ماذا يحدث في فرنسا هذه الأيام؟
نيسان ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 00:00
ما يحدث في فرنسا منذ السابع عشر من أكتوبر الماضي ليس غريبا على هذا البلد، المعروف بالدور الكبير الذي تلعبه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية في التاريخ الاجتماعي والسياسي، حتى ونحن نقارنه بجيرانه الأوروبيين على غرار الألمان والإنكليز، الأكثر «رصانة»، ونزعة نحو الجوانب الفكرية والنشاط الاقتصادي، مقارنة بالفرنسيين الأكثر حركة، تحيل إلى الثقافة السياسية التي تمنح الحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي يعيشها البلد بشكل دوري، أدوارا مهمة على أكثر من صعيد، منها المساعدة على إنتاج نخب سياسية واجتماعية جديدة، تقوم في الغالب بتحسين أداء مؤسسات الدولة وهي تضخ دماء جديدة داخلها كل مرة، عبر صراعات سياسية وفكرية جيلية، يعرف الفرنسيون تسييرها والخروج منها بالجديد كل مرة، يستفيد منها الحزب والنقابة والجمعية والدولة، بمؤسساتها الكبرى المحلية والمركزية منها.
هشاشة اجتماعية تعيشها فئات واسعة من الشعب الفرنسي تفسر بعضا من مظاهر العنف التي قفزت على سطح الحركة الاحتجاجية الحالية، بررت الإعلان عن حالة طوارئ ومنع تنظيم المسيرات كما يجري في بعض دول العالم الثالث عادة
رغم حالة التشويش الفكري والسياسي، التي يقوم بها جزء من اليمين وأقصى اليمين، عبر وسائل الإعلام التي يسيطر عليها وهو يحاول كما هي عادته الزج باسم الجزائر في هذه الأحداث، بعد أن صادف انطلاقها ذكرى الاحتفال بالجرائم التي ارتكبتها الشرطة الفرنسية في حق الجزائريين، في سنة 1961، عندما خرجوا في مسيرات سلمية – بأحسن ما لديهم من لباس كما كانت تعليمات جبهة التحرير لهم – للمطالبة برفض حالة منع التجوال ليلا التي فرضتها عليهم الشرطة الفرنسية في مدينة النور، وكان على رأسها محافظ الشرطة العنصري موريس بابون، محاولات لن يتوقف عنها رجال اليمين المتطرف ونساؤه عبر هذا الإعلام المروج لأفكارهم لغاية الوصول إلى مبتغاهم وتوريط الجزائر والجزائريين بشكل أو بآخر، رغم الذكاء الذي أظهره أبناء الجالية الجزائرية والمغاربية لغاية الآن في تجنب السقوط في الفخ المنصوب لهم، بكم الاستفزاز والتحرش اليومي الذي يتعرضون له على مدار الساعة.
اليمين الفرنسي وأقصى اليمين الذي أعاد فرنسا للأجواء السائدة في العالم الثالث وهو يتكلم عن» الأيادي الأجنبية» التي تقف وراء هذه الاحتجاجات، متناسية أنها جزء أساسي من الثقافية السياسية للشعب الفرنسي، المعروف بتبنيه للكثير من أطروحات اليسار وأقصى اليسار، الذي يُتهم هذه الأيام بأنه وراء هذه الاحتجاجات الشعبية، التي لا تقتصر المشاركة فيها، كما جرت العادة عند الفرنسيين، على المناضلين والمنخرطين في الأحزاب والنقابات ـ يبقون على العموم أقلية عددية مقارنة بالمشاركين في هذه المسيرات ـ التي عادة ما تضم فئات اجتماعية أوسع، من كل المواقع الاجتماعية، يشارك فيها الطالب الجامعي وتلميذ الثانوية، العامل والبطال، المرأة والرجل، في وقت تتدهور فيه الحالة الاجتماعية ـ الاقتصادية للكثير من الفئات الشعبية، بما فيها تلك المنتمية للطبقة الوسطى وفئاتها الدنيا، تحول فيها الطالب الجامعي والمتخرج حديثا إلى فقير جديد، يبقى لسنوات بعد تخرجه، من دون إدماج اجتماعي فعلي، تقوم به الرأسمالية المتوحشة عندما تكون متحكمة في زمام الأمور، وهي تحاول إثبات صدق فكرتها القديمة القائلة، إن الطبقات الفقيرة هي الطبقات الخطيرة، بعد إضافة أبناء المهاجرين لها من الافارقة والمغاربيين، رغم أن الاحتجاجات هذه المرة لم ترتبط بالأحياء التي يسكنونها، بل بمراكز المدن الكبرى البيضاء والغنية، لم يمنعهم من دفع الثمن كما حصل في مدينة تراب. يحصل هذا، مقابل الأعداد الضخمة من الأغنياء الجدد الذين أنجبتهم الماكرونية وهي تتوجه يمينا، في العشر سنوات الأخيرة، زادت فيها الفروق الاجتماعية داخل النسيج الاجتماعي الفرنسي الذي ارتفعت فيه معدلات الهشاشة الاجتماعية، يمكن أن تكون الأرضية الموضوعية لكي تتوجه فرنسا الرسمية نحو اليمين وأقصى اليمين بمناسبة الانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2027، إذا لم ينجح تحالف اليسار – وسط المتوقع بروزه كمخرج لهذا المأزق التاريخي في إبعادها عن السير في هذا الاتجاه الثقيل، الذي تمضي فيه أوروبا كلها وليس فرنسا فقط، قد تبين الأحداث أنه ليس قدرا محتوما أمام كل دول القارة الأوروبية، وهي تعيش تحت وطأة أجواء اللحظة الترامبية، وهي تتمدد في أجزاء واسعة من العالم، يمكن أن تصل إلى البرازيل عن قريب، بعد تلك النجاحات التي حققتها في العديد من دول القارة المتمردة – أمريكا اللاتينية وفي الهند البعيدة.
هشاشة اجتماعية تعيشها فئات واسعة من الشعب الفرنسي تفسر بعضا من مظاهر العنف التي قفزت على سطح الحركة الاحتجاجية الحالية، بررت الإعلان عن حالة طوارئ ومنع تنظيم المسيرات كما يجري في بعض دول العالم الثالث عادة، في وقت زاد فيه تدهور مستوى تجنيد الأحزاب والنقابات، بقيت فيه الحركة بين أيدي قوى اجتماعية غير منظمة، يمكن أن تستغل من قبل أطراف عدة، في الاتجاه الذي تريد توجيهها نحوه لتبرير الزيادة في منسوب العنف الرسمي وهو يعبر عن نفسه عبر منع المسيرات الشعبية في المدن الكبرى والتحرش الأمني بالمتظاهرين المسالمين، كما يحصل مع طلبة الثانويات والجامعيين الذين يشتكون من ظروف دراسة صعبة، واكتظاظ في الأقسام وأجور منخفضة للأساتذة والباحثين، تركت المنظومة التعليمية الفرنسية خارج المنافسة على المستوى الأوروبي، في وقت لم تعد القارة العجوز مركز العالم بعد تحوله إلى جهات أخرى من الكرة الأرضية، على غرار جنوب شرق آسيا والصين التي بدأت جامعاتها ومراكزها العلمية في فرض هيمنتها العلمية والتكنولوجية، ليس فقط عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا الحديثة والاختراعات الجديدة، بل بصناعة السيارات والصناعات الحربية في مجال الطيران والبحرية كذلك، حتى عندما يتعلق الأمر بالموضة والعطور التي كانت تسيطر عليها فرنسا تقليديا.
فرنسا التي بينت الاحتجاجات التي تعيشها، إنها في حاجة إلى ما هو أهم من الانتخابات الرئاسية، بعد بروز مظاهر تآكل العقد الاجتماعي القديم، وعدم ظهور ملامح عقد اجتماعي جديد، يراعي التحولات من كل نوع، التي يعيشها المجتمع الفرنسي، يعتمد زيادة على العودة بفرنسا إلى مسار النمو الاقتصادي وخفض المديونية القاتلة التي تكبلها، على اندماج اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار ما أفرزه تاريخ هذا البلد الاستعماري القديم من تنوع على مستوى التركيبة المجتمعية، يمكن أن تساهم فيه المنظومة التعليمية التي بينت الاحتجاجات الأخير عدم رضا الفرنسيين عليها كمصدر للكثير من الانقسامات والتفاوت، كانت الأرضية التي انطلقت منها الاحتجاجات التي تريد بعض القوى اليمينية المتطرفة التوجه بها نحو أمننة أكثر، بالعنف الكبير الذي يمكن أن يولده، بدل الاستفادة من هذه الثقافة المطلبية التي تميز الفرنسي بكم الإضرابات والاحتجاجات التي يقوم بها وهو يغني ويرقص، كسلّم نحو التقدم.
كاتب جزائري
هشاشة اجتماعية تعيشها فئات واسعة من الشعب الفرنسي تفسر بعضا من مظاهر العنف التي قفزت على سطح الحركة الاحتجاجية الحالية، بررت الإعلان عن حالة طوارئ ومنع تنظيم المسيرات كما يجري في بعض دول العالم الثالث عادة
رغم حالة التشويش الفكري والسياسي، التي يقوم بها جزء من اليمين وأقصى اليمين، عبر وسائل الإعلام التي يسيطر عليها وهو يحاول كما هي عادته الزج باسم الجزائر في هذه الأحداث، بعد أن صادف انطلاقها ذكرى الاحتفال بالجرائم التي ارتكبتها الشرطة الفرنسية في حق الجزائريين، في سنة 1961، عندما خرجوا في مسيرات سلمية – بأحسن ما لديهم من لباس كما كانت تعليمات جبهة التحرير لهم – للمطالبة برفض حالة منع التجوال ليلا التي فرضتها عليهم الشرطة الفرنسية في مدينة النور، وكان على رأسها محافظ الشرطة العنصري موريس بابون، محاولات لن يتوقف عنها رجال اليمين المتطرف ونساؤه عبر هذا الإعلام المروج لأفكارهم لغاية الوصول إلى مبتغاهم وتوريط الجزائر والجزائريين بشكل أو بآخر، رغم الذكاء الذي أظهره أبناء الجالية الجزائرية والمغاربية لغاية الآن في تجنب السقوط في الفخ المنصوب لهم، بكم الاستفزاز والتحرش اليومي الذي يتعرضون له على مدار الساعة.
اليمين الفرنسي وأقصى اليمين الذي أعاد فرنسا للأجواء السائدة في العالم الثالث وهو يتكلم عن» الأيادي الأجنبية» التي تقف وراء هذه الاحتجاجات، متناسية أنها جزء أساسي من الثقافية السياسية للشعب الفرنسي، المعروف بتبنيه للكثير من أطروحات اليسار وأقصى اليسار، الذي يُتهم هذه الأيام بأنه وراء هذه الاحتجاجات الشعبية، التي لا تقتصر المشاركة فيها، كما جرت العادة عند الفرنسيين، على المناضلين والمنخرطين في الأحزاب والنقابات ـ يبقون على العموم أقلية عددية مقارنة بالمشاركين في هذه المسيرات ـ التي عادة ما تضم فئات اجتماعية أوسع، من كل المواقع الاجتماعية، يشارك فيها الطالب الجامعي وتلميذ الثانوية، العامل والبطال، المرأة والرجل، في وقت تتدهور فيه الحالة الاجتماعية ـ الاقتصادية للكثير من الفئات الشعبية، بما فيها تلك المنتمية للطبقة الوسطى وفئاتها الدنيا، تحول فيها الطالب الجامعي والمتخرج حديثا إلى فقير جديد، يبقى لسنوات بعد تخرجه، من دون إدماج اجتماعي فعلي، تقوم به الرأسمالية المتوحشة عندما تكون متحكمة في زمام الأمور، وهي تحاول إثبات صدق فكرتها القديمة القائلة، إن الطبقات الفقيرة هي الطبقات الخطيرة، بعد إضافة أبناء المهاجرين لها من الافارقة والمغاربيين، رغم أن الاحتجاجات هذه المرة لم ترتبط بالأحياء التي يسكنونها، بل بمراكز المدن الكبرى البيضاء والغنية، لم يمنعهم من دفع الثمن كما حصل في مدينة تراب. يحصل هذا، مقابل الأعداد الضخمة من الأغنياء الجدد الذين أنجبتهم الماكرونية وهي تتوجه يمينا، في العشر سنوات الأخيرة، زادت فيها الفروق الاجتماعية داخل النسيج الاجتماعي الفرنسي الذي ارتفعت فيه معدلات الهشاشة الاجتماعية، يمكن أن تكون الأرضية الموضوعية لكي تتوجه فرنسا الرسمية نحو اليمين وأقصى اليمين بمناسبة الانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2027، إذا لم ينجح تحالف اليسار – وسط المتوقع بروزه كمخرج لهذا المأزق التاريخي في إبعادها عن السير في هذا الاتجاه الثقيل، الذي تمضي فيه أوروبا كلها وليس فرنسا فقط، قد تبين الأحداث أنه ليس قدرا محتوما أمام كل دول القارة الأوروبية، وهي تعيش تحت وطأة أجواء اللحظة الترامبية، وهي تتمدد في أجزاء واسعة من العالم، يمكن أن تصل إلى البرازيل عن قريب، بعد تلك النجاحات التي حققتها في العديد من دول القارة المتمردة – أمريكا اللاتينية وفي الهند البعيدة.
هشاشة اجتماعية تعيشها فئات واسعة من الشعب الفرنسي تفسر بعضا من مظاهر العنف التي قفزت على سطح الحركة الاحتجاجية الحالية، بررت الإعلان عن حالة طوارئ ومنع تنظيم المسيرات كما يجري في بعض دول العالم الثالث عادة، في وقت زاد فيه تدهور مستوى تجنيد الأحزاب والنقابات، بقيت فيه الحركة بين أيدي قوى اجتماعية غير منظمة، يمكن أن تستغل من قبل أطراف عدة، في الاتجاه الذي تريد توجيهها نحوه لتبرير الزيادة في منسوب العنف الرسمي وهو يعبر عن نفسه عبر منع المسيرات الشعبية في المدن الكبرى والتحرش الأمني بالمتظاهرين المسالمين، كما يحصل مع طلبة الثانويات والجامعيين الذين يشتكون من ظروف دراسة صعبة، واكتظاظ في الأقسام وأجور منخفضة للأساتذة والباحثين، تركت المنظومة التعليمية الفرنسية خارج المنافسة على المستوى الأوروبي، في وقت لم تعد القارة العجوز مركز العالم بعد تحوله إلى جهات أخرى من الكرة الأرضية، على غرار جنوب شرق آسيا والصين التي بدأت جامعاتها ومراكزها العلمية في فرض هيمنتها العلمية والتكنولوجية، ليس فقط عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا الحديثة والاختراعات الجديدة، بل بصناعة السيارات والصناعات الحربية في مجال الطيران والبحرية كذلك، حتى عندما يتعلق الأمر بالموضة والعطور التي كانت تسيطر عليها فرنسا تقليديا.
فرنسا التي بينت الاحتجاجات التي تعيشها، إنها في حاجة إلى ما هو أهم من الانتخابات الرئاسية، بعد بروز مظاهر تآكل العقد الاجتماعي القديم، وعدم ظهور ملامح عقد اجتماعي جديد، يراعي التحولات من كل نوع، التي يعيشها المجتمع الفرنسي، يعتمد زيادة على العودة بفرنسا إلى مسار النمو الاقتصادي وخفض المديونية القاتلة التي تكبلها، على اندماج اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار ما أفرزه تاريخ هذا البلد الاستعماري القديم من تنوع على مستوى التركيبة المجتمعية، يمكن أن تساهم فيه المنظومة التعليمية التي بينت الاحتجاجات الأخير عدم رضا الفرنسيين عليها كمصدر للكثير من الانقسامات والتفاوت، كانت الأرضية التي انطلقت منها الاحتجاجات التي تريد بعض القوى اليمينية المتطرفة التوجه بها نحو أمننة أكثر، بالعنف الكبير الذي يمكن أن يولده، بدل الاستفادة من هذه الثقافة المطلبية التي تميز الفرنسي بكم الإضرابات والاحتجاجات التي يقوم بها وهو يغني ويرقص، كسلّم نحو التقدم.
كاتب جزائري
نيسان ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 00:00