات واسعة من النخب الحاكمة والناخبين الأمريكيين لا يقف عند حدود التحالفات التقليدية، بل ينطلق من عقيدة لاهوتية خلاصية تجعل من استدامة الحرب والتوسع الاستيطاني شرطاً مسبقاً لتحقيق نبوءات القيامة، مما يفسر استعصاء أي مسار دبلوماسي حقيقي لوقف النزيف في المنطقة.
التناص الاستعماري واستنساخ السردية التوراتية
لم يولد هذا التماهي مع ظهور الصهيونية السياسية أواخر القرن التاسع عشر، بل يعود إلى اللحظة التأسيسية الأولى للهجرة البيوريتانية (Puritans) من بريطانيا نحو القارة الأمريكية. فقد صاغ المستوطنون الأوائل هويتهم من خلال استدعاء نصوص سفر الخروج؛ فشبهوا رحلتهم عبر الأطلسي بعبور بني إسرائيل للبحر الأحمر، وأطلقوا على القارة الجديدة اسم "كنعان الموعودة" ومستوطناتهم خلق هذا التناص الديني رابطة استعمارية عضوية عابرة للزمن؛ فالأمريكي البروتستانتي الأبيض يرى في المشروع الصهيوني على أرض فلسطين تكراراً لتجربته التأسيسية الخاصة"مدينة فوق تل"، فيما صُنّف السكان الأصليون كـ"كنعانيين وثنيين" يجب إبادتهم وتطهير الأرض منهم لتثبيت العهد الإلهي. ولم يكن صدفة أن تُطلق أسماء المدن الفلسطينية -كالخليل، وبيت لحم، وكنعان- على عشرات البلدات والمدن الأمريكية المستحدثة، في تجسيد لمحاولة استنساخ الجغرافيا الفلسطينية المزعومة توراتياً على الأرض.
لقد خلق هذا التناص الديني رابطة استعمارية عضوية عابرة للزمن؛ فالأمريكي البروتستانتي الأبيض يرى في المشروع الصهيوني على أرض فلسطين تكراراً لتجربته التأسيسية الخاصة. ومن هنا، يكتسب الاستيطان الصهيوني في الوعي الإنجيلي شرعية بديهية تتجاوز القوانين الوضعية، بوصفه امتداداً لعقيدة "شعب الله المختار" وحقه الحصري في إخضاع الأرض ومحو أهلها الأصليين بلا أدنى وخز للضمير.
عقيدة هرمجدون ومفارقة "حب الصهيونية"
يتأسس الدعم الإنجيلي للكيان على ما يُعرف بـ "اللاهوت التدبيري" (Dispensationalism)، وهو مذهب انتشر بقوة مع "إنجيل سكوفيلد المرجعي" مطلع القرن العشرين، ويقوم على قراءة نصوص العهد القديم بحرفية صارمة. يربط هذا المعتقد "المجيء الثاني للمسيح" بسلسلة وقائع جغرافية حتمية: تجميع يهود الشتات في فلسطين، وبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وتفجير صراع إقليمي شامل في وادي مجدّو (معركة هرمجدون).
وهنا تتجلى المفارقة المركزية؛ فهذا الاحتضان الجارف ليس حباً لليهود لذاتهم، بل هو توظيف نفعي في خدمة النبوءة؛ إذ تفترض العقيدة الإنجيلية فناء ثلثي اليهود في تلك الملحمة الفنائية وتنصّر البقية قسراً. يتقاطع هذا الطرح مع الرؤية الماشيحانية لليمين الصهيوني المتطرف في مسار واحد: كلاهما يعتبر الآخر مجرد "أداة مؤقتة"، وكلاهما يسعى لـ"تسريع الكارثة" وتأبيد الاشتعال الإقليمي، رافضين أي تسوية سياسية تعطل ما يعتبرانه قدراً إلهياً محتوماً.
من المنابر إلى الصناديق.. سطوة الابتزاز الانتخابي
تكشف هذه البنية أن أزمة الانحياز الأمريكي لإسرائيل تتجاوز الشراكة السياسية، أو التفسيرات الاقتصادية أو مصالح الشركات؛ فالصراع في الشرق الأوسط لا يواجه فقط مشروعاً استعمارياً إحلالياً على الأرض، بل يصطدم بلاهوت إبادي يرى في السلام جريمة تعطل إرادة الرب
تترجم هذه المنظومة العقائدية إلى ثقل انتخابي وسياسي هائل يكبّل النظام السياسي الأمريكي؛ حيث تشكل القاعدة الإنجيلية، التي تضم أكثر من 70 مليون ناخب، الكتلة الأكثر انضباطاً وتأثيراً داخل الحزب الجمهوري. وتبرز في هذا السياق منظمات ضغط عملاقة مثل "مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل" (CUFI) بقيادة جون هاغي، التي تفوق لجنة "أيباك" عدداً وتأثيراً في الانتخابات التمهيدية وصناعة النخب الحاكمة في واشنطن.
يُرفع النص التوراتي في أروقة الكونغرس كسوط مسلط على المشرعين؛ حيث تُوظف آية التكوين: "أبارك مباركيك ولاعنك ألعنه" لمنع أي نقاش حول تقييد شحنات الأسلحة والحدّ من أي مساءلة. فيصبح أي نقد للسياسات الإسرائيلية بمثابة "مخاطرة دينية" تستجلب غضب السماء وتكلف السياسي مستقبله الحزبي، مما يُفرغ السياسة الخارجية من رشدها الاستراتيجي، ويجعل واشنطن رهينة لكتلة تصويتية ترى في استمرار الحروب فعلاً تعبدياً وشرطاً لنيل البركة.
ختاماً، تكشف هذه البنية أن أزمة الانحياز الأمريكي لإسرائيل تتجاوز الشراكة السياسية، أو التفسيرات الاقتصادية أو مصالح الشركات؛ فالصراع في الشرق الأوسط لا يواجه فقط مشروعاً استعمارياً إحلالياً على الأرض، بل يصطدم بلاهوت إبادي يرى في السلام جريمة تعطل إرادة الرب. وحين ترتهن القوة العسكرية لأكبر دولة نووية في العالم لأيديولوجيا خلاصية تستعجل القيامة على حساب دماء الشعوب، يصبح الحديث عن تسويات دبلوماسية أو سلام عادل ضرباً من الوهم السياسي؛ فالصراع هنا يخرج من معادلات السياسة والتفاوض ليدخل في مدارات عقائدية ترى في إبادة الآخر شرطاً حتمياً ومفتاحاً أوحد للخلاص.
عربي 21
التناص الاستعماري واستنساخ السردية التوراتية
لم يولد هذا التماهي مع ظهور الصهيونية السياسية أواخر القرن التاسع عشر، بل يعود إلى اللحظة التأسيسية الأولى للهجرة البيوريتانية (Puritans) من بريطانيا نحو القارة الأمريكية. فقد صاغ المستوطنون الأوائل هويتهم من خلال استدعاء نصوص سفر الخروج؛ فشبهوا رحلتهم عبر الأطلسي بعبور بني إسرائيل للبحر الأحمر، وأطلقوا على القارة الجديدة اسم "كنعان الموعودة" ومستوطناتهم خلق هذا التناص الديني رابطة استعمارية عضوية عابرة للزمن؛ فالأمريكي البروتستانتي الأبيض يرى في المشروع الصهيوني على أرض فلسطين تكراراً لتجربته التأسيسية الخاصة"مدينة فوق تل"، فيما صُنّف السكان الأصليون كـ"كنعانيين وثنيين" يجب إبادتهم وتطهير الأرض منهم لتثبيت العهد الإلهي. ولم يكن صدفة أن تُطلق أسماء المدن الفلسطينية -كالخليل، وبيت لحم، وكنعان- على عشرات البلدات والمدن الأمريكية المستحدثة، في تجسيد لمحاولة استنساخ الجغرافيا الفلسطينية المزعومة توراتياً على الأرض.
لقد خلق هذا التناص الديني رابطة استعمارية عضوية عابرة للزمن؛ فالأمريكي البروتستانتي الأبيض يرى في المشروع الصهيوني على أرض فلسطين تكراراً لتجربته التأسيسية الخاصة. ومن هنا، يكتسب الاستيطان الصهيوني في الوعي الإنجيلي شرعية بديهية تتجاوز القوانين الوضعية، بوصفه امتداداً لعقيدة "شعب الله المختار" وحقه الحصري في إخضاع الأرض ومحو أهلها الأصليين بلا أدنى وخز للضمير.
عقيدة هرمجدون ومفارقة "حب الصهيونية"
يتأسس الدعم الإنجيلي للكيان على ما يُعرف بـ "اللاهوت التدبيري" (Dispensationalism)، وهو مذهب انتشر بقوة مع "إنجيل سكوفيلد المرجعي" مطلع القرن العشرين، ويقوم على قراءة نصوص العهد القديم بحرفية صارمة. يربط هذا المعتقد "المجيء الثاني للمسيح" بسلسلة وقائع جغرافية حتمية: تجميع يهود الشتات في فلسطين، وبناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وتفجير صراع إقليمي شامل في وادي مجدّو (معركة هرمجدون).
وهنا تتجلى المفارقة المركزية؛ فهذا الاحتضان الجارف ليس حباً لليهود لذاتهم، بل هو توظيف نفعي في خدمة النبوءة؛ إذ تفترض العقيدة الإنجيلية فناء ثلثي اليهود في تلك الملحمة الفنائية وتنصّر البقية قسراً. يتقاطع هذا الطرح مع الرؤية الماشيحانية لليمين الصهيوني المتطرف في مسار واحد: كلاهما يعتبر الآخر مجرد "أداة مؤقتة"، وكلاهما يسعى لـ"تسريع الكارثة" وتأبيد الاشتعال الإقليمي، رافضين أي تسوية سياسية تعطل ما يعتبرانه قدراً إلهياً محتوماً.
من المنابر إلى الصناديق.. سطوة الابتزاز الانتخابي
تكشف هذه البنية أن أزمة الانحياز الأمريكي لإسرائيل تتجاوز الشراكة السياسية، أو التفسيرات الاقتصادية أو مصالح الشركات؛ فالصراع في الشرق الأوسط لا يواجه فقط مشروعاً استعمارياً إحلالياً على الأرض، بل يصطدم بلاهوت إبادي يرى في السلام جريمة تعطل إرادة الرب
تترجم هذه المنظومة العقائدية إلى ثقل انتخابي وسياسي هائل يكبّل النظام السياسي الأمريكي؛ حيث تشكل القاعدة الإنجيلية، التي تضم أكثر من 70 مليون ناخب، الكتلة الأكثر انضباطاً وتأثيراً داخل الحزب الجمهوري. وتبرز في هذا السياق منظمات ضغط عملاقة مثل "مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل" (CUFI) بقيادة جون هاغي، التي تفوق لجنة "أيباك" عدداً وتأثيراً في الانتخابات التمهيدية وصناعة النخب الحاكمة في واشنطن.
يُرفع النص التوراتي في أروقة الكونغرس كسوط مسلط على المشرعين؛ حيث تُوظف آية التكوين: "أبارك مباركيك ولاعنك ألعنه" لمنع أي نقاش حول تقييد شحنات الأسلحة والحدّ من أي مساءلة. فيصبح أي نقد للسياسات الإسرائيلية بمثابة "مخاطرة دينية" تستجلب غضب السماء وتكلف السياسي مستقبله الحزبي، مما يُفرغ السياسة الخارجية من رشدها الاستراتيجي، ويجعل واشنطن رهينة لكتلة تصويتية ترى في استمرار الحروب فعلاً تعبدياً وشرطاً لنيل البركة.
ختاماً، تكشف هذه البنية أن أزمة الانحياز الأمريكي لإسرائيل تتجاوز الشراكة السياسية، أو التفسيرات الاقتصادية أو مصالح الشركات؛ فالصراع في الشرق الأوسط لا يواجه فقط مشروعاً استعمارياً إحلالياً على الأرض، بل يصطدم بلاهوت إبادي يرى في السلام جريمة تعطل إرادة الرب. وحين ترتهن القوة العسكرية لأكبر دولة نووية في العالم لأيديولوجيا خلاصية تستعجل القيامة على حساب دماء الشعوب، يصبح الحديث عن تسويات دبلوماسية أو سلام عادل ضرباً من الوهم السياسي؛ فالصراع هنا يخرج من معادلات السياسة والتفاوض ليدخل في مدارات عقائدية ترى في إبادة الآخر شرطاً حتمياً ومفتاحاً أوحد للخلاص.
عربي 21
نيسان ـ نشر في 2026/10/18 الساعة 00:00