بكاء وأكثر: مشروع الخسارات

أمير تاج السر
نيسان ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 00:00
تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي، التي هي مكان الأخبار اليومية في هذا الزمان، بعد أن استسلمت الصحف للانزواء، والعزلة غالبا، صورة لكاتب عربي يبكي، بعد أن سافر من مدينته التي يقيم فيها، إلى مدينة أخرى للقاء جمهور القراء، والتوقيع لهم على روايته الأخيرة، وتفاجأ بأن القاعة خالية تماما، وبلا قارئ واحد.
البكاء هنا رد فعل لا إرادي، تماما حين تفاجأ بفقدانك عملك، أو موت عزيز لديك، أو تقف أمام مشهد إنساني، مثل مشاهد الدمار والموت التي تحدثها الحروب الآن في كل مكان. هو أقرب إلى استدعاء للعاطفة، وأفضل سلاح لحظي لمنازلة اكتئاب طارئ، قد يعود الإنسان بعده إلى طبيعته بعد أن ينفض ذكريات اللحظة عن خياله، وقد لا يعود ويستمر مكتئبا عظيما حتى النهاية.
هذا الفراغ الذي واجه الكاتب، الذي لم أكن أعرفه، ليس غريبا حقيقة، وكلنا واجهنا مثله في فترة من حياتنا، والذي ينشغل بمشروع الكتابة الإبداعية مشروع الخسارات كما أسميه، لا بد أن يتحصن جيدا ضد العواطف الطارئة. فالكتابة لا تأتي بالرزق مهما كان المبدع كبيرا، ولا تنظر بعين الاعتبار لسنوات العمر التي ضاعت من أجلها، وقد تجد في الوقت الذي كان يبكي فيه الكاتب الكبير، فتاة في الثامنة عشرة، تجلس في مكان آخر، ويتصارع الناس في محاولة الحصول على توقيعها، والتكاثف لحضور أمسية ستتحدث فيها عن تجربة كتابية، بلا تجربة. وأيضا في الوقت نفسه الذي تفشل فيه رواية لواحد كتب نصف قرن، في الترجمة لأي لغة، تجد خواطر نثرية مملة، وبلا أي معنى، مترجمة لخمس أو عشر لغات.
وأذكر في بداياتي أن شاركت في أمسيات شعرية، كان فيها خمسة أشخاص فقط، وألقيت شهادات لعشرة أشخاص فقط، كان نصفهم من العاملين في تنظيم الأمسية، لكني كنت أصمد، وأحاول العبور ولا أعرف إن كنت عبرت أم لا؟ ولي في معارض الكتب حكايات تصلح للكتابة في سيرة حياتية، ولدي انطباع قوي يتزحزح أحيانا قليلة، أن معارض الكتب العربية ليست في الغالب منابر للحصول على المعرفة، ولقاء كاتبك المفضل، والاستماع إليه في ندوة أو أمسية ثقافية، وإنما أماكن للترفيه، يصطحب فيها الناس أسرهم للتنزه، والاختلاط بالآخرين، ويخرجون في نهاية الجولة بكتب في الطبخ أو السحر، أو لا شيء على الإطلاق. وهي أيضا منابر لما أسميته يوم الكاتب، اليوم الذي يأتي فيه كاتب غالبا من الشباب المبتدئين للتوقيع على رواية دفع مبالغ طائلة من أجل أن تصدر، ودفع أيضا للورد والشوكولاته، وجاء بأصدقائه ليوقع لهم رمزيا من أجل التصوير فقط، ونشر تلك الصور في منصة اكس، أو فيسبوك أو انستغرام. وقد كنت صديقا لشاعرة دعتني مرة لحضور التوقيع على ديوانها الجديد، وذهبت بالفعل، عثرت على ابتسامة الناشر الذي دفع له من أجل نشر الديوان عثرت على الورد والشوكولاته، وشخصين آخرين من أصدقاء الشاعرة، وتم تصويرنا ووضع صورنا في وسائل التواصل الاجتماعي تحت عنوان: جمهور غفير في حفل توقيع الشاعرة لديوانها.
في معرض آخر كانت لدينا ندوة عن علاقة الرواية بالمجتمع المدني، وكان موضوعا قضيت شخصيا فيه وقتا من الأبحاث حتى جهزت ورقة يمكن قراءتها، شارك معي في تلك الندوة كتاب كبار في الاسم، وبعضهم يحاضر عن الكتابة الإبداعية في أوروبا. كان الحضور في بداية الأمسية 23 شخصا، لاحظت أن بعضهم بدأ يتململ بعد وقت قليل، وفي منتصف الأمسية، انتبهت إلى أن القاعة بها عشرة أشخاص فقط، لكن المفاجأة كانت حين خرجت وبدأت أتجول في المعرض، حيث حاصرني المئات لالتقاط الصور معي. كان فيهم شباب يافعون ومسنون، وأشخاص في أواسط العمر، ولا بد أن جميعهم كانوا يعرفون بالندوة التي شاركت فيها، لكن الموضوع ليس موضع حصول على المعرفة، بقدر ما هو حصول على صورة يبتسم فيها الضيف، لتنشر على تلك المنصات المزعجة.
أذكر أنني حكيت ذلك الموقف لكاتب صديق، رحل منذ عدة أعوام، حدثته عن اجتهادي في كتابة ورقة بحثية، وشهادة لا بأس بها في موضوع لم أكن ملما به قبلا، فضحك، أخرج من جيبه ورقة مطوية، قال: هل ترى هذه الورقة، إنها شهادة أشارك بها منذ سبعة عشر عاما، وأعدل فيها قليلا كلما دعت الحاجة، اصنع لك واحدة مثلها.
لكني لم أستجب لنصيحة ذلك الصديق، واستمر مشروع الخسارات في طريقه الذي لم أخططه، وأزعم أنه خطط نفسه بنفسه.
لنتحدث قليلا بإيجابية، ولا نقارن حالنا بأوروبا والغرب عموما، ولا نقارن شغل الكتابة بأنشطة أخرى مثل كرة القدم التي تغلق لها الشوارع، وتراق من أجل الحصول على تذاكر لحضورها الدماء، والغناء الذي يحصل فيه المغنون على أجور مزعجة، وألقاب مثل الملك والسلطان والعميد والكروان، وغير ذلك، لنسأل هذا السؤال:
هل الكاتب أو الشاعر مجبر على الكتابة؟
هل هناك سيف مسلط على رقبة أحد من أجل أن يسهر الليالي، يبحث عن المعرفة، ويسهر أخرى من أجل إعادة ضخها في نص أدبي؟
هل أنت الذي تدفع ما يمكن أن يكون رزقك أو رزق عائلتك لناشر من أجل أن يصنع لك لحظات في معرض للكتاب، أم أن النقود تركض بقدميها من جيبك؟
الإجابة معروفة، لذلك لا بد من التأقلم مع الخسارات، والتدريب على قهر العاطفة الجارفة، والنظر بعينين كاملتين للفراغ الذي يتولد في أي وقت ومكان، واعتباره خطوة في مشروع الخسارات.
٭ كاتب من السودان
    نيسان ـ نشر في 2026/10/25 الساعة 00:00