الدولة ليست ساحة لاستعراض عضلات أصحاب النفوذ والزعرنة مدفوعة الثمن

ابراهيم قبيلات
نيسان ـ نشر في 2026/10/21 الساعة 00:00
ثمة من يجلس على مقعد منحته إياه الدولة، ثم يتوهم أن المقعد جعله أكبر منها، يستعير هيبتها ليهدد موظفيها ويتكئ على موقعه للتنكيل بمن لا ينحني لرغباته، ثم يتصرف وكأن المؤسسات العامة أملاك خاصة وأن العاملين فيها مطالبون بالطاعة لا بتطبيق القانون. نحن نتحدث عن عقلية استقواء لا ترى في الدولة سوى سلطة تستخدمها حين تشاء، وتأكل من يعترض طريقها متى تشاء .
ونحن هنا لسنا بصدد مصادرة حق أحد أو استباق نتائج الجهات المختصة، لكن إن ثبت أن هناك من يستقوي على الدولة فنحن أمام سلوك لا يجوز دفنه تحت ركام المجاملات، أو بتصدير خطاب التعقل والحكمة وهو يخفي الجبن في أعماقه، كما لا يمكن اختزاله في لحظة غضب عابرة، فالحق كل الحق أن هؤلاء ما تجراوا على ممارسة التنمر والاستقواء إلا حين خلت الساحة أمامهم من الرجال الرجال.
فمن يبلغ موقعا عاما يفترض أن يكون أكثر الناس إدراكا لحدود سلطته، لا أن يحوّل صفته إلى عصا يلوح بها في وجه موظف يؤدي عمله، وما قيمة المناصب إذا أصبح بعضها غطاء للصراخ والإهانة؟ وما معنى الحديث عن هيبة الدولة إذا كان بعض من يستمدون مكانتهم منها أول المستعدين للاعتداء المعنوي على ممثليها؟
المسألة أبعد من كرامة شخص تعرض للإساءة. إنها تتعلق بسلطة الدولة، تتعلق بنا جميعا وأنه علينا أن أن القانون شيء ورغبات أصحاب النفوذ شيء آخر، وأن علينا أيضا طأطأة الرؤوس لأصحاب الألقاب، والتعامل مع رغباتهم بوصفها قواعد لا تحتمل الخرق.
إنها البلطجة في صورتها الأكثر وقاحة، والأسوأ أن تتحول مثل هذه الوقائع إلى سباق لاسترضاء صاحب المكانة، بدلا من الوقوف إلى جانب القانون وسيادته.
فجأة يصبح السؤال كيف ننزع شافة التوتر الاجتماعي بالقفز عن أسبابه الاجتماعية أيضاً، وهي تستهدف احتواء الغضبة والقفز عن حماية المظلوم باستدعاء عبارات التهدئة، كأن يطلب من المتضرر أن يكون كبيرا ويتجاوز عن الإساءة، فيما يواصل من تغول على الدولة والقانون فرض سطوته وبطشه.
لا. من أراد الاحترام فليحترم الناس أولا، ومن أراد أن يتحدث باسم الدولة فليتعلم ألا يستقوي على موظفيها، ومن ظن أن موقعه يعفيه من الانضباط، فقد أساء إلى سلطة الدولة قبل أن يسيء إلى الشخص.
لا أحد فوق النقد أو القانون، أما محاولة انتزاع المطالب بالصوت المرتفع والإهانة، فهي إعلان ازدراء للمؤسسات، مهما حاول صاحبها تغليفها بالغيرة على المصلحة العامة.
والدولة التي تسمح بتحويل موظفيها إلى أهداف سهلة لأصحاب النفوذ، تدفعهم تدريجيا إلى الخوف من تطبيق القانون، ثم نتحول رويدا رويدا إلى ثقافة الغاب، عندها لن يسأل أحد عما تقوله التعليمات، وتلك بداية انهيار المساواة أمام القانون، حتى لو ظلت المؤسسات مفتوحة واللافتات معلقة على أبوابها.
لا نريد استعراضا للقوة ولا انتقاما، ولا أحكاما عشوائية، نريد فقط أن تأخذ الوقائع مسارها القانوني دون تدخل أو ضغط، وأن يعرف كل من يتولى موقعا عاما أن منصبه مسؤولية مضاعفة، لا حصانة تمنحه حق الاستقواء الآخرين.
    نيسان ـ نشر في 2026/10/21 الساعة 00:00