رقائق صغيرة تشعل صراع العمالقة

د. خالد وليد محمود
نيسان ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 00:00
تخيّل أن قرصا رقيقا من السيليكون، لا يتجاوز قطره 12 بوصة، يمكن أن يؤثر في الاقتصاد العالمي، ويعيد تشكيل موازين القوة، ويصبح عنصرا حاسما في الحروب الحديثة. قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى مبالغا فيها، لكن الرقائق الإلكترونية باتت اليوم جزءا من البنية الاستراتيجية للدول؛ فمن الهواتف الذكية والسيارات إلى مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي والصواريخ الدقيقة، تعتمد قطاعات حيوية على مكونات صغيرة تختزن وراءها قدرا هائلا من المعرفة والتكنولوجيا والاستثمارات. نعم باتت رقائق السيليكون (Silicon Wafers) حجر الزاوية والركيزة الأساسية لصناعة أشباه الموصلات الإلكترونية في العالم.
وهي أقراص رقيقة مصنوعة من السيليكون عالي النقاء، تُستخدم قواعدَ لتصنيع الدوائر الإلكترونية الدقيقة، وتُجرى على سطحها عمليات معقدة تشمل الطباعة الضوئية والحفر والترسيب، لتشكيل مكونات إلكترونية بالغة الصغر، قبل تقطيع القرص إلى شرائح منفردة تُستخدم في إنتاج المعالجات والذاكرة وغيرها من المكونات. لكن الأهمية الاستراتيجية لهذه الأقراص لا تكمن في حجمها، بل في موقعها داخل سلسلة إنتاج عالمية شديدة التعقيد، تتطلب معدات متخصصة ومواد فائقة النقاء وخبرات هندسية متقدمة. ولذلك، فإن أي اضطراب في توفير هذه المدخلات قد يؤثر في إنتاج الرقائق، وينعكس على صناعات تمتد من الإلكترونيات الاستهلاكية إلى الطيران والدفاع والاتصالات.
بيانات عام 2026 تكشف عن الحجم المتزايد لهذه الصناعة. فوفق توقعات منظمة إحصاءات تجارة أشباه الموصلات العالمية (WSTS) المنشورة في ربيع العام الحالي، يُتوقع أن تبلغ قيمة سوق أشباه الموصلات العالمي نحو 1.51 تريليون دولار في عام 2026، مدفوعة بالطلب المتزايد على رقائق الذاكرة والمعالجات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، وهذا الرقم يمثل توقعا سنويا، وليس حصيلة نهائية للإيرادات المحققة. أما سوق رقائق السيليكون المستخدمة في التصنيع، فهو قطاع مختلف من حيث الحجم والقيمة. فقد بلغت إيراداته نحو 11.4 مليار دولار في عام 2025، فيما أشارت توقعات منشورة عن مؤسسة SEMI إلى إمكانية ارتفاعها إلى نحو 14.3 مليار دولار في عام 2026. كما سجلت شحنات رقائق السيليكون في الربع الثاني من عام 2026 نموا سنويا بنسبة 7.4%، لتصل إلى 3.573 مليارات بوصة مربعة. وتعكس هذه المؤشرات أهمية المادة الأساسية التي تقوم عليها صناعة تتجاوز قيمتها النهائية تريليون دولار، مع ضرورة التمييز بين القيمة المتوقعة للسوق والإيرادات التي تحققت فعليا.
لم يعد التفوق العسكري مرهونا بعدد الأسلحة والمنصات فحسب، بل أصبح مرتبطا أيضا بالقدرة على معالجة المعلومات بسرعة، ودمج البيانات، وتطوير أنظمة أكثر دقة وفاعلية
إن أهمية هذه الأرقام تبرز عند النظر إلى التنافس بين الولايات المتحدة والصين. فقد أصبحت أشباه الموصلات المتقدمة أحد محاور الصراع بين القوتين؛ إذ تسعى واشنطن إلى الحفاظ على تفوقها في تصميم الرقائق وتطوير التكنولوجيا اللازمة لإنتاجها، بينما تعمل بكين على بناء قدرات محلية تقلل اعتمادها على الموردين الأجانب. ولم يعد هذا التنافس محصورا في الأسواق التجارية، بل امتد إلى القيود على تصدير المعالجات المتقدمة ومعدات التصنيع، والاستثمارات الحكومية، واستقطاب الكفاءات، وتأمين سلاسل الإمداد. وتكمن حساسية هذا الصراع في أن صناعة الرقائق لا تقوم على شركة واحدة أو دولة واحدة. فقد يجري تصميم المعالج في الولايات المتحدة، وتصنيع معدات الإنتاج في أوروبا، وتوفير بعض المواد والمكونات من دول آسيوية، ثم تصنيع الرقاقة في منشآت متخصصة في شرق آسيا. وهذا التوزيع الدولي يرفع كفاءة الصناعة، لكنه يجعلها عرضة للأزمات الجيوسياسية والاضطرابات التجارية والكوارث الطبيعية.
تايوان تعتبر إحدى أبرز نقاط الارتكاز في هذه المعادلة، بفضل الموقع المحوري لشركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» (TSMC) في تصنيع الرقائق المتقدمة. وقد منح هذا الدور الجزيرة أهمية تتجاوز حجمها الجغرافي والاقتصادي، إذ تعتمد عليها قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي في الحصول على مكونات أساسية. ولذلك، فإن أي اضطراب كبير في إنتاج الرقائق التايوانية، أو نقلها قد ينعكس على الأسواق العالمية، ويؤثر في حسابات الولايات المتحدة والصين وحلفائهما.
كما تتجاوز أهمية أشباه الموصلات حدود الاقتصاد الرقمي إلى المجال العسكري، فالأنظمة الحديثة تعتمد على المعالجات وأجهزة الاستشعار والاتصالات والحوسبة المتقدمة لتشغيل الطائرات المسيّرة والرادارات، والصواريخ الدقيقة، وأنظمة القيادة، والسيطرة. وفي هذا السياق، لم يعد التفوق العسكري مرهونا بعدد الأسلحة والمنصات فحسب، بل أصبح مرتبطا أيضا بالقدرة على معالجة المعلومات بسرعة، ودمج البيانات، وتطوير أنظمة أكثر دقة وفاعلية.
من هنا، تتحول سلاسل توريد الرقائق نفسها إلى أداة من أدوات القوة، فالدولة التي تسيطر على معدات تصنيع متقدمة أو تقنيات أساسية أو مواد يصعب استبدالها قد تمتلك قدرة على التأثير في منافسيها، حتى من دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة. ويكشف ذلك تحولا مهما في طبيعة الصراع الدولي، حيث يمكن للقيود التكنولوجية أن تؤدي دورا شبيها بأدوات الضغط الاقتصادي التقليدية، لكنها تستهدف هذه المرة القدرات التي ستحدد شكل الاقتصاد والحرب في المستقبل.
هذا الواقع أسهم في دفع دول عديدة إلى إعادة النظر في سياساتها الصناعية. فالولايات المتحدة تعمل على تعزيز التصنيع المحلي، فيما تستثمر الصين بكثافة في تطوير قدراتها الذاتية، وتسعى دول أخرى إلى جذب مصانع جديدة وتنويع مصادر التوريد، غير أن بناء صناعة متقدمة لأشباه الموصلات ليس مهمة سهلة؛ فهو يتطلب استثمارات ضخمة، وبنية تحتية موثوقة، وكفاءات عالية، وبيئة بحثية وصناعية متكاملة. ولذلك، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل يظل هدفا صعبا حتى بالنسبة إلى الاقتصادات الكبرى.
لعل هذا التحول من صناعة تقنية إلى ركيزة للقوة والنفوذ، هو ما يتناوله المؤرخ الاقتصادي الأمريكي كريس ميلر في كتابه «حرب الرقائق: الصراع على أهم تكنولوجيا في العالم» (Chip War: The Fight for the World’s Most Critical Technology)، الصادر عام 2022. فمن خلال تتبعه تاريخ صناعة أشباه الموصلات، يوضح ميلر كيف أصبحت الرقائق جزءا من معادلة التفوق الاقتصادي والعسكري، وكيف أسهم توزيع مراحل إنتاجها بين عدد محدود من الدول والشركات في نشوء شبكة من الاعتمادات المتبادلة، تحولت بدورها إلى مصدر للنفوذ وأداة للضغط الجيوسياسي. وتبرز أهمية الكتاب في سياق التنافس الأمريكي الصيني الراهن، حيث لم تعد السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة تعني امتلاك القدرة على تصميم الرقائق وتصنيعها فحسب، بل تشمل أيضا التحكم في المعدات والمواد والخبرات التي تقوم عليها الصناعة.
وهكذا، فإن الصراع على الرقائق، كما يكشفه ميلر، ليس مجرد منافسة تجارية على منتج مرتفع القيمة، بل هو تنافس على امتلاك مفاتيح التكنولوجيا التي ستحدد جانبا مهما من موازين القوة في العقود المقبلة. وهذه هي الرسالة الأعمق لكتاب كريس ميلر: إن فهم النظام العالمي لم يعد ممكنا من دون فهم التكنولوجيا التي يقوم عليها. فالصراع على الرقائق ليس معركة على مكوّن إلكتروني صغير، بل على القدرة على الابتكار والإنتاج والتسليح والتحكم في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.
خبير أردني متخصص في السياسة السيبرانية والذكاء الاصطناعي
    نيسان ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 00:00