تضخم المعيشة والديمقراطية في بريطانيا
نيسان ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 00:00
شهد معدل التضخم في المملكة المتحدة ارتفاعاً إلى 3.5 في المائة خلال شهر سبتمبر، مسجلاً أعلى مستوى له منذ نحو عام ومدفوعاً بقفزة حادة في أسعار الطاقة، وسط ترقب واسع لتوجهات بنك إنجلترا المقبلة في السياسة النقدية، غير أن المعضلة الأساسية لا تقتصر على محاربة الغلاء فحسب، بل تمتد لتشمل الآليات المتبعة وأبعادها العميقة المرتبطة باستقرار الديمقراطية ومستقبل المجتمعات
تآكل القدرات الشرائية واتساع الفجوة الطبقية
قفزت أسعار السلع والخدمات الضرورية بشكل هائل منذ عام 2022، حيث أظهر مقياس تكاليف معيشة الأسر الصادر عن مكتب الإحصاء الوطني أن التضخم الفعلي الذي تشعر به العائلات بلغ ذروته عند 12.7 في المائة في أكتوبر 2022 متجاوزاً معدل التضخم العام البالغ 11.1 في المائة، بينما تشير الحسابات الخاصة إلى ارتفاع تكلفة الضروريات مثل السكن والغذاء والطاقة ووقود النقل والاتصالات بنسبة 22.5 في المائة
ولا يتوزع هذا العبء القاسي بالتساوي على شرائح المجتمع؛ فخلال الفترة بين 2021 و2022 استهلكت الضروريات وحدها 57 في المائة من دخل النصف الأقل دخلاً من الأسر مقارنة بـ 49 في المائة في الفترة بين 2019 و2020، في وقت لم تشهد فيه دخولهم سوى نمو طفيف بنسبة 2 في المائة تقريباً، وهو ما أجبر هذه الفئات على تقليص النفقات الأساسية وشراء طعام أقل بنسبة 7 في المائة وخفض استهلاك التدفئة وسط تراجع الوعد المجتمعي بأن العمل جاد ومصدر حياة كريمة وآمنة
التبعات السياسية وانتعاش التيارات اليمينية
يمثل هذا التراجع الحاد في الأمن الاقتصادي بيئة حاضنة لنمو التيارات الشعبوية واليمين المتطرف، ويظهر ذلك جلياً في شواهد عدة تشمل ارتفاع احتمالية دعم المستأجرين ذوي الدخل المنخفض لحزب بديل ألمانيا بنسبة 4 نقاط مئوية لكل زيادة قدرها يورو واحد في إيجار المتر المربع، فضلاً عن كون الخوف من انعدام الأمن الاقتصادي دافعاً رئيسياً لتصويت الطبقة الوسطى لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع تصاعد شعبية حزب إصلاح المملكة المتحدة مع استمرار تخلف الأجور عن ملاحقة الغلاء وعجز حكومة السير كير ستارمر عن احتواء الأزمة
أزمة السلع الأساسية وقصور أدوات المعالجة
تعجز الأدوات التقليدية عن كبح تضخم السلع الأساسية أو ضخ طاقة إضافية وتوفير الغذاء بأسعار ميسورة، إذ تعتمد تلك الآليات حصرياً على كبح الطلب وخفض التوظيف، مما يضاعف مخاوف الأسر بفقدان الوظائف إلى جانب عجزها عن سداد الفواتير المتصاعدة
علاوة على ذلك، تتسبب التدابير التقليدية في موجة ثانية من الضغط المالي عبر قطاع الإسكان، خصوصاً مع تحمل المستأجرين صدمات الغذاء والطاقة وامتداد تكاليف الرهن العقاري والتمويل لتطال أصحاب المنازل، مما يفضي إلى حرمان الشباب من فرصة التملك ورفع تكلفة استثمارات الطاقة المتجددة وزيادة أعباء الاقتراض الحكومي
نحو مقاربة جديدة لحماية الديمقراطية
أدرك صناع السياسات بعد الحرب العالمية الثانية أن الأمن الاقتصادي يمثل صمام الأمان للديمقراطية، وكما حذر جون ماينارد كينز عام 1919 من لجوء الشعوب المتازمة إلى وعود الأمل أو الانتقام، أكد مهندسو مرحلة ما بعد الحرب مثل هارولد لاسكي وويليام بيفريدج على ضرورة إخضاع الخدمات الأساسية للرقابة العامة ومحاربة العوز دفاعاً عن الديمقراطية نفسها
تتطلب معالجة التضخم الراهنة منظومة أدوات بديلة تستهدف استقرار أسعار السلع الأساسية أولاً وتوفير الوقت لمعالجة الأسباب الجذرية، ويشمل ذلك ضمان أسعار محددة لمستوى أساسي من الاستهلاك في قطاع الطاقة ممولة عبر ضرائب الأرباح الاستثنائية جنباً إلى جنب مع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، فضلاً عن فرض تجميد على الإيجارات وتنفيذ برامج طموحة لبناء مساكن عامة صديقة للبيئة في قطاع الإسكان
وتؤكد مؤشرات الواقع السياسي أن هذا النهج يلقى صدى متسارعاً لدى الناخبين، إذ نجح حزب العمال في تجاوز منافسيه في استطلاعات الرأي بعد وعود السيطرة العامة على المرافق الأساسية، فاستقرار الأسعار غاية كبرى، لكن الوسيلة المتبعة يجب ألا تجعل المواطنين أفقر وأقل أمناً لئلا تتحول مكافحة التضخم نفسها إلى خطر يهدد تقويض أسس الديمقراطية
تآكل القدرات الشرائية واتساع الفجوة الطبقية
قفزت أسعار السلع والخدمات الضرورية بشكل هائل منذ عام 2022، حيث أظهر مقياس تكاليف معيشة الأسر الصادر عن مكتب الإحصاء الوطني أن التضخم الفعلي الذي تشعر به العائلات بلغ ذروته عند 12.7 في المائة في أكتوبر 2022 متجاوزاً معدل التضخم العام البالغ 11.1 في المائة، بينما تشير الحسابات الخاصة إلى ارتفاع تكلفة الضروريات مثل السكن والغذاء والطاقة ووقود النقل والاتصالات بنسبة 22.5 في المائة
ولا يتوزع هذا العبء القاسي بالتساوي على شرائح المجتمع؛ فخلال الفترة بين 2021 و2022 استهلكت الضروريات وحدها 57 في المائة من دخل النصف الأقل دخلاً من الأسر مقارنة بـ 49 في المائة في الفترة بين 2019 و2020، في وقت لم تشهد فيه دخولهم سوى نمو طفيف بنسبة 2 في المائة تقريباً، وهو ما أجبر هذه الفئات على تقليص النفقات الأساسية وشراء طعام أقل بنسبة 7 في المائة وخفض استهلاك التدفئة وسط تراجع الوعد المجتمعي بأن العمل جاد ومصدر حياة كريمة وآمنة
التبعات السياسية وانتعاش التيارات اليمينية
يمثل هذا التراجع الحاد في الأمن الاقتصادي بيئة حاضنة لنمو التيارات الشعبوية واليمين المتطرف، ويظهر ذلك جلياً في شواهد عدة تشمل ارتفاع احتمالية دعم المستأجرين ذوي الدخل المنخفض لحزب بديل ألمانيا بنسبة 4 نقاط مئوية لكل زيادة قدرها يورو واحد في إيجار المتر المربع، فضلاً عن كون الخوف من انعدام الأمن الاقتصادي دافعاً رئيسياً لتصويت الطبقة الوسطى لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع تصاعد شعبية حزب إصلاح المملكة المتحدة مع استمرار تخلف الأجور عن ملاحقة الغلاء وعجز حكومة السير كير ستارمر عن احتواء الأزمة
أزمة السلع الأساسية وقصور أدوات المعالجة
تعجز الأدوات التقليدية عن كبح تضخم السلع الأساسية أو ضخ طاقة إضافية وتوفير الغذاء بأسعار ميسورة، إذ تعتمد تلك الآليات حصرياً على كبح الطلب وخفض التوظيف، مما يضاعف مخاوف الأسر بفقدان الوظائف إلى جانب عجزها عن سداد الفواتير المتصاعدة
علاوة على ذلك، تتسبب التدابير التقليدية في موجة ثانية من الضغط المالي عبر قطاع الإسكان، خصوصاً مع تحمل المستأجرين صدمات الغذاء والطاقة وامتداد تكاليف الرهن العقاري والتمويل لتطال أصحاب المنازل، مما يفضي إلى حرمان الشباب من فرصة التملك ورفع تكلفة استثمارات الطاقة المتجددة وزيادة أعباء الاقتراض الحكومي
نحو مقاربة جديدة لحماية الديمقراطية
أدرك صناع السياسات بعد الحرب العالمية الثانية أن الأمن الاقتصادي يمثل صمام الأمان للديمقراطية، وكما حذر جون ماينارد كينز عام 1919 من لجوء الشعوب المتازمة إلى وعود الأمل أو الانتقام، أكد مهندسو مرحلة ما بعد الحرب مثل هارولد لاسكي وويليام بيفريدج على ضرورة إخضاع الخدمات الأساسية للرقابة العامة ومحاربة العوز دفاعاً عن الديمقراطية نفسها
تتطلب معالجة التضخم الراهنة منظومة أدوات بديلة تستهدف استقرار أسعار السلع الأساسية أولاً وتوفير الوقت لمعالجة الأسباب الجذرية، ويشمل ذلك ضمان أسعار محددة لمستوى أساسي من الاستهلاك في قطاع الطاقة ممولة عبر ضرائب الأرباح الاستثنائية جنباً إلى جنب مع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، فضلاً عن فرض تجميد على الإيجارات وتنفيذ برامج طموحة لبناء مساكن عامة صديقة للبيئة في قطاع الإسكان
وتؤكد مؤشرات الواقع السياسي أن هذا النهج يلقى صدى متسارعاً لدى الناخبين، إذ نجح حزب العمال في تجاوز منافسيه في استطلاعات الرأي بعد وعود السيطرة العامة على المرافق الأساسية، فاستقرار الأسعار غاية كبرى، لكن الوسيلة المتبعة يجب ألا تجعل المواطنين أفقر وأقل أمناً لئلا تتحول مكافحة التضخم نفسها إلى خطر يهدد تقويض أسس الديمقراطية
نيسان ـ نشر في 2026/10/29 الساعة 00:00