معرض 'متتالية مصرية'… لقطات من الحياة والذاكرة الشعبية

نيسان ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 00:00
محمد عبد الرحيم
يُقام حالياً في غاليري (ديمي) في القاهرة معرض بعنوان «متتالية مصرية» لعدد من الفنانين، ويُعد امتداداً لمعرض العام الماضي، المعنون بـ(حالة مصرية). تتمثل الفكرة في التعبير عن الأجواء والطقوس المصرية، من خلال الفن التشكيلي على اختلافه، سواء التصوير أو النحت. ورغم أن بعض المُشاركين لم يلتزم بعنوان المعرض عند تقديم عمله الفني، إلا أن بعض الأعمال حاولت التعبير عن هذه الأجواء والمظاهر التي تقتصر على المجتمع المصري وناسه.
النحت
على خلاف الاعتياد في المعارض الجماعية، تأتي أعمال النحت في مقدمة وأهمية هذا المعرض، حيث تتضح الحِرفة في معالجة الموضوع والمادة، هكذا في أعمال كل من الفنانين رمضان عبد المعتمد، هيثم عامر ويوسف محمود، حيث تمثل أعمالهم المختلفة لمحات من روح وطقوس الشعب المصري وحاله. فبينما يستخدم هيثم عامر الشخصية كموضوع لعمله الفني، والشخص المصري في وضعه الحالي، حيث الوحدة والاستغراق في التفكير والانطواء على النفس، حيث لا حيلة أمامه سوى هذه الجِلسة. هذه الشخصية التي يمكن لك أن تطالعها أمامك في الكثير من الأماكن في مصر، إضافة إلى أن الفنان يجرّد المكان، ويجعل الشخصية وكأنها منعزلة عما يحيطها، غارقة في همومها ـ هذه اجتهادات في تأويل العمل وما يوحي به ـ وكأنها بذلك تعبّر عن مجموع، وليست قاصرة على حالة مفردة، ومن دون التورط في كون هذه العزلة شكلاً من أشكال العزلة الوجودية ـ فلا مجال لترف وجودي ـ فهي سياسية واقتصادية في المقام الأول. ولا يمكن تأويلها في لحظتنا الراهنة غير ذلك.
أما رمضان عبد المعتمد فيقتطع مشهداً من قطيع خراف يسير في تكوين وأوضاع وأحجام مختلفة، ليبدو العمل وكأنه، كما أسلفت جزءا صغير من مجموعة كبيرة. ولك أن تتخيل ـ وللمُتلقي حريته ـ أن هذه المجموعة الصغيرة التي تعبّر عن الكل، فيها مَن يفكر، وفيها من يهم بالمحاولة، والأخير مستسلم تماماً لما سيؤول إليه الأمر، وبالتالي لا ينفصم السياسي عن الجمالي في هذا العمل. من جهة أخرى فقطيع الخراف مشهد مألوف في القرى وحتى بعض المدن المصرية، حيث يؤمها الراعي وتحرسها الكلاب من الجانبين، وفي المقدمة والمؤخرة، حتى لا تشرد إحداها، وهنا يمكن إضافة المظهر الشعبي إلى العمل.
وفي الأخير يأتي عمل يوسف محمود، الذي يتمثل الأعمال النحتية في مصر القديمة، من حيث الشكل والتكوين، ولكنه هنا يُضفي عليه لمحة من المعاصرة، وهي معاصرة ثورية لثورة مصر المدنية الأولى عام 1919، ليبدو جلياً النحت البارز للعلم المصري القديم، حيث النجمة التي يحتويها الهلال ـ العلم المصري قبل انقلاب 1952 ـ مع ملاحظة أن العمل نفسه جاء في لون أخضر، وهو لون علم مصر الملكية.
التصوير
القليل من اللوحات جاء ليُعبّر عن فكرة المعرض، ورغم ذلك هناك تباين فارق في مستوى اللوحات الجمالي والتقني، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول طبيعة اختيار الأعمال المُشاركة، فهناك أعمال لا ترقى لمستوى طلبة كليات الفنون في سنتهم الأولى، ولكن هذه عادة الاختيارات دائماً، فلا معايير ولا ضوابط، اللهم إلا ما يروق للقائمين على الأمر!
وأستعرض عملين لكل من الفنانين محمود سنوسي وفاطمة عبد الله، فالأول يحتفي بالطقس الشعبي، حيث الموالد الشعبية والأجواء المعهودة، من خلال أراجوز السيرك والحصان والموسيقى الصاخبة، نستشعر ذلك من الحركة وطبيعة الآلة ـ الأكورديون ـ ووجه وجسد الشخصية، إضافة إلى الألوان المبهجة والمختلفة التي تعبّر عن الطقس الاحتفالي. على النقيض يأتي عمل فاطمة عبد الله، فاللوحة تميل إلى طقس جنائزي حول شخصية تلفظ أنفاسها، حيث تستلقى ويلتف حولها الجميع، في وجوه واجمة ويد رجل ترتفع بالدعاء، إلا أن هناك امرأة تُمسك بدُف! وهو أمر لا محل له من الإعراب، لتبدو الحيرة.. هل هو طقس جنائزي أم مشهد من مشاهد الزار؟ أم أن روحه لن تصعد إلا على دقات الدف؟ يمكن!
    نيسان ـ نشر في 2026/10/26 الساعة 00:00