تونس تعبت: حين تحزم الكفاءات الشابة حقائبها على وقع الوعود المؤجلة

نيسان ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 00:00
لم يحتج ماهر قاسم إلى كثير من الكلام لتفسير قراره بمغادرة تونس، واختصر موقفه بعبارة: "تونس تعبت". فبعد سنوات من العمل في قطاع الإعلام ومحاولات متواصلة لتأمين حياة مستقرة لعائلته، بات يفكر في بدء حياة جديدة خارج البلاد. ولم يعد يشغله شراء منزل أو التخطيط لمستقبل أفضل، بقدر ما بات همه تدبير مصاريف الشهر والوفاء بالتزاماته المتراكمة.

يروي ماهر، أن راتبه، رغم مسؤوليته المهنية في المؤسسة التي يعمل بها، يكاد يُستهلك بالكامل بين أقساط القروض والإيجار ومصاريف دراسة ابنه. ويضيف أن الأمر بلغ حد العجز أحيانا عن مساعدة والدته المريضة في توفير أدويتها وتكاليف علاجها.
قاسم واحد من شريحة واسعة من الشباب التونسي الذين لم يعودوا يلمسون تغييرا حقيقيا في حياتهم اليومية. فبعد 7 سنوات من حكم الرئيس قيس سعيد يتحدث عن مخاوف متزايدة بشأن مستقبل ابنه ونوعية الحياة التي يمكن أن توفرها البلاد للأجيال المقبلة. في المقابل، لا يزال فريق آخر متمسكا بثقته في الرئيس.

تتباين مواقف التونسيين بين مَن يرى أن السنوات الماضية لم تحقق التغيير المأمول، ومن لا يزال يراهن على إمكانية الإصلاح. ويترافق هذا التباين في تقييم التجربة السياسية مع استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد.

لا تغيير
في أحد أحياء العاصمة، يسترجع غيث ذكريات الحملة الرئاسية لسنة 2019 والوعود التي أُطلقت وقتها. كان حينها في الـ19 من عمره لكنه لم يكن مهتما بالشأن السياسي ولم يدلي بصوته، مؤكدا أن حالة النشوة التي رافقت فوز الرئيس سعيد بالرئاسة رفعت سقف الانتظارات كثيرا لدى التونسيين.

اليوم، وبعد 7 سنوات، لا يلمس أي تغيير في حياته، حسب تعبيره. يشرح أن المشاكل المعيشية التي كانت قائمة آنذاك ما زالت حاضرة، مضيفا أن المواطن أصبح يعيش على وقع أزمات متكررة تتعلق بتوفير بعض المواد والخدمات الأساسية.ولا يخفي غيث استياءه من طريقة تواصل السلطة مع المواطنين، معتبرا أن التونسيين ينتظرون أجوبة أكثر وضوحا بشأن السياسات المتبعة والنتائج المنتظرة. ويقول إن ما ينتظره المواطن من رئيس الدولة هو تحمل المسؤولية وتقديم رؤية واضحة للمستقبل.في حين لا تتعلق الأسباب -حسب ماهر- بالوضع الاقتصادي وحده، فالرجل يرى أن ممارسة العمل الصحفي أصبحت أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق.بعض التونسيين لا يزالون يثقون بجدية الرئيس في مساعيه للإصلاح"مزيدا من الوقت"في حين، ما زال بعض التونسيين يتمسكون بثقتهم في الرئيس. محمد أمين، سائق سيارة أجرة في الثلاثين من عمره، يقول إنه صوّت لقيس سعيد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وما زال مقتنعا بقدرته على إصلاح الأوضاع.ويؤكد للجزيرة نت أن الرئيس "صادق في نواياه" ويريد التغيير، لكنه يعتقد أن عراقيل متعددة تحول دون تنفيذ مشروعه الإصلاحي.ويضيف أن الحكم على التجربة يبقى سابقا لأوانه بالنسبة إليه، داعيا إلى منحها مزيدا من الوقت.خريجو الجامعات العاطلون عن العمل يواصلون تحركاتهم للمطالبة بالتوظيفبطالة وهجرةولا تزال البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، من أكثر الملفات حضورا في النقاش العام. ووفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء، بلغت نسبة البطالة 14.9% خلال الربع الثاني من 2026، مع وجود نحو 622 ألف عاطل عن العمل.وتبدو الصعوبات أكثر حدة لدى الشباب، إذ بلغت البطالة بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاما نحو 35.4%، بينما وصلت إلى 26.6% لدى حاملي الشهادات العليا. كما سجلت بطالة النساء من خريجات التعليم العالي 35.6% مقابل 14.2% لدى الرجال من المستوى التعليمي نفسه.وفي موازاة ذلك، أظهرت دراسة لأفروبارومتر (شبكة بحثية أفريقية مستقلة تُجري استطلاعات رأي عام في البلدان الأفريقية، بهدف قياس مواقف المواطنين وتصوراتهم بشأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية)، أن نحو ثلثي الشباب التونسيين فكروا في الهجرة، بينما ارتفعت نسبة من قالوا إنهم يفكرون فيها "بكثرة" من 38% سنة 2018 إلى 51% سنة 2024.وحسب التقرير، يرى 59% من الشباب الراغبين في الهجرة أن البحث عن فرص عمل أفضل يمثل الدافع الرئيسي وراء ذلك.وتعكس هذه المؤشرات حجم الإحباط الذي يسود جزءا من الشباب، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن القدرة على تحقيق الاستقرار المهني والاجتماعي داخل البلاد.نحو 6500 مهندس تونسي غادروا البلاد خلال عام 2022 وحده
نزيف الكفاءاتلا يقتصر التفكير في الهجرة على الباحثين عن أول فرصة عمل، بل يشمل أيضا أصحاب الاختصاصات الذين تلقوا تكوينهم في تونس.ففي قطاع الهندسة، قال رئيس عمادة المهندسين التونسيين كمال سحنون -في ندوة صحفية نظمتها عمادة المهندسين مؤخرا- إن نحو 6500 مهندس غادروا البلاد خلال عام 2022 وحده، مقارنة بمعدل سنوي قارب 3 آلاف مهندس خلال عامي 2013 و2014، في مؤشر على تسارع نزيف الكفاءات نحو الخارج.أما في القطاع الصحي، فتواصل تونس فقدان عدد مهم من الأطباء والأطر الصحية. وتشير أرقام الوكالة التونسية للتعاون الفني إلى انتداب 1839 إطارا صحيا وشبه طبي للعمل بالخارج خلال عام 2023، و1022 خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، إضافة إلى 1244 إطارا خلال عام 2025.وتعكس هذه المؤشرات بالإضافة إلى حجم الطلب الخارجي على الكفاءات التونسية، تزايد رغبة أصحاب الاختصاص في البحث عن ظروف مهنية ومعيشية أفضل.


ليس الاقتصاد وحده
يعمل حمزة، وهو مهندس برمجيات في الـ26 من عمره، مع شركة أجنبية ويتقاضى دخلا يصفه بالجيد، ورغم ذلك يؤكد أنه بات يفكر بجدية في المغادرة ويقول للجزيرة نت: "لم يعد الأمر متعلقا بالمال فقط". ويضيف أن قراره يرتبط بجملة من العوامل تشمل نمط العيش والعلاقة بالإدارة والضبابية التي تحيط بالمستقبل، إلى جانب الوضع الاقتصادي العام.
ويرى الباحث في قضايا الهجرة رمضان بن عمر أن الظاهرة أصبحت أكثر تعقيدا خلال السنوات الأخيرة. ويقول للجزيرة نت إن دوافع الهجرة لم تعد اقتصادية فقط، بل باتت مرتبطة أيضا بالبحث عن فضاءات أوسع للحريات وفرص المشاركة ورسم مستقبل أفضل.
ويضيف أن فئات متزايدة من الشباب أصبحت تنظر إلى الهجرة باعتبارها مشروع حياة أكثر منها مجرد وسيلة لتحسين الدخل. كما يشير إلى أن بعض المناطق الحدودية، مثل بنقردان، تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة دفعت أعدادا متزايدة من الشباب إلى التفكير في الهجرة، سواء عبر المسارات النظامية أو غير النظامية.
سؤال المستقبل
بين ماهر الذي حزم حقائبه استعدادا لبداية جديدة في فرنسا، وحمزة الذي يفكر في الرحيل رغم نجاحه المهني، وغيث الذي يشعر بخيبة أمل بعد سنوات من الانتظار، ومحمد أمين الذي ما زال يراهن على الإصلاح، تتشكل صورة معقدة للمشهد التونسي بعد 7 سنوات من انتخابات 2019.
صورة تعكس بلدا ما زال يبحث عن توازن بين التحديات الاقتصادية والرهانات السياسية، وبين رغبة البعض في المغادرة وتمسك آخرين بالأمل في التغيير.
ويبدو أن السؤال الذي يطرحه كثير من التونسيين اليوم لم يعد متعلقا فقط بحصيلة تجربة سياسية أو تقييم سنوات الحكم، بل بتحديد المكان الذي يرون فيه مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، وما إذا كانت تونس قادرة على إقناعهم بالبقاء أم لا.
    نيسان ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 00:00