من جريمة التهجير في الخليل إلى قاعة الانتخابات
نيسان ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 00:00
إن ما يحدث في الخليل منذ عملية المقاومة التي وقعت بتاريخ 23/10/2026، يبعث بإشارات ذات مغزى هام. بداية، لابدّ من التأكيد على أن ما قام به شباب المقاومة هو عمل يستند إلى قرار محكمة العدل الدولية التي أكدت في رأيها الاستشاري الصادر في 19/7/2024، أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو وجود غير مشروع، وأمرت المحكمة إسرائيل بالانسحاب في أقرب فرصة ممكنة. وطالما إن إسرائيل لم تنسحب، فستواجه مقاومة هذا الوجود غير المشروع. إنها المقاومة الوطنية ضد الاحتلال والأبارتهايد.
ما قام به شباب المقاومة لافت لكونهم التزموا بقواعد القتال، إذ أنهم استهدفوا رجال جيش الاحتلال، ولم يستهدفوا مدنيين إسرائيليين، وذلك بخلاف سلوك جيش الاحتلال الذي يستهدف المدنيين ولاسيما الأطفال
كما أن ما قام به شباب المقاومة لافت لكونهم التزموا بقواعد القتال، إذ أنهم استهدفوا رجال جيش الاحتلال، ولم يستهدفوا مدنيين إسرائيليين، وذلك بخلاف سلوك جيش الاحتلال الذي يستهدف المدنيين ولاسيما الأطفال، وهذا يدلل على صحة ما قاله كريس سوديتي، رجل القانون الاسترالي الذي كان عضواً في اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن جيش الاحتلال الإسرائيلي «هو أكثر جيوش العالم إجراماً»، وذلك على سندٍ مما وثّقه من تجاوزات على الناس المدنيين ولاسيما الأطفال، وعلى الأهداف المدنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبعد؛
فإن الإجراءات التي يتخذها جيش الاحتلال كرد فعل على فعل المقاومة، تجاوزت حدود «النسبية» بكثير ولجأ إلى أداة جديدة هي «التهجير». إن النسبية تعني أن رد الفعل يجب أن يكون متناسباً مع الفعل، مما يفضح النوايا الحقيقية حين لجأ الاحتلال إلى تهجير أكثر من (400) عائلة تضم كامل الحي وبعض الأحياء المجاورة للحي الذي خرج منه المقاومون، والتهجير يعني حمل عائلات بكاملها على إخلاء منازلها وأماكن سكنها بما ينطوي عليه ذلك من آلام وإرهاق وإفقار لأناس لا علاقة لهم بالأمر. إن جريمة التهجير، أداة ترتكبها قوات الاحتلال بكثافة في الفترة الأخيرة. ويرافق ذلك غالباً تدمير ممنهج لمناطق السكن والحارات والمحلات التجارية والمهنية. طبعاً هي استخدمتها في تهجير حوالي (750) ألف فلسطيني في حرب العام 1948، الاّ أنها توقفت بعد ذلك بعد أن ضمنت وجود أغلبية يهودية في «دولة اليهود»، ولكنها عادت إلى استخدام هذه الأداة على نحوٍ شامل وعام منذ طوفان الأقصى في غزة، ومارست «هواية» تهجير أهالي غزة من الشمال إلى الجنوب، ثم من الجنوب إلى الشرق، ثم من الشرق إلى الشمال، وقد بلغت أوامر التهجير في غزة حوالي 184 أمراً في فترة عام تقريباً مع ما رافق ذلك من دمار شامل لكل أشكال الحياة. إن التهجير أصبح من أشدّ أدوات إيذاء المدنيين التي تلجأ اليها إسرائيل ليس في الأراضي المحتلة فحسب بل مارسته على نحو واضح في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية. إن التهجير يعني اقتلاع عائلات كاملة بأطفالها وشيوخها ومرضاها دون وسائط نقل في الغالب، وإن توفرت تلك الوسائط فإن ذلك يكون مقابل أجر، والأجر غير متوافر في ظروف الحرب والاقتلاع وإغلاق البنوك والصرّاف الآلي. ويتم التهجير دون اعتبار لتوفير حاجات المرضى والأطفال على نحو خاص. ولخطورة استخدام هذه الأداة، فقد سلطت محكمة العدل الدولية الضوء عليها واعتبرتها من آليات «الإبادة».
ففي قضية كرواتيا ضد صربيا (2015)، قالت المحكمة الدولية إن الطرد الممنهج من السكن هو من أساليب التدمير الكلي أو الجزئي للسكان المستهدفين، مما يؤكد أن الطرد أو التهجير هو شكل من أشكال الإبادة باعتبار أن الإهلاك الكلي أو الجزئي يعتبر من أفعال الإبادة. وتأيّد ذلك في قضية الروهينجا الذين تمّ تهجيرهم من بورما، حيث قالت المحكمة إن التهجير هو جريمة بلا حدود. وفي إحدى القضايا المتعلقة بالجرائم التي ارتكبها الصرب ضد مسلمي البوسنة قال القاضي الياهو لوترباخت، وهو قانوني من جامعة كمبردج، إن التطهير العرقي، أي التهجير، الذي يمارسه الصرب ضد مسلمي البوسنة لا يمكن اعتباره الاّ فعلاً من أفعال الإبادة. وهذا يؤكد القول إن ما ارتكبته إسرائيل في قطاع غزه، وفي مخيمات اللاجئين في جنين ونور شمس وطولكرم وأخيراً في الخليل، ولا ننسى أهلنا في جنوب لبنان الذين تمّ تهجيرهم كذلك، هي جميعها أعمال تطهير عرقي ترقى إلى مرتبة الإبادة.
ويبدو أن إسرائيل استمرأت ارتكاب هذه الجريمة، لاسيما أنها لاحظت ضعف رد الفعل الفلسطيني – أولاً- وضعف رد الفعل العربي – ثانياً- وضعف رد الفعل الدولي ثالثاً. وهذا يلقي السؤال على الفصائل والشخصيات والنخب الفلسطينية التي غصّت بها قاعات الاجتماعات وهي تخطب عن ضرورة وإيجابيات الانتخابات، وصرفوا الكثير من الجهود والطاقات وهم يضعون برامجهم وقوائمهم الانتخابية. أليس من الأجدى، وطنياً وإنسانياً، أن تعقد هذه النخب والفصائل اجتماعاتها لوضع خطط لكيفية مقاومة جريمة التهجير، أو كيف يمكن مساعدة أهالينا الذين تمّ تهجيرهم، سيما وأن إسرائيل قد استقرّت على مواصلة ارتكاب هذه الجريمة التي من الواضح أنها لم تجلب لإسرائيل الضجة الدولية التي رافقت عمليات الإبادة في غزة. وبعد حوالي سبعة عشر اجتماعاً للفصائل ابتداءً من اجتماع القاهرة في العام 2005 إلى اجتماع بكين في العام 2025، والفصائل تناقش قضايا أصبحت مملّة وممجوجة ولا تُسفر عن أي شيء، إذ أصبحت النقاشات تدور حول الانتخابات بكل أشكالها وألوانها وأنماطها، وكيفية شكل الحكومة وإدارة الأراضي المحتلة، وكأن الاستيطان متوقف وينتظر قدوم الحكومة الفلسطينية. إنها اجتماعات تطحن الماء ولا تقدّم شيئاً ذا قيمة. إن التهجير هو إبادة بلا ضجيج وبدون إحراجات، ولا نسمع إلاّ ضجيج الفصائل ولا نرى إلاّ الهواء الذي يأتي من ذلك الضجيج. فقليلاً من الحياء يا رفاق!!!
محام وكاتب فلسطيني
القدس العربي
ما قام به شباب المقاومة لافت لكونهم التزموا بقواعد القتال، إذ أنهم استهدفوا رجال جيش الاحتلال، ولم يستهدفوا مدنيين إسرائيليين، وذلك بخلاف سلوك جيش الاحتلال الذي يستهدف المدنيين ولاسيما الأطفال
كما أن ما قام به شباب المقاومة لافت لكونهم التزموا بقواعد القتال، إذ أنهم استهدفوا رجال جيش الاحتلال، ولم يستهدفوا مدنيين إسرائيليين، وذلك بخلاف سلوك جيش الاحتلال الذي يستهدف المدنيين ولاسيما الأطفال، وهذا يدلل على صحة ما قاله كريس سوديتي، رجل القانون الاسترالي الذي كان عضواً في اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن جيش الاحتلال الإسرائيلي «هو أكثر جيوش العالم إجراماً»، وذلك على سندٍ مما وثّقه من تجاوزات على الناس المدنيين ولاسيما الأطفال، وعلى الأهداف المدنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبعد؛
فإن الإجراءات التي يتخذها جيش الاحتلال كرد فعل على فعل المقاومة، تجاوزت حدود «النسبية» بكثير ولجأ إلى أداة جديدة هي «التهجير». إن النسبية تعني أن رد الفعل يجب أن يكون متناسباً مع الفعل، مما يفضح النوايا الحقيقية حين لجأ الاحتلال إلى تهجير أكثر من (400) عائلة تضم كامل الحي وبعض الأحياء المجاورة للحي الذي خرج منه المقاومون، والتهجير يعني حمل عائلات بكاملها على إخلاء منازلها وأماكن سكنها بما ينطوي عليه ذلك من آلام وإرهاق وإفقار لأناس لا علاقة لهم بالأمر. إن جريمة التهجير، أداة ترتكبها قوات الاحتلال بكثافة في الفترة الأخيرة. ويرافق ذلك غالباً تدمير ممنهج لمناطق السكن والحارات والمحلات التجارية والمهنية. طبعاً هي استخدمتها في تهجير حوالي (750) ألف فلسطيني في حرب العام 1948، الاّ أنها توقفت بعد ذلك بعد أن ضمنت وجود أغلبية يهودية في «دولة اليهود»، ولكنها عادت إلى استخدام هذه الأداة على نحوٍ شامل وعام منذ طوفان الأقصى في غزة، ومارست «هواية» تهجير أهالي غزة من الشمال إلى الجنوب، ثم من الجنوب إلى الشرق، ثم من الشرق إلى الشمال، وقد بلغت أوامر التهجير في غزة حوالي 184 أمراً في فترة عام تقريباً مع ما رافق ذلك من دمار شامل لكل أشكال الحياة. إن التهجير أصبح من أشدّ أدوات إيذاء المدنيين التي تلجأ اليها إسرائيل ليس في الأراضي المحتلة فحسب بل مارسته على نحو واضح في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية. إن التهجير يعني اقتلاع عائلات كاملة بأطفالها وشيوخها ومرضاها دون وسائط نقل في الغالب، وإن توفرت تلك الوسائط فإن ذلك يكون مقابل أجر، والأجر غير متوافر في ظروف الحرب والاقتلاع وإغلاق البنوك والصرّاف الآلي. ويتم التهجير دون اعتبار لتوفير حاجات المرضى والأطفال على نحو خاص. ولخطورة استخدام هذه الأداة، فقد سلطت محكمة العدل الدولية الضوء عليها واعتبرتها من آليات «الإبادة».
ففي قضية كرواتيا ضد صربيا (2015)، قالت المحكمة الدولية إن الطرد الممنهج من السكن هو من أساليب التدمير الكلي أو الجزئي للسكان المستهدفين، مما يؤكد أن الطرد أو التهجير هو شكل من أشكال الإبادة باعتبار أن الإهلاك الكلي أو الجزئي يعتبر من أفعال الإبادة. وتأيّد ذلك في قضية الروهينجا الذين تمّ تهجيرهم من بورما، حيث قالت المحكمة إن التهجير هو جريمة بلا حدود. وفي إحدى القضايا المتعلقة بالجرائم التي ارتكبها الصرب ضد مسلمي البوسنة قال القاضي الياهو لوترباخت، وهو قانوني من جامعة كمبردج، إن التطهير العرقي، أي التهجير، الذي يمارسه الصرب ضد مسلمي البوسنة لا يمكن اعتباره الاّ فعلاً من أفعال الإبادة. وهذا يؤكد القول إن ما ارتكبته إسرائيل في قطاع غزه، وفي مخيمات اللاجئين في جنين ونور شمس وطولكرم وأخيراً في الخليل، ولا ننسى أهلنا في جنوب لبنان الذين تمّ تهجيرهم كذلك، هي جميعها أعمال تطهير عرقي ترقى إلى مرتبة الإبادة.
ويبدو أن إسرائيل استمرأت ارتكاب هذه الجريمة، لاسيما أنها لاحظت ضعف رد الفعل الفلسطيني – أولاً- وضعف رد الفعل العربي – ثانياً- وضعف رد الفعل الدولي ثالثاً. وهذا يلقي السؤال على الفصائل والشخصيات والنخب الفلسطينية التي غصّت بها قاعات الاجتماعات وهي تخطب عن ضرورة وإيجابيات الانتخابات، وصرفوا الكثير من الجهود والطاقات وهم يضعون برامجهم وقوائمهم الانتخابية. أليس من الأجدى، وطنياً وإنسانياً، أن تعقد هذه النخب والفصائل اجتماعاتها لوضع خطط لكيفية مقاومة جريمة التهجير، أو كيف يمكن مساعدة أهالينا الذين تمّ تهجيرهم، سيما وأن إسرائيل قد استقرّت على مواصلة ارتكاب هذه الجريمة التي من الواضح أنها لم تجلب لإسرائيل الضجة الدولية التي رافقت عمليات الإبادة في غزة. وبعد حوالي سبعة عشر اجتماعاً للفصائل ابتداءً من اجتماع القاهرة في العام 2005 إلى اجتماع بكين في العام 2025، والفصائل تناقش قضايا أصبحت مملّة وممجوجة ولا تُسفر عن أي شيء، إذ أصبحت النقاشات تدور حول الانتخابات بكل أشكالها وألوانها وأنماطها، وكيفية شكل الحكومة وإدارة الأراضي المحتلة، وكأن الاستيطان متوقف وينتظر قدوم الحكومة الفلسطينية. إنها اجتماعات تطحن الماء ولا تقدّم شيئاً ذا قيمة. إن التهجير هو إبادة بلا ضجيج وبدون إحراجات، ولا نسمع إلاّ ضجيج الفصائل ولا نرى إلاّ الهواء الذي يأتي من ذلك الضجيج. فقليلاً من الحياء يا رفاق!!!
محام وكاتب فلسطيني
القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 00:00