دائرة الرغبة

اسماعيل الشريف
نيسان ـ نشر في 2026/10/22 الساعة 00:00
لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب
- حديث شريف.
طرح عالما النفس فيليب بريكمان ودونالد كامبل مفهوم «جهاز المشي الممتع» (Hedonic Treadmill)، وخلاصته أن ارتفاع دخل الإنسان، أو تحقيقه إنجازًا، أو بلوغه ما كان يتطلع إليه، يرفع سقف توقعاته، دون أن يُترجم ذلك بالضرورة إلى زيادة كبيرة ودائمة في شعوره بالسعادة.
ذلك أن الإنسان يتكيّف سريعًا مع ما يحصل عليه. فقد تمنحه زيادة في الراتب، أو سيارة جديدة، أو وظيفة أفضل، أو هدفا طال انتظاره، فرحةً عابرة، غير أن أثرها يخفت مع مرور الوقت، ويغدو ما كان حلمًا بالأمس واقعًا مألوفًا اليوم. فمن كان يتقاضى 500 دينار ويطمح إلى ألف، قد يفرح حين يبلغها، ثم لا يلبث أن يتطلع إلى 1,500. وهكذا تتحسّن الظروف، وتتصاعد التوقعات بالوتيرة نفسها.
وهذا يشبه الركض على جهاز المشي الرياضي: جهد متواصل وحركة دائمة، لكنك، من حيث السعادة، قد تبقى في موضعك.
نحقق ما ظننا أنه سيُسعدنا، ثم نشرع سريعًا في البحث عن الهدف التالي، ناسين أن ما نملكه اليوم كان في وقت ما أمنيةً بعيدة المنال. وفي هذا السياق تكتسب مقولة أبيقور دلالة بالغة:
لا تُفسد ما تملكه بالتطلّع إلى ما ليس في يدك، وتذكّر أن ما بين يديك اليوم كان يومًا من الأشياء التي لم تكن تملك إلا أن تأمل في نيلها.
لا تكمن المشكلة في وجود الأهداف بحد ذاتها، وإنما في ربط سعادتنا بتحقيقها. فنحن لن ننال كل ما نريد، ومتى أرجأنا رضانا إلى حين بلوغ الهدف التالي، تحوّلت حياتنا إلى انتظار لا ينتهي. ومن هنا جاءت مقولة سينيكا:
السعادة الحقيقية أن تستمتع بالحاضر دون تعلُّق قلِق بالمستقبل.
فكلما علّقتَ سعادتك على هدف جديد، أرجأتَ رضاك إلى المستقبل. وإذا تكاثرت الأهداف، فقد يتحول عدم الرضا من حالة عابرة إلى نمط حياة.
لذلك، اسأل نفسك دائمًا: لماذا أريد ما أريده؟ هل هي رغبة أصيلة نابعة من ذاتي، أم أنها وليدة ضغط اجتماعي، أو مقارنة بالآخرين، أو غيرة منهم؟ وواصل طرح السؤال حتى تبلغ الدافع الحقيقي. فهذا التمرين يعينك على التمييز بين ما تشتهيه وما تحتاج إليه فعلًا، وحين تتعرّف على احتياجاتك الجوهرية وتسعى إلى تلبيتها، تصبح حياتك أكثر توازنًا ورضًا.
لا تقِس حياتك بما تملك من مال، بل بما عشته من تجارب جعلتك تشعر بأنك حيّ. وقد تكون أجمل هذه التجارب في غاية البساطة، وربما لا يلقي لها الآخرون بالًا. فقد سألتُ أبنائي وأبناء إخوتي ذات مرة عن أجمل تجربة عاشوها معي، فلم يذكر أحد منهم شيئًا ماديًّا؛ بل جاءت الإجابات ذكريات بسيطة، مثل المبيت في العراء أو الخروج لشراء المثلجات.
وقد كتب سينيكا إلى صديقه لوسيليوس أن الفقر الحقيقي ليس في قلة ما يملكه الإنسان، وإنما في دوام تطلّعه إلى المزيد. ثم تساءل: ما الحد الصحيح للثروة؟ وأجاب: أن تملك أولًا ما هو ضروري، ثم ما هو كافٍ.
ولعل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يختصر هذا المعنى كله:
((مَن أصبحَ منكم آمنًا في سِرْبِه، مُعافًى في جسدِه، عنده قوتُ يومِه، فكأنما حِيزَت له الدنيا)).
    نيسان ـ نشر في 2026/10/22 الساعة 00:00