عزلة الكيان.. اعتراف إسرائيلي بفشل سردية الاحتلال

نيسان ـ نشر في 2026/10/23 الساعة 00:00
رصد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، وكبير الباحثين في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، إفرايم عنبار، في مقال نشرته “القناة 12″ العبرية، 10 مؤشرات يقول إنها تكشف تصاعد العداء لـ”إسرائيل” واليهود حول العالم.
وأشار عنبار إلى استمرار المواجهات العسكرية على الجبهتين الشمالية والجنوبية، وإلى التأثير العميق للصور القادمة من قطاع غزة في الرأي العام العالمي، رغم التهديدات الأمنية التي تواجهها “إسرائيل”.
وأرجع عنبار جزءاً من هذا العداء إلى خلفيات دينية لدى قطاعات من المسيحيين والمسلمين، وإلى تنامي الشعور بالذنب الاستعماري في المجتمعات الغربية التي باتت ترى “إسرائيل” مشروعاً استعمارياً، بحسب تعبيره.
كما تحدث عن تراجع مكانة الدولة القومية، وصعود التيارات اليسارية الراديكالية وتحالف “اليسار الأخضر” مع تيارات إسلامية، وتراجع تأثير ذاكرة المحرقة النازية، ودور الإعلام الفلسطيني والعربي، فضلاً عن انتقادات يهودية وإسرائيلية داخلية، ومواقف اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية التي توفر ذخيرة إضافية لمنتقديها.
وختم عنبار بأن العداء بات ظاهرة عالمية واسعة، وأن تغيير السياسات الإسرائيلية لن يؤدي بالضرورة إلى تحسن كبير في وضعها الجيوسياسي.
ويقدم هذا الاعتراف الصادر عن أحد أبرز الباحثين الإسرائيليين في الشؤون الاستراتيجية، شهادة من داخل المنظومة على أن الرواية الإسرائيلية التقليدية قد انهارت أمام واقع الميدان وصور الإبادة في غزة.
عنبار، الذي لم يكن يوماً من دعاة “السلام” الزائف، يجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن الصور القادمة من القطاع، وعمليات المقاومة المستمرة، قد حوّلت “إسرائيل” من “ضحية أبدية” إلى كيان يواجه عزلة متزايدة.. وهذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فهو ثمرة صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته التي أجبرت العالم على رؤية الحقيقة التي حاولت الآلة الإعلامية الإسرائيلية طمسها لعقود.
ما يلفت في مقال عنبار هو إقراره بأن خلفيات دينية واستعمارية تغذي هذا العداء. وهنا يتضح أن المشكلة ليست في “سوء فهم” أو “دعاية معادية”، كما يدعي الخطاب الرسمي الإسرائيلي، بل في جوهر المشروع الصهيوني نفسه، فهو مشروع استيطاني اقتلاعي أقيم على أنقاض شعب آخر. وعندما يعترف باحث إسرائيلي بأن قطاعات واسعة في العالم الإسلامي والغربي باتت ترى “إسرائيل” كياناً استعمارياً قابلاً للزوال؛ فهو يقرّ ضمناً بأن الشرعية التي حاولت الصهيونية بناءها على أنقاض النكبة تتآكل يوماً بعد يوم. وفي الحقيقة؛ فإن المقاومة الفلسطينية، برفضها الاستسلام وبقدرتها على فرض معادلة جديدة، هي التي سرّعت هذا التآكل.
أما حديث عنبار عن صعود اليسار الراديكالي وتحالفاته مع تيارات إسلامية، وعن تراجع تأثير ذاكرة المحرقة؛ فيكشف عن فشل الاستراتيجية الإسرائيلية في احتكار الضحية. فالعالم لم يعد يقبل أن تُستخدم مأساة تاريخية لتبرير جرائم حاضرة. والصور اليومية لأطفال غزة تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمرة، والصحفيين المستهدفين، قد حفرت في الوعي الجمعي صورة جديدة لا تستطيع الدعاية الإسرائيلية محوها. بل إن عنبار نفسه يشير إلى دور الإعلام الفلسطيني والعربي، وعلى رأسه قناة الجزيرة، في تعزيز هذه الصورة، وهو اعتراف صريح بنجاعة الرواية الفلسطينية في مواجهة التضليل المنظم.
الأهم أن عنبار يقر بأن تغيير السياسات لن يحل المشكلة بالضرورة. وهذه الخلاصة الخطيرة تعني أن الأزمة أعمق من حكومة نتنياهو أو وزرائه المتطرفين، لكونها أزمة وجودية تتعلق بشرعية الكيان نفسه. وعندما يصبح العداء لإسرائيل ظاهرة عالمية، وعندما تبدأ قطاعات من اليهود أنفسهم في التشكيك في سياساتها؛ فإن ذلك يؤكد أن المقاومة قد نجحت في نقل المعركة إلى قلب الرواية الصهيونية.
في النهاية؛ فإن مقال عنبار ليس نعياً لـ”إسرائيل” فحسب، بل شهادة على أن صمود غزة ومقاومتها قد فرضا واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله. فالعزلة التي يرصدها ليست مؤقتة، بل نتيجة طبيعية لمشروع استعماري يواجه مقاومة شعبية عادلة. وكلما طال أمد هذه المقاومة؛ كلما اتسعت الفجوة بين الاحتلال والعالم، واقتربت لحظة الحقيقة التي طالما حاولت الصهيونية تأجيلها.
    نيسان ـ نشر في 2026/10/23 الساعة 00:00