سلام وستفاليا… هل ينهي حروب الشرق الأوسط؟

إبراهيم نوار
نيسان ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 00:00
ليست هناك حروب لا نهاية لها، فلكل حرب، مهما طالت، نهاية. قد تستمر بعض الحروب لسنوات، أو عقود، أو ربما أكثر من قرن من الزمان. وليس العالم العربي أو منطقة الشرق الأوسط حالة استثنائية في تاريخ الحروب في العالم، لكن الاستثناء قد يكون بسبب اجتماع عوامل متشابكة في آن واحد، مثل التدخلات الخارجية وتعدد الديانات والمذاهب والأعراق واللغات والحضارات. على سبيل المثال شهدت أوروبا في العصور الوسطى حرب المئة عام بين إنكلترا وفرنسا (116 عاما امتدت من 1337 إلى 1453)، كما شهدت حرب الثمانين عاما (1568 – 1648) بسبب الصراع بين المسيحيين البروتستانت والكاثوليك، والصراعات بين أنظمة الحكم (جمهورية هولندا ضد مملكة إسبانيا). في تلك الفترة وقعت أيضا حرب الثلاثين عاما التي انتهت بما يعرف في التاريخ باسم «سلام وستفاليا»، الذي قام على عدد من المبادئ السياسية الجوهرية لرسم معالم نظام عالمي أساسه الدولة ذات السيادة، واحترام الدولة لسيادة غيرها ووحدة أراضيها، طبقا لمبدأ المعاملة بالمثل reciprocity وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ومبدأ حل المشاكل بالطرق السلمية. لقد جاءت «مبادئ وستفاليا» لتضع قواعد نظام دولي متماسك أساسه الدولة ذات السيادة للمرة الأولى في تاريخ العالم. صحيح أن هذا النظام لا يعني نهاية الحروب بين تلك الدول، لكنه رسم الطريق لإنهائها.
السؤال الذي يشغلنا الآن هو: إلى أي مدى تصلح مبادئ سلام وستفاليا لوضع نظام إقليمي في الشرق الأوسط أو العالم العربي، يضع حدا للحروب التي توصف بأنها حروب لا نهاية لها. أعتقد أن هناك دروسا كثيرة يمكن استخلاصها من مبادئ وستفاليا يمكن أن تسهم في مساعدة دول المنطقة وتلك الدول من خارجها التي لديها مصالح مباشرة، أو غير مباشرة فيها.
عندما يصل العقل السياسي إلى مرحلة إدراك أنه لا فائدة تُرجى من الحرب غير المزيد من التكلفة والتضحيات فإن مفهوم سلام القوة سوف ينهار ولا يجد من يستطيع تثبيته من جديد
وسوف ألقي في ما يلي نظرة موجزة على «مبادئ وستفاليا» ومدى توفر شروطها في منطقة الشرق الأوسط، لبيان ما يمكن الاستفادة منها في حل تعقيدات الوضع الراهن المليء بالحروب والصراعات مثل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، والحرب الأهلية في بلدان مثل ليبيا والسودان، والحرب اليمنية – السعودية، وحرب الإبادة الإسرائيلية على فلسطين، إضافة إلى خلافات الحدود الملتهبة والمشتعلة من غرب الخليج إلى شرق المحيط الأطلسي.
المدخل المهم في هذه المقارنة ليس إعادة إنتاج أوروبا القرن السابع عشر في الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين، ولكن محاولة رسم طريق يسهم في إنهاء الحروب وإحلال السلام، علما بأن هذا الطريق نفسه يجب أن يتشكل من مكونات مادية ومفاهيمية تتصل بالقرن الذي نعيشه. ومن أهم المفاهيم التي تواجهنا في القرن الحالي مفهوم إمكان تحقيق السلام بالحرب، أو ما يعرف بالسلام من خلال القوة peace through strength الذي يتبناه ترامب ونتنياهو والقوى المرتبطة بكل منهما. وأعتقد أن تكرار هزيمة هذا المفهوم، كما يحدث في غزة والضفة الغربية وإيران يمكن أن يقود إلى حالة إرهاق استراتيجي strategic fatigue نشهد ملامحه بالفعل في الولايات المتحدة وإسرائيل، سواء في العجز عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحروب، أو في الانقسام السياسي العميق بشأن الدور ومنظور الرؤية إلى الإقليم والعالم. وعندما يصل العقل السياسي إلى مرحلة إدراك أنه لا فائدة تُرجى من الحرب غير المزيد من التكلفة والتضحيات فإن مفهوم سلام القوة سوف ينهار ولا يجد من يستطيع تثبيته من جديد. ومن مظاهر اختلاف ما نحن فيه الآن عما كانت فيه أوروبا في القرن السابع عشر، أن هناك قوى مسلحة غير حكومية في الشرق الأوسط أثبتت أنها أقوى من الدولة الرسمية صاحبة السيادة، كما هو الحال في اليمن وليبيا والسودان ولبنان وإلى حد ما في العراق وسوريا. وتبدو قوة الجماعات غير الحكومية المسلحة في حالتين، الأولى هي السيطرة الفعلية على الحكم وتحويل الدولة ذات السيادة المعترف بها دوليا إلى كائن غريب ضال، كما هو الحال في اليمن، أو فرض واقع انقسام فعلي مع عجز الدولة عن المحافظة على وحدة أراضيها، كما هو الحال في السودان وليبيا. في مثل هذه الحالات يسيطر الخلل المؤسسي على أي محاولة لوقف الحرب أو رسم الطريق إلى بناء السلام.
لقد أسهمت قرون من الحروب الداخلية بين القوى الأوروبية في إنتاج سلام وستفاليا من خلال مبادئ سيادة الدولة ووحدة أراضيها وعدم التدخل والتعايش المشترك وحل المشاكل بالطرق السلمية، فهل تؤدي عقود من الحروب في الشرق الأوسط إلى إنتاج سلام إقليمي على النمط الوستفالي أو نمط آخر يسترشد به يضمن سلاما مستداما بين أطرافه؟ نحن لا نرى حتى الآن وجود مفهوم ناضج عن المستقبل وضرورة السلام في الشرق الأوسط، على الرغم من التضحيات والخسائر المؤلمة التي تتعرض لها الدول أطراف الحروب الثنائية أو الإقليمية. على العكس من ذلك فإننا نرى قوى إقليمية تجري معصوبة العينين إلى إشعال حروب جديدة. بعض هذه الحروب تكاد تكون نسخا كربونية من حروب سابقة فشلت في تحقيق الأهداف نفسها التي يراد لها أن تتحقق، كما هو الحال في اليمن. بمعنى آخر فإننا نرى أن هناك سلوكا سياسيا متعمدا لإعادة إنتاج الفشل في السياسة والاقتصاد والنتائج العسكرية على السواء. ومن المبادئ الخطيرة التي نعتبر أنها أحد أخطر محركات الهدم وإشعال الحروب في الشرق الأوسط بين أطرافه الأصلية، أي باستبعاد إسرائيل، هو مبدأ زعم الولاية على جزء من مواطني دولة أخرى في المنطقة لأسباب دينية أو مذهبية أو عرقية أو سياسية، والعمل على استخدام هذه الولاية ذريعة في التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى. على سبيل المثال فإن وجود أعراق أو قوميات مختلفة في دول المنطقة مثل التركمان في العراق قد يغري تركيا بادعاء الولاية على التركمان في الدول الأخرى المجاورة خصوصا في حال اضطهادهم في تلك الدول. الشيء نفسه ينطبق على حالة إيران من حيث ادعاء الولاية على أصحاب المذهب الشيعي، الذين يعيشون في الدول المجاورة وافتراض مشروعية التدخل لحمايتهم، أو رفع المظلومية عنهم، كذلك الحال في ما يتعلق بزعم إسرائيل الولاية على كل يهود العالم.
إن مبدأ ولاية الدولة على جماعة أو جزء من مواطني دولة أخرى يمثل انتهاكا جسيما لمبدأ «سيادة الدولة» وهو المبدأ الأول من المبادئ الوستفالية. وفي هذه الحالات ليس شرطا أن يحدث التدخل في صورة مباشرة وإنما يكفي حدوثه بصور غير مباشرة، تبدأ من شن حملات بروباغندا سياسية ضد الدولة الأخرى، وقد تنتهي بتسليح الطرف المستفيد من الولاية وتشجيعه على تحدي الدولة الرسمية ذات السيادة.
مثل هذه الظواهر الجديدة المرافقة لحروب وصراعات الشرق الأوسط تعني أن الطريق إلى رسم ملامح سلام إقليمي مستدام في القرن الواحد والعشرين ليست بالأمر الهين، وإنما ستنتج تحديات جديدة لم تكن قائمة في القرن السابع عشر في أوروبا.
ومع ذلك فإن السعي إلى تحقيق السلام يفرض ضرورة تطوير الأساليب والوسائل التي تقود إلى هذا الطريق عبر المفاهيم والقوانين والآليات المتاحة. إن التطورات التي قادت إلى سلام وستفاليا لم تخترع أو تنشئ نظاما كاملا من الدول القومية المتساوية والمستقلة فجأة، ومن دون مقدمات. في هذا السياق يجب النظر إلى مبادئ سلام وستفاليا بوصفها نتاج عملية تاريخية مليئة بالمعاناة، وقد ساعدت عملية وستفاليا التي تبلورت من خلالها مبادئ السلام على تهميش سيطرة الشعارات والمفاهيم المذهبية والقومية على السياسة، ووضعت الدولة القومية على مسافة بعيدة عن تلك الشعارات، كما أضفت عملية وستفاليا الطابع المؤسسي على التعايش بين الدول من دون السعي إلى تحقيق وحدة دينية أو قومية باستخدام القوة. ونظرا لأن الحروب لها تكلفتها وتضحياتها فإن استمرارها كان يخلق توازنات للقوى تفرض الحاجة إلى المفاوضات، لأن القوى المتحاربة كانت أقل من أن تستطيع تحقيق جميع أهدافها من خلال الحرب. الأهم من كل ذلك هو أن عملية وستفاليا، بمعنى التفاعلات المادية وغير المادية التي تتعرض لها الأطراف المتحاربة، أدت إلى سقوط مبدأ سلام القوة، وأكدت أن الحرب لا يمكن أن تكون الوسيلة الكافية لتحقيق الأهداف السياسية المطلوبة. ومن ثم فإن الدرس المركزي في عملية وستفاليا هو إن الحرب المطولة يمكن أن تخلق حوافز للتفاوض على قواعد التعايش عندما تستنتج الجهات الفاعلة الرئيسية أن تكاليف استمرار الصراع تتجاوز فوائد السعي لتحقيق النصر المطلق. في هذا السياق نرى ضرورة استمرار السعي من خلال التفاعلات الإقليمية الراهنة إلى استخلاص قواعد سليمة لإقامة سلام إقليمي مستدام.
كاتب مصري
    نيسان ـ نشر في 2026/10/28 الساعة 00:00