موسم الذهب الأخضر
نيسان ـ نشر في 2026/10/22 الساعة 00:00
ان كنت تريد أن تفرج همك وأن تحضر عرساً ما عليك سوى أن تتجول في البلاد. بعيداً عن الكتل الاسمنتية التي يسمونها عمارات وعن زحمة السيارات. انطلق شمالاً أو غرباً أو شرقاً وجنوباً. هناك ستجد ما يفرح القلب ويفتح الشهية والشرايين. انه موسم قطاف الزيتون.
عرس حقيقي، وبهجة تشارك فيها كل الأسرة. في هذا الموسم زمان، كانت منازل وبيوت القرى تخلو من أصحابها تماماً الى حيث بساتين ومزارع الزيتون، بينما ينصرف الأولاد والبنات إلى مدارسهم ليتوجهوا بعد انتهاء الدوام المدرسي كل يوم إلى حيث بقية الأسرة للمساعدة في عملية القطاف وجمع المحصول ويعود الجميع إلى بيوتهم مع غروب الشمس.
يشارك الجميع في عملية الجني والقطف. الرجال والأولاد عادة يتسلقون الأشجار أو السلم الخشبي بينما تعمل النساء والفتيات على التقاط ما يسقط من الثمار على الأرض، وجمعه في السلال والأوعية. وللتغلب على التعب والإجهاد والساعات الطويلة من العمل المتواصل يتسلى الرجال بالغناء وترديد الأغاني والأهازيج الشعبية الفولكلورية المتوارثة عبر الأجيال. كذلك تردد النساء والفتيات الأغاني الخاصة بهن إذا كن بعيدات على مسافة من الرجال.
كما كل شيء، تغيرت العادات وبهتت البهجة.
بدل الأيدي للقطاف أصبحنا نرى أحياناً أدوات صينية تهجم على حبات الزيتون بوحشية. وبدل زيتون الحوش نرى الحيتان تتضمن مئات الدونمات مقابل ثمن زهيد للفلاح الذي ورث الأرض عن أبيه وجده وفيها عرقهم ورائحتهم وما تبقى من رماد نار كانوا يغلون عليها الشاي. كم هو لذيذ طعم الشاي على نار الحطب؟!
عشت سنوات كانت فيها تنكة الزيت بخمس ليرات. كان أبي يشتري تنكة واحدة لضيق ذات الجيب. أيامها كانت الليرة بتحكي وراتب العشرة دنانير تكفي. و..»يا ابني اللي بيرضى بقليله عاش» كما كانت تقول أمي. الزيت فقط للزعتر وعلبة سمنة «الكنز» الصفراء وعلبة «الغزال» البيضاء وعليها رسم غزال بالأخضر مخصصة للطبيخ ولباقي المقالي. كلها انتاج محلي. لا زيوت مهدرجة ولا كوليسترول وأمراض ما أنزل الله بها من سلطان.
لم يكن ثمة غش ولا فساد. ولا جشع وطمع. كلمة «حرام» كانت مبدأً. و»من غشنا ليس منا» عقيدة الناس.
اليوم تسمع عن طرق للغش لا تخطر على بال شيطان.. بدأت قبل بضع سنوات بخلط زيت الزيتون بزيت الذرة أو عباد الشمس المعبأ في زجاجات بلاستيكية جميلة الشكل قبيحة المحتوى. تطورت طرق الغش آخرها هذا الموسم حيث يقال أن ثمة من يخلط زيت الزيتون الأردني المشهود له بالجودة العالية بالزيت المستورد الأقل جودة على أنه زيت بلدي ليباع بأسعار لا طاقة لأغلب الناس بها.
«الغذاء والدواء» لم تقصر وعرضت فحص الزيت في مختبراتها بالمجان. لكن من يشتري تنكة أو تنكتين من معصرة بعيدة يصعب عليه أن يحملهما الى المختبرات. الحل أن يكف الأشرار عن الغش ويتقوا الله فالتقوى أقوى ومال الحرام لا يدوم، كما تربينا زمان.
أما أهلنا في الضفة، كان الله في عونهم، فان مأساتهم أعظم. ليس الغش بل قطعان المستوطنين الذين يسرقون المحصول ويقتلعون شجر الزيتون الأكبر من كيانهم الزائل بمئات وآلاف السنين.
عرس حقيقي، وبهجة تشارك فيها كل الأسرة. في هذا الموسم زمان، كانت منازل وبيوت القرى تخلو من أصحابها تماماً الى حيث بساتين ومزارع الزيتون، بينما ينصرف الأولاد والبنات إلى مدارسهم ليتوجهوا بعد انتهاء الدوام المدرسي كل يوم إلى حيث بقية الأسرة للمساعدة في عملية القطاف وجمع المحصول ويعود الجميع إلى بيوتهم مع غروب الشمس.
يشارك الجميع في عملية الجني والقطف. الرجال والأولاد عادة يتسلقون الأشجار أو السلم الخشبي بينما تعمل النساء والفتيات على التقاط ما يسقط من الثمار على الأرض، وجمعه في السلال والأوعية. وللتغلب على التعب والإجهاد والساعات الطويلة من العمل المتواصل يتسلى الرجال بالغناء وترديد الأغاني والأهازيج الشعبية الفولكلورية المتوارثة عبر الأجيال. كذلك تردد النساء والفتيات الأغاني الخاصة بهن إذا كن بعيدات على مسافة من الرجال.
كما كل شيء، تغيرت العادات وبهتت البهجة.
بدل الأيدي للقطاف أصبحنا نرى أحياناً أدوات صينية تهجم على حبات الزيتون بوحشية. وبدل زيتون الحوش نرى الحيتان تتضمن مئات الدونمات مقابل ثمن زهيد للفلاح الذي ورث الأرض عن أبيه وجده وفيها عرقهم ورائحتهم وما تبقى من رماد نار كانوا يغلون عليها الشاي. كم هو لذيذ طعم الشاي على نار الحطب؟!
عشت سنوات كانت فيها تنكة الزيت بخمس ليرات. كان أبي يشتري تنكة واحدة لضيق ذات الجيب. أيامها كانت الليرة بتحكي وراتب العشرة دنانير تكفي. و..»يا ابني اللي بيرضى بقليله عاش» كما كانت تقول أمي. الزيت فقط للزعتر وعلبة سمنة «الكنز» الصفراء وعلبة «الغزال» البيضاء وعليها رسم غزال بالأخضر مخصصة للطبيخ ولباقي المقالي. كلها انتاج محلي. لا زيوت مهدرجة ولا كوليسترول وأمراض ما أنزل الله بها من سلطان.
لم يكن ثمة غش ولا فساد. ولا جشع وطمع. كلمة «حرام» كانت مبدأً. و»من غشنا ليس منا» عقيدة الناس.
اليوم تسمع عن طرق للغش لا تخطر على بال شيطان.. بدأت قبل بضع سنوات بخلط زيت الزيتون بزيت الذرة أو عباد الشمس المعبأ في زجاجات بلاستيكية جميلة الشكل قبيحة المحتوى. تطورت طرق الغش آخرها هذا الموسم حيث يقال أن ثمة من يخلط زيت الزيتون الأردني المشهود له بالجودة العالية بالزيت المستورد الأقل جودة على أنه زيت بلدي ليباع بأسعار لا طاقة لأغلب الناس بها.
«الغذاء والدواء» لم تقصر وعرضت فحص الزيت في مختبراتها بالمجان. لكن من يشتري تنكة أو تنكتين من معصرة بعيدة يصعب عليه أن يحملهما الى المختبرات. الحل أن يكف الأشرار عن الغش ويتقوا الله فالتقوى أقوى ومال الحرام لا يدوم، كما تربينا زمان.
أما أهلنا في الضفة، كان الله في عونهم، فان مأساتهم أعظم. ليس الغش بل قطعان المستوطنين الذين يسرقون المحصول ويقتلعون شجر الزيتون الأكبر من كيانهم الزائل بمئات وآلاف السنين.
نيسان ـ نشر في 2026/10/22 الساعة 00:00