ما سر ذكاء الأخطبوط ؟

نيسان ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 00:00
كيف تطورت القدرات المذهلة للأخطبوط، من حل المشكلات إلى التعلم والتكيف مع محيطه؟ ولماذا تتمتع رأسيات الأرجل، التي تضم الأخطبوطات والحبار والسيبيا، بأنظمة عصبية معقدة على نحو لافت؟ قد لا تكمن الإجابة في الجينات وحدها، بل في الطريقة التي يلتف بها الحمض النووي داخل الخلايا، وفق دراسة علمية جديدة تقدم تصوراً مختلفاً لدور بنية الجينوم في التطور.
ووجد باحثون من جامعة فيينا أدلة على أن إعادة تنظيم واسعة النطاق للجينوم حدثت قبل مئات الملايين من السنين، غيّرت طريقة تفاعل مناطق مختلفة من الحمض النووي لدى رأسيات الأرجل. وتشير النتائج إلى أن هذه التحولات القديمة ربما أتاحت أنماطاً جديدة لتنظيم نشاط الجينات، وأسهمت في تهيئة الظروف لظهور خصائص بيولوجية معقدة، من بينها الأنظمة العصبية المتطورة.
ونُشرت الدراسة في مجلة «Nature Communications» في 9 أكتوبر 2026، لتسلط الضوء على أهمية البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي، التي قد تؤثر في مسار التطور بقدر يتجاوز مجرد امتلاك جينات معينة.
تعليمات وراثية
لا يوجد الحمض النووي داخل نواة الخلية على هيئة سلسلة مستقيمة من التعليمات الوراثية، بل يلتف وينطوي في بنية ثلاثية الأبعاد شديدة التنظيم. وتتيح هذه البنية تقريب مناطق متباعدة من الحمض النووي بعضها من بعض، ما يؤثر في تفاعل العناصر التنظيمية مع الجينات والتحكم في توقيت نشاطها ومكانه.
وقالت الدكتورة ثيا روجرز، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن الجينوم لا يقتصر على تسلسل الجينات، بل يتخذ بنية مكانية معقدة، وإن فهم كيفية تطور هذه البنية يكتسب أهمية متزايدة في تفسير نشوء أشكال جديدة من التعقيد البيولوجي.
ومن خلال تحليل تنظيم الجينوم إلى جانب نشاط الجينات لدى الأخطبوطات والحبار والسيبيا، رصد الباحثون آثار إعادة تنظيم تطورية كبرى. فقد أصبحت مناطق من الحمض النووي كانت متباعدة سابقاً متجاورة، ما أتاح فرصاً جديدة للتفاعل بين العناصر المسؤولة عن تنظيم الجينات.
ومع مرور الزمن، ربما أسهمت بعض هذه الروابط في تشكيل شبكات تنظيمية أكثر ترابطاً وتعقيداً، وهي عملية وصفها الباحثون بمفهوم «التشابك التنظيمي»، في إشارة إلى ازدياد الروابط والتفاعلات بين مناطق الجينوم التي تتحكم في نشاط الجينات.
تنظيم بنيوي
كشفت الدراسة أيضاً أن مكونات التنظيم البنيوي للحمض النووي لا تتطور جميعها بالسرعة نفسها. فقد ظلت مناطق كبيرة تُعرف باسم نطاقات الكروماتين مستقرة نسبياً عبر الزمن التطوري، رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على مكونات أخرى من الجينوم.
في المقابل، أظهرت تراكيب أصغر تُعرف باسم «حلقات الكروماتين» مرونة أكبر، مع اختلافها بين الأنواع والأنسجة ومراحل النمو. وتعمل هذه الحلقات على تقريب أجزاء متباعدة من الحمض النووي مكانياً، بما يسمح للعناصر التنظيمية بالتأثير في جينات قد تقع على مسافات بعيدة عنها ضمن التسلسل الوراثي.
ولاحظ الباحثون أن كثيراً من هذه الحلقات يرتبط بمناطق قريبة من جينات لها صلة بخصائص مميزة لرأسيات الأرجل، بما في ذلك وظائف مرتبطة بالجهاز العصبي.
وتشير النتائج إلى أن الجمع بين استقرار بعض مناطق الجينوم ومرونة مناطق أخرى قد يسمح بتطوير أنماط جديدة من التعبير الجيني، مع الحفاظ على الوظائف البيولوجية الأساسية.
فبينما تساعد نطاقات الكروماتين المستقرة في صون التنظيم القائم، قد تتيح الحلقات الأكثر مرونة فرصاً لظهور علاقات تنظيمية جديدة.
الجهاز العصبي
ويمثل تعقيد الجهاز العصبي لدى الأخطبوطات أحد أبرز الألغاز التي يسعى علماء الأحياء إلى تفسيرها. وتفتح الدراسة مساراً جديداً لفهم هذا التعقيد، من خلال بحث دور التنظيم المكاني للحمض النووي في تشكيل أنماط نشاط الجينات.
فبدلاً من النظر إلى التطور بوصفه نتيجة لتغير تسلسل الجينات وحده، تشير النتائج إلى أن الطريقة التي تتجاور بها مناطق الحمض النووي وتتفاعل داخل الخلية قد تسهم أيضاً في توسيع إمكانات التنظيم الجيني، بما قد يهيئ لظهور وظائف بيولوجية أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، لا تثبت الدراسة أن طريقة طيّ الحمض النووي هي السبب المباشر وراء ذكاء الأخطبوط، ولا تحدد آلية بعينها مسؤولة عن قدراته المعرفية. لكنها تقدم أدلة على أن إعادة تنظيم الجينوم أسهمت في تشكيل بيئة تنظيمية جينية مميزة لدى رأسيات الأرجل، وهو ما قد يساعد مستقبلاً على تفسير كيفية تطور بعض خصائصها المعقدة.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه يوسع فهم العلماء للعلاقة بين بنية المادة الوراثية ووظائفها، ويشير إلى أن أسرار التطور قد لا تكون مكتوبة في الجينات وحدها، بل قد تكمن أيضاً في الطريقة التي تنتظم بها هذه الجينات وتتواصل داخل الخلية.
الدراسة كشفت سبب ذكاء الأخطبوط؛ إذ تركز النتائج على بنية الجينوم وتنظيم نشاط الجينات، ولا تثبت علاقة سببية مباشرة بالذكاء.
    نيسان ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 00:00