لولا دا سيلفا.. رجل البرازيل الذي أفسح للفقراء مكاناً على مائدة الرأسمالية
نيسان ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 00:00
وُلد لويز إيناسيو دا سيلفا عام 1945 في شمال شرقي البرازيل، في بيت صغير من الطين، لأسرة لم تكن تملك الكثير ما يمكن توريثه. كان الجوع مألوفاً، والعمل يبدأ مبكراً، والرحيل جنوباً بحثاً عن فرصة أفضل جزءاً من سيرة ملايين العائلات التي عاشت بعيداً عن مراكز المال والسلطة.
كان لولا واحداً من هؤلاء. فانتقل طفلاً مع أسرته إلى ساو باولو، وعمل في الشوارع، ثم تعلّم الخراطة ودخل المصانع التي كانت تصنع نهضة البرازيل الصناعية من أجساد عمالها. هناك فقد جزءاً من إصبعه في حادث عمل، وهناك أيضاً بدأ يتعلم لغة أخرى غير لغة الآلات: لغة النقابة، والتفاوض، والإضراب، والقدرة التي يكتسبها العمال حين يتوقفون عن الوقوف فرادى أمام أصحاب المصانع.
لم يأتِ إلى السياسة من الجامعة، ولم يكن وريث عائلة تعرف أبواب الدولة. جاء إليها من أرضية المصنع. ظل صوته خشناً، ولغته بعيدة عن أناقة الطبقة السياسية التقليدية، وظلت صورته مرتبطة بذلك العالم حتى بعدما أصبح الرجل الذي تستقبله القصور الرئاسية ويجلس إلى جوار رؤساء الدول.
ولعل هذا هو أكثر ما يفسر مكانته في البرازيل. فقد جاء من طبقات اعتادت أن تكون موضوعاً للسياسة أكثر ما كانت شريكاً في صنعها، ثم صار، على مدى عقود، أحد أكثر رجال البلاد قدرة على مخاطبتها.
وحين وصل أخيراً إلى قصر بلانالتو عام 2003، لم يصل إليه وحده. كان وراءه تاريخ طويل من الإضرابات والهزائم الانتخابية والتحولات التي عاشتها البرازيل منذ نهاية الحكم العسكري، ومعه توقعات طبقات انتظرت طويلاً أن ترى شيئاً من نفسها في أعلى موقع في الدولة.
خلال السنوات التالية، اتسعت تلك القصة إلى ما هو أبعد من الداخل البرازيلي. أراد لولا لبلاده أن تتصرف بحجمها، لا بالدور الذي اعتادت القوى الكبرى أن ترسمه لها. اقترب من دول الجنوب، ووسّع علاقاته مع الصين والهند وأفريقيا، وأبقى مسافة تسمح لبرازيليا بأن تختلف مع واشنطن حين تريد. وفي الشرق الأوسط، ظهرت هذه النزعة في دعمه لقيام دولة فلسطينية وفي رفضه الانضمام ببساطة إلى سياسة عزل إيران.
لكن الطريق من المصنع إلى القصر لم يكن مستقيماً أبداً، ولا انتهى عند باب الرئاسة. دخل لولا قصر بلانالتو ثم غادره، ورأى الحزب الذي بناه يهتز تحت وطأة واحدة من أعنف أزماته، قبل أن يجد نفسه خلف القضبان. لسنوات، بدا أن قصته انتهت هناك. ثم عاد، على نحو لم يكن كثيرون يتوقعونه، إلى المكان نفسه الذي أُخرج منه التاريخ مرة.
لهذا يصعب اختصار لولا في الحكاية المحببة عن الفتى الفقير الذي أصبح رئيساً. فمع الوقت، صارت حياته متشابكة مع أسئلة البرازيل نفسها: من يحكم بلداً بهذه الثروة وهذا القدر من اللامساواة؟ لمن يعمل اقتصاده؟ وإلى أي حد تستطيع دولة بهذا الحجم أن تختار موقعها في العالم بنفسها؟
من الطين إلى الحديد
في بيتٍ صغير من غرفتين، بلا كهرباء ولا ماء ولا حمّام، وُلد لويز إيناسيو لولا دا سيلفا عام 1945، سابعَ 8 أبناء لعائلة أمّية تعيش من الأرض، في قلب ولاية برنامبوكو الجافة شمال شرقي البرازيل. في ذلك الريف البعيد، كان الجوع مألوفاً كالجفاف، والفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بلا توقف، فيما ظل ملايين البرازيليين قابعين في فخّ الجوع.
لذلك سيظل سيلفا يحمل معه ذاكرة الجوع والألم كندبة لا تلتئم، حتى بعد نصف قرن عندما سيصبح رئيساً للبلاد. فعندما سكن القصر الرئاسي، أطلق عام 2003 خطته الوطنية لـ"القضاء على الجوع"، كسياسة شاملة ربطت بين الاقتصاد الكلي والبرامج الاجتماعية والإنتاجية، محاولاً تحويلها إلى جهد جماعي يشارك فيه المجتمع بأسره.
حتى بعد عقدين من توليه السلطة، سيعود في مؤتمر حول الأمن الغذائي وتخونه دموعه وهو يتذكر كيف كان الجوع ينهشه من الداخل، ليقول إن تأمين الغذاء يجب أن يكون التزاماً وطنياً، وإن رئيساً يترك شعبه جائعاً "يستحق قطع رأسه".
فقبل أن يصبح رئيساً للبرازيل، كان لولا مجرد طفل في شمالٍ فقير، يراقب أمّاً تكافح لإبقاء أسرتها حيّة، وأباً غائباً يكاد يكون غريباً.
فقبل ولادته بشهرين، غادر والده، أريستيدس، القرية متجهاً إلى ميناء سانتوس في ساو باولو، برفقة ابنة عم زوجته، وكانت حاملاً منه، لتنجب له لاحقاً 10 أطفال آخرين. هناك عمل حمّالاً، ينقل أكياس القهوة من السفن، ويرسل من حين إلى آخر بعض المال إلى أسرته الأولى.
لم يعد أريستيدس إلى قريته إلا مرة واحدة، عام 1950، مصطحباً بعض أبنائه من أسرته الجديدة. وفي تلك الزيارة التقى لولا والده للمرة الأولى. وقبل أن يغادر مجدداً، حملت منه والدة لولا مرة أخرى، بينما اصطحب معه الابن الأكبر، جايمي، إلى سانتوس. ومنذ ذلك الحين، عاد الأب إلى الغياب.
بعدها بسنتين، في أواخر عام 1952، تلقّت والدته، دونّا ليندو، رسالة يطلب فيها زوجها أن تبيع كل ما تملكه وتلتحق به مع أطفالها. لكن لم يكن الطلب منه في الحقيقة؛ بل من ابنها جايمي، الذي كان يدوّن رسائل الأب الذي لا يعرف الكتابة.
فسافرت العائلة في عربة تُعرف محلياً بـ"قفص الببغاء"، وهي حاوية مخصصة لنقل الطيور والمواشي، يستقلّها عادة مهاجرو الشمال بحثاً عن فرصة في الجنوب. استغرق الرحيل 15 يوماً. وعند وصولهم، كان الاستقبال بارداً، فلم يكن الأب يريدهم. فسكنوا معه لفترة قصيرة، ثم انتقلوا إلى كوخ قريب. ظل يمرّ عليهم يومياً، لا بحنان، بل بالعنف. لم يكن يرغب في تعليمهم، بل في دفعهم للعمل.
لكن الأم، التي لم تعرف المدرسة يوماً، أصرت على أن يتعلم أولادها فك الحروف. فالتحق لولا بالمدرسة الابتدائية في سانتوس، دون أن يتوقف عن العمل في مسح الأحذية تارة، أو جمع قشور الفاكهة من الشوارع، أو بيع السلاطعين التي كان يصطادها من النهر تارة أخرى.
في الحقيقة، لم تكن معاناة لولا دا سيلفا وأسرته استثناءً، إذ كان عشرات الملايين من البرازيليين يعيشون الظروف ذاتها، تحت القبضة العسكرية والفساد المتغلغل في كل مفصل من مفاصل الدولة. فحينها كانت البلاد، تحت الحكم الديكتاتوري، تُعيد إنتاج البؤس بأشكال لا تنفد، ومثل قول تولستوي، كان لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة.
كان لولا واحداً من هؤلاء. فانتقل طفلاً مع أسرته إلى ساو باولو، وعمل في الشوارع، ثم تعلّم الخراطة ودخل المصانع التي كانت تصنع نهضة البرازيل الصناعية من أجساد عمالها. هناك فقد جزءاً من إصبعه في حادث عمل، وهناك أيضاً بدأ يتعلم لغة أخرى غير لغة الآلات: لغة النقابة، والتفاوض، والإضراب، والقدرة التي يكتسبها العمال حين يتوقفون عن الوقوف فرادى أمام أصحاب المصانع.
لم يأتِ إلى السياسة من الجامعة، ولم يكن وريث عائلة تعرف أبواب الدولة. جاء إليها من أرضية المصنع. ظل صوته خشناً، ولغته بعيدة عن أناقة الطبقة السياسية التقليدية، وظلت صورته مرتبطة بذلك العالم حتى بعدما أصبح الرجل الذي تستقبله القصور الرئاسية ويجلس إلى جوار رؤساء الدول.
ولعل هذا هو أكثر ما يفسر مكانته في البرازيل. فقد جاء من طبقات اعتادت أن تكون موضوعاً للسياسة أكثر ما كانت شريكاً في صنعها، ثم صار، على مدى عقود، أحد أكثر رجال البلاد قدرة على مخاطبتها.
وحين وصل أخيراً إلى قصر بلانالتو عام 2003، لم يصل إليه وحده. كان وراءه تاريخ طويل من الإضرابات والهزائم الانتخابية والتحولات التي عاشتها البرازيل منذ نهاية الحكم العسكري، ومعه توقعات طبقات انتظرت طويلاً أن ترى شيئاً من نفسها في أعلى موقع في الدولة.
خلال السنوات التالية، اتسعت تلك القصة إلى ما هو أبعد من الداخل البرازيلي. أراد لولا لبلاده أن تتصرف بحجمها، لا بالدور الذي اعتادت القوى الكبرى أن ترسمه لها. اقترب من دول الجنوب، ووسّع علاقاته مع الصين والهند وأفريقيا، وأبقى مسافة تسمح لبرازيليا بأن تختلف مع واشنطن حين تريد. وفي الشرق الأوسط، ظهرت هذه النزعة في دعمه لقيام دولة فلسطينية وفي رفضه الانضمام ببساطة إلى سياسة عزل إيران.
لكن الطريق من المصنع إلى القصر لم يكن مستقيماً أبداً، ولا انتهى عند باب الرئاسة. دخل لولا قصر بلانالتو ثم غادره، ورأى الحزب الذي بناه يهتز تحت وطأة واحدة من أعنف أزماته، قبل أن يجد نفسه خلف القضبان. لسنوات، بدا أن قصته انتهت هناك. ثم عاد، على نحو لم يكن كثيرون يتوقعونه، إلى المكان نفسه الذي أُخرج منه التاريخ مرة.
لهذا يصعب اختصار لولا في الحكاية المحببة عن الفتى الفقير الذي أصبح رئيساً. فمع الوقت، صارت حياته متشابكة مع أسئلة البرازيل نفسها: من يحكم بلداً بهذه الثروة وهذا القدر من اللامساواة؟ لمن يعمل اقتصاده؟ وإلى أي حد تستطيع دولة بهذا الحجم أن تختار موقعها في العالم بنفسها؟
من الطين إلى الحديد
في بيتٍ صغير من غرفتين، بلا كهرباء ولا ماء ولا حمّام، وُلد لويز إيناسيو لولا دا سيلفا عام 1945، سابعَ 8 أبناء لعائلة أمّية تعيش من الأرض، في قلب ولاية برنامبوكو الجافة شمال شرقي البرازيل. في ذلك الريف البعيد، كان الجوع مألوفاً كالجفاف، والفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بلا توقف، فيما ظل ملايين البرازيليين قابعين في فخّ الجوع.
لذلك سيظل سيلفا يحمل معه ذاكرة الجوع والألم كندبة لا تلتئم، حتى بعد نصف قرن عندما سيصبح رئيساً للبلاد. فعندما سكن القصر الرئاسي، أطلق عام 2003 خطته الوطنية لـ"القضاء على الجوع"، كسياسة شاملة ربطت بين الاقتصاد الكلي والبرامج الاجتماعية والإنتاجية، محاولاً تحويلها إلى جهد جماعي يشارك فيه المجتمع بأسره.
حتى بعد عقدين من توليه السلطة، سيعود في مؤتمر حول الأمن الغذائي وتخونه دموعه وهو يتذكر كيف كان الجوع ينهشه من الداخل، ليقول إن تأمين الغذاء يجب أن يكون التزاماً وطنياً، وإن رئيساً يترك شعبه جائعاً "يستحق قطع رأسه".
فقبل أن يصبح رئيساً للبرازيل، كان لولا مجرد طفل في شمالٍ فقير، يراقب أمّاً تكافح لإبقاء أسرتها حيّة، وأباً غائباً يكاد يكون غريباً.
فقبل ولادته بشهرين، غادر والده، أريستيدس، القرية متجهاً إلى ميناء سانتوس في ساو باولو، برفقة ابنة عم زوجته، وكانت حاملاً منه، لتنجب له لاحقاً 10 أطفال آخرين. هناك عمل حمّالاً، ينقل أكياس القهوة من السفن، ويرسل من حين إلى آخر بعض المال إلى أسرته الأولى.
لم يعد أريستيدس إلى قريته إلا مرة واحدة، عام 1950، مصطحباً بعض أبنائه من أسرته الجديدة. وفي تلك الزيارة التقى لولا والده للمرة الأولى. وقبل أن يغادر مجدداً، حملت منه والدة لولا مرة أخرى، بينما اصطحب معه الابن الأكبر، جايمي، إلى سانتوس. ومنذ ذلك الحين، عاد الأب إلى الغياب.
بعدها بسنتين، في أواخر عام 1952، تلقّت والدته، دونّا ليندو، رسالة يطلب فيها زوجها أن تبيع كل ما تملكه وتلتحق به مع أطفالها. لكن لم يكن الطلب منه في الحقيقة؛ بل من ابنها جايمي، الذي كان يدوّن رسائل الأب الذي لا يعرف الكتابة.
فسافرت العائلة في عربة تُعرف محلياً بـ"قفص الببغاء"، وهي حاوية مخصصة لنقل الطيور والمواشي، يستقلّها عادة مهاجرو الشمال بحثاً عن فرصة في الجنوب. استغرق الرحيل 15 يوماً. وعند وصولهم، كان الاستقبال بارداً، فلم يكن الأب يريدهم. فسكنوا معه لفترة قصيرة، ثم انتقلوا إلى كوخ قريب. ظل يمرّ عليهم يومياً، لا بحنان، بل بالعنف. لم يكن يرغب في تعليمهم، بل في دفعهم للعمل.
لكن الأم، التي لم تعرف المدرسة يوماً، أصرت على أن يتعلم أولادها فك الحروف. فالتحق لولا بالمدرسة الابتدائية في سانتوس، دون أن يتوقف عن العمل في مسح الأحذية تارة، أو جمع قشور الفاكهة من الشوارع، أو بيع السلاطعين التي كان يصطادها من النهر تارة أخرى.
في الحقيقة، لم تكن معاناة لولا دا سيلفا وأسرته استثناءً، إذ كان عشرات الملايين من البرازيليين يعيشون الظروف ذاتها، تحت القبضة العسكرية والفساد المتغلغل في كل مفصل من مفاصل الدولة. فحينها كانت البلاد، تحت الحكم الديكتاتوري، تُعيد إنتاج البؤس بأشكال لا تنفد، ومثل قول تولستوي، كان لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة.
نيسان ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 00:00