جمهورية البصرة 1921… الدولة التي لم تولد

صادق الطائي
نيسان ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 00:00
في اللحظة التي كان العراق الحديث يبحث فيها عن اسمه وحدوده وملكه وعاصمته، كانت البصرة تفكر في طريق آخر. لم تكن المملكة العراقية قد استقرت بعد، ولم يكن فيصل بن الحسين قد جلس على عرشه في بغداد، حين ظهرت في مدينة البصرة، ميناء العراق الرئيسي، حركة تطالب بوضع سياسي خاص، يجعل البصرة كيانا يكاد يكون مستقلا، مرتبطا بالعراق بخيوط واهية، ومشدودا في الوقت نفسه إلى بريطانيا والخليج والعالم التجاري، الذي صنعت المدينة عبر علاقتها به جزءا مهما من ثروتها وهويتها. كانت تلك واحدة من اللحظات المنسية في تاريخ تأسيس العراق: لحظة كان ممكنا، ولو لفترة قصيرة، أن تبدو فيها خريطة البلاد مختلفة عما نعرفه اليوم.
من السهل، بعد أكثر من قرن كامل، أن نقرأ ما حدث بمفردات حاضرنا: شيعة وسنّة، مركز وإقليم، فيدرالية وانفصال. لكن ذلك سيكون إسقاطا متعجلا لعراق اليوم على عراق 1921. فالحركة التي ظهرت في البصرة آنذاك لم تكن مشروعا شيعيا للانفصال عن دولة تحكمها نخبة سنية، ولم تتأسس على خطاب مذهبي أصلا. كان في صفوف مؤيديها مسلمون سنة وشيعة ومسيحيون ويهود، وكان محركها الأبرز نخبة من التجار وملاك الأراضي والوجهاء الذين رأوا مدينتهم من خلال موقعها، بوابة بحرية وتجارية أكثر مما رأوها طرفا جنوبيا تابعا لبغداد. وهذا الأمر جعل تلك التجربة أكثر إثارة من الصورة المبسطة التي اختزلت تاريخ العراق لاحقا إلى صراع دائم بين مكوناته.
بدأت القصة تتخذ شكلا سياسيا واضحا في ربيع 1921. كان البريطانيون يمضون في مشروع تنصيب فيصل بن الحسين ملكا على العراق، بينما كان بعض كبار وجهاء البصرة يفكرون في مستقبل آخر للمدينة. وفي السابع من أبريل، التقى اثنان من كبار تجارها وملاك أراضيها، أحمد الصانع وعبد اللطيف المنديل، بالمندوب السامي البريطاني برسي كوكس، وطرحا فكرة إدارة منفصلة للبصرة تحت إشراف بريطاني مباشر. حجتهما كانت بسيطة ومعبّرة عن طبيعة المدينة: البصرة مركز تجاري له مصالح تختلف عن مصالح بغداد، وإخضاعها لحكومة مركزية جديدة قد لا يكون أفضل كثيرا، في نظرهما، من تجربتها مع الإدارة العثمانية.
لم تسقط فكرة الانفصال أمام جيش عراقي قوي، ولا أمام قمع حكومي منظم، وإنما تراجعت الأطروحة وهي تواجه جاذبية متزايدة لفكرة العراق ذاتها
لم تكن المسألة حنينا إلى دولة بصراوية قديمة، إذ لم تكن هناك دولة كهذه يستدعيها أصحاب المشروع من التاريخ، ولم يبحثوا عن أسطورة تأسيسية أو هوية عرقية أو دينية تمنح انفصالهم شرعية. كانت حجتهم أكثر براغماتية: هذه مدينة ميناء، متصلة بالهند والخليج والأسواق الدولية، ولها إيقاع اقتصادي واجتماعي مختلف، فلماذا ينبغي أن تدير بغداد شؤونها؟ في العشرين من يونيو 1921، وصل وفد من ستة أشخاص إلى بغداد حاملا عريضة البصرة. وتحدثت المصادر عن آلاف التواقيع المؤيدة لها. لم تطالب الوثيقة، كما قد يوحي وصفها بـ«الانفصالية»، بقطع كل علاقة مع العراق، بل اقترحت صيغة أقرب إلى اتحاد كونفدرالي فضفاض تحت اسم «ولايتي العراق والبصرة المتحدتين»، حيث يكون للبصرة مجلسها التشريعي وحاكمها وإدارتها وضرائبها وقوات أمنها، بل وجيشها الخاص، فيما تظل بعض الملفات، مثل البريد والبرق والنقد والسكك الحديد والملاحة والعلاقات الخارجية والدفاع، مشتركة مع العراق. كانت دولة داخل الدولة تقريبا، أو إقليما يتمتع باستقلال يكاد لا يبقي لبغداد سوى الحد الأدنى من السيادة المشتركة.
تكشف تفاصيل العريضة أن القضية الاقتصادية كانت في قلب المشروع، فالبصرة التي عرفها أولئك التجار لم تكن مجرد آخر مدينة عراقية قبل الخليج، بل نقطة اتصال بين العراق والعالم. ميناؤها وتجارتها وموقعها الجغرافي وعلاقات نخبها التجارية مع الخليج والهند جعلت بعض أهلها يتصورون مستقبلا يمكن أن يسير بوتيرة مختلفة عن بغداد والمدن الداخلية، وربما كان هذا تحديدا مصدر قوة المشروع ومصدر ضعفه في الوقت نفسه: فقد عبّر بوضوح عن مصالح فئة قوية من مجتمع المدينة، لكنه لم يستطع تحويل تلك المصالح إلى هوية سياسية قادرة على منافسة الفكرة العراقية الصاعدة. فحتى حجم التأييد الشعبي للمشروع ظل موضع نزاع. التقارير البريطانية تحدثت عن مساندة واسعة له بين «كبار أهالي» البصرة والتجار والملاك، لكن خصومه قالوا إن النخبة التقليدية استخدمت نفوذها للحصول على تواقيع أناس لم يكونوا يعرفون حقيقة ما يوقعون عليه. وظهرت عريضة مضادة حملت نحو 1500 توقيع. لم يكن الصراع، إذن، بين البصرة وبغداد فقط؛ كان يدور داخل البصرة نفسها بين تصورين لمستقبل المدينة.
وهنا تظهر المفارقة الأهم، ففي الوقت الذي كان فيه بعض كبار التجار والوجهاء ينظرون جنوبا نحو الخليج، وبعيدا نحو شبكات التجارة العالمية، كانت فئة أخرى، ضمت خصوصا شبابا ومثقفين وناشطين، تنظر شمالا نحو بغداد وترى مستقبل البصرة جزءا من دولة عراقية واحدة، وبذلك لم تواجه الفكرة الانفصالية دولة عراقية قوية تقمعها، لأن الدولة نفسها كانت لا تزال في طور الولادة، بل واجهت فكرة سياسية منافسة: الوطنية العراقية. حتى بريطانيا، التي تخيل أصحاب المشروع أنها قد تكون الحاضنة الطبيعية لطموحهم، لم تمنحهم الدعم الذي احتاجوه. كانت لندن قد حسمت إلى حد بعيد خيارها لمصلحة إقامة المملكة العراقية وتنصيب فيصل، ولم تكن راغبة في تفكيك الكيان الذي كانت تعمل على بنائه.. أما النخبة الانفصالية نفسها فلم تنجح في تحويل العريضة إلى حركة سياسية جماهيرية. امتلكت المال والنفوذ والعلاقات، لكنها افتقدت القدرة على صناعة سردية تقنع سكان البصرة بأن لهم مستقبلا سياسيا منفصلا عن بقية العراق.
ثم وصل فيصل إلى البصرة في الثالث والعشرين من يونيو 1921، في طريقه إلى بغداد، ودخل المدينة التي كان بعض وجهائها يفكرون قبل أيام في كيفية إبقائها خارج سلطته، لم تختف الفكرة في لحظة، كما توحي بعض الروايات الوطنية اللاحقة، لكنها بدأت تفقد زخمها. وما كان يبدو مشروعا ممكنا في ربيع ذلك العام أخذ ينكمش تدريجيا، بينما كانت الدولة العراقية الجديدة تتحول من تصور سياسي إلى واقع له ملك وحكومة ومؤسسات ورموز.
تكمن أهمية تلك الحكاية اليوم في أنها تعيد إلينا مرحلة لم تكن فيها حدود العراق السياسية والنفسية قد أصبحت بديهية بعد، فالبلدان لا تولد مكتملة، والهويات الوطنية لا تظهر بقرار إداري أو برسم خط على الخريطة، العراق نفسه كان عام 1921 احتمالا سياسيا بين احتمالات أخرى، والبصرة كانت أحد الأماكن التي جرى فيها اختبار ذلك الاحتمال. لكن تجربة البصرة تكشف أيضا حدود المقولة الشائعة التي ترى العراق مجرد تركيب بريطاني جمع ثلاث ولايات عثمانية متنافرة ثم فرض عليها اسما واحدا. لو كان الأمر بهذه البساطة، لكان من المنطقي أن ينتصر المشروع البصري في اللحظة التي كانت فيها الدولة العراقية أضعف ما تكون. لكن حدث العكس تقريبا. لم تسقط فكرة الانفصال أمام جيش عراقي قوي، ولا أمام قمع حكومي منظم، وإنما تراجعت الاطروحة وهي تواجه جاذبية متزايدة لفكرة العراق ذاتها. وهذه ربما هي المفارقة التي تستحق أن نتذكرها بعد أكثر من قرن: عندما كانت الحدود قابلة للتغيير، والدولة هشة، والبدائل ما تزال مفتوحة، امتلك مشروع «البصرة المستقلة» المال والتجارة والنفوذ وبعض الدعم الاجتماعي، لكنه افتقر إلى الشيء الذي امتلكه خصومه تدريجيا: القدرة على إقناع عدد أكبر من الناس بأن مستقبل البصرة يمكن أن يكون عراقيا.
ولهذا فإن «الدولة التي لم تولد» ليست مجرد هامش طريف من تاريخ البصرة، بل نافذة على الطريقة التي ولد بها العراق نفسه. فالتاريخ لا يخبرنا فقط بما حدث، وإنما يحتفظ أحيانا بالطرق التي كان يمكن أن نسلكها ولم نسلكها. وفي صيف 1921 كان أحد تلك الطرق يبدأ من الفاو، يمر بالبصرة، ويتوقف عند القرنة. لكنه لم يصل أبدا إلى أن يصبح حدود دولة.
كاتب عراقي
    نيسان ـ نشر في 2026/10/19 الساعة 00:00