حول خلفيات التوتر بين أذربيجان وتركيا
نيسان ـ نشر في 2026/10/27 الساعة 00:00
قال مستشار الرئيس أردوغان، أوكطاي سرال، في تغريدة على منصة x إنه قدم استقالته من منصبه هذا، في حين سبق له أن قال في مقابلة صحافية إن الرئيس هو من أعفاه من منصبه. هذا التضارب في كلامه مرده إلى حساسية السبب الذي أدى إلى التضحية به، ألا وهو انتقاداته الحادة لحظر ارتداء الحجاب في المدارس في أذربيجان «الشقيقة». هي شقيقة وفقاً للشعار التركي المعلن بصدد «شعب واحد في بلدين» في وصف العلاقة بينهما، فيما يذكّرنا بشعار نظام الأسد بشأن العلاقة بين سوريا ولبنان. ولا يتوقف التشابه بين المثالين عند نص الشعار، ففي الرأي العام في تركيا تصور عن هذه العلاقة بوصفها علاقة بين الأخ الأكبر (تركيا) وأخيه الأصغر في إطار تصور أيديولوجي بشأن قومية تركية قائمة على وحدة العرق واللغة عابرة للحدود الوطنية مع عدد من الدول «التركية» التي نالت استقلالها بعد تفكك الإمبراطورية السوفييتية في تسعينيات القرن الماضي. وقد تدخلت تركيا عسكرياً في حرب ناغورني كراباغ الثانية لمصلحة أذربيجان ضد أرمينيا، بما في ذلك إرسال مرتزقة سوريين للقتال إلى جانب الآذريين. وفي ذلك الحين استاءت باكو من المزاعم التي راجت في الإعلام التركي عن فضل تركيا في الانتصار العسكري الذي حققته أذربيجان في تلك الحرب. لكن هذا الاستياء «المكبوت» في حينه لم يتحول إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين، بل بلعتها باكو على مضض، ليستعاد الآن بمناسبة التوتر الجديد بشأن موضوع «حظر الحجاب» في المدارس الذي اعتبرته أذربيجان شأناً داخلياً «لا يحق لأي جهة خارجية التدخل فيه» كما قال الرئيس علييف في أحد تصريحاته مؤخراً، من غير أن يسمي تركيا بالاسم.
ليس من المتوقع أن تعود العلاقات الثنائية بين أنقرة وباكو إلى سابق عهدها في وقت قريب، ليس بسبب موضوع الحجاب، بل بسبب العامل الإسرائيلي
بالمقابل تنظر تركيا أردوغان إلى موضوع حظر الحجاب بحساسية عالية مستمدة من تجربتها الوطنية. فالأتراك لم ينسوا بعد ما فعله النظام الانقلابي في مطلع الثمانينيات بحظر دخول المحجبات إلى الجامعات، وابتزاز الطالبات في «غرف الإقناع»: إما نزع الحجاب أو ترك الدراسة في الجامعة!
ويعتبر أردوغان أن السماح بارتداء الحجاب في المؤسسات العامة في تركيا، وضمنها المدارس والجامعات، هو أهم إنجاز له في حياته السياسية، وله تصريحات حادة بشأن موضوع الحجاب في الدول الأوروبية التي تحظر ارتداءه في المؤسسات العامة، فرنسا بصورة خاصة. صحيح أنه لم يصرح بموقف علني بهذا الشأن فيما خص أذربيجان، حفاظاً على شعرة معاوية، لكن إعلامه ومسؤولين مقربين منه، كالمستشار سارل، لم يكبحوا جماح استيائهم. من المحتمل ان علييف قد طالب بإطاحة المستشار من أجل الحفاظ على مظاهر العلاقة المرضوضة، أو أن أردوغان قدمه كبش فداء بمبادرة ذاتية لإنقاذ علاقة في خطر حقيقي.
ولكن لا تكفي الأسباب الآنفة لتفسير التدهور في العلاقة بين البلدين، ولا بد من البحث عن العامل الإسرائيلي. ذلك أن العلاقات بين باكو وتل أبيب ماضية إلى مزيد من التوطيد السياسي. وتشمل العلاقات بينهما تصدير النفط والغاز من أذربيجان إلى إسرائيل، واستيراد السلاح والتكنولوجيا العسكرية من إسرائيل، إضافة إلى التعاون الاستخباري، وتحول باكو إلى مركز يستضيف مفاوضات بين إسرائيل وكل من تركيا وحكومة أحمد الشرع في دمشق. وبالنسبة لإسرائيل تشكل أذربيجان موطئ قدم استخباري مهم لكونها مجاورة جغرافياً لكل من إيران جنوباً وتركيا غرباً، في وقت يشهد حرباً إسرائيلية مفتوحة ضد إيران وتوتراً سياسياً مع أنقرة.
ويشكل التباعد في الموقف من العدوانية الإسرائيلية المنفلتة ضد جوارها الجغرافي، من غزة ولبنان وسوريا وصولاً إلى إيران، بين باكو وأنقرة، سبباً إضافياً للتوتر المستجد بينهما الذي تمظهر في موضوع حظر الحجاب.
أخيراً ثمة استياء أذربيجاني معلن من خطوات التقارب بين تركيا وأرمينيا، كأحد أسباب التوتر.
وقام وزير الخارجية التركي هكان فيدان بزيارة إلى باكو في منتصف الشهر الجاري حيث التقى بكل من الرئيس حيدر علييف ووزير خارجيته، في محاولة لرأب الصدع. وجاءت الزيارة بمناسبة انعقاد مؤتمر قمة لعدد من الدول الآسيوية. ولفتت حركة منه الأنظار حين قاطع كلمة الرئيس الإسرائيلي.
ليس من المتوقع أن تعود العلاقات الثنائية بين أنقرة وباكو إلى سابق عهدها في وقت قريب، ليس بسبب موضوع الحجاب، بل بسبب العامل الإسرائيلي، ما لم يسبق ذلك تحسن في علاقة أنقرة بتل أبيب.
٭ كاتب سوري القدس العربي
ليس من المتوقع أن تعود العلاقات الثنائية بين أنقرة وباكو إلى سابق عهدها في وقت قريب، ليس بسبب موضوع الحجاب، بل بسبب العامل الإسرائيلي
بالمقابل تنظر تركيا أردوغان إلى موضوع حظر الحجاب بحساسية عالية مستمدة من تجربتها الوطنية. فالأتراك لم ينسوا بعد ما فعله النظام الانقلابي في مطلع الثمانينيات بحظر دخول المحجبات إلى الجامعات، وابتزاز الطالبات في «غرف الإقناع»: إما نزع الحجاب أو ترك الدراسة في الجامعة!
ويعتبر أردوغان أن السماح بارتداء الحجاب في المؤسسات العامة في تركيا، وضمنها المدارس والجامعات، هو أهم إنجاز له في حياته السياسية، وله تصريحات حادة بشأن موضوع الحجاب في الدول الأوروبية التي تحظر ارتداءه في المؤسسات العامة، فرنسا بصورة خاصة. صحيح أنه لم يصرح بموقف علني بهذا الشأن فيما خص أذربيجان، حفاظاً على شعرة معاوية، لكن إعلامه ومسؤولين مقربين منه، كالمستشار سارل، لم يكبحوا جماح استيائهم. من المحتمل ان علييف قد طالب بإطاحة المستشار من أجل الحفاظ على مظاهر العلاقة المرضوضة، أو أن أردوغان قدمه كبش فداء بمبادرة ذاتية لإنقاذ علاقة في خطر حقيقي.
ولكن لا تكفي الأسباب الآنفة لتفسير التدهور في العلاقة بين البلدين، ولا بد من البحث عن العامل الإسرائيلي. ذلك أن العلاقات بين باكو وتل أبيب ماضية إلى مزيد من التوطيد السياسي. وتشمل العلاقات بينهما تصدير النفط والغاز من أذربيجان إلى إسرائيل، واستيراد السلاح والتكنولوجيا العسكرية من إسرائيل، إضافة إلى التعاون الاستخباري، وتحول باكو إلى مركز يستضيف مفاوضات بين إسرائيل وكل من تركيا وحكومة أحمد الشرع في دمشق. وبالنسبة لإسرائيل تشكل أذربيجان موطئ قدم استخباري مهم لكونها مجاورة جغرافياً لكل من إيران جنوباً وتركيا غرباً، في وقت يشهد حرباً إسرائيلية مفتوحة ضد إيران وتوتراً سياسياً مع أنقرة.
ويشكل التباعد في الموقف من العدوانية الإسرائيلية المنفلتة ضد جوارها الجغرافي، من غزة ولبنان وسوريا وصولاً إلى إيران، بين باكو وأنقرة، سبباً إضافياً للتوتر المستجد بينهما الذي تمظهر في موضوع حظر الحجاب.
أخيراً ثمة استياء أذربيجاني معلن من خطوات التقارب بين تركيا وأرمينيا، كأحد أسباب التوتر.
وقام وزير الخارجية التركي هكان فيدان بزيارة إلى باكو في منتصف الشهر الجاري حيث التقى بكل من الرئيس حيدر علييف ووزير خارجيته، في محاولة لرأب الصدع. وجاءت الزيارة بمناسبة انعقاد مؤتمر قمة لعدد من الدول الآسيوية. ولفتت حركة منه الأنظار حين قاطع كلمة الرئيس الإسرائيلي.
ليس من المتوقع أن تعود العلاقات الثنائية بين أنقرة وباكو إلى سابق عهدها في وقت قريب، ليس بسبب موضوع الحجاب، بل بسبب العامل الإسرائيلي، ما لم يسبق ذلك تحسن في علاقة أنقرة بتل أبيب.
٭ كاتب سوري القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026/10/27 الساعة 00:00