كهرباء المخيمات الفلسطينية في لبنان.. من يدفع ثمن عقود من الفوضى في الجباية؟
نيسان ـ نشر في 2026/10/30 الساعة 00:00
لا تبدو أزمة الكهرباء في المخيمات الفلسطينية في لبنان مجرد خلاف على فواتير متأخرة، بل تكشف خللاً تراكم على مدى سنوات في إدارة الاشتراكات وتحصيل الأموال وتحديد المسؤوليات، حتى باتت المخيمات تواجه استحقاقاً مالياً كبيراً من دون أن تتشابه أوضاعها أو تتساوى ظروف سكانها.
ومع منح مؤسسة كهرباء لبنان المخيمات المتخلفة عن الدفع مهلة لتسوية المستحقات، عاد الملف إلى الواجهة، وسط مخاوف من أن يؤدي قطع التغذية إلى زيادة الأعباء على اللاجئين، في وقت لا تزال فيه آلاف المنازل تنتظر تركيب عدادات رسمية تتيح احتساب استهلاكها بصورة دقيقة.
وتضع هذه التطورات الجهات اللبنانية والفلسطينية أمام اختبار حقيقي: هل يمكن الانتقال من المطالبات المالية والمهل الزمنية إلى تسوية تعالج جذور الأزمة، وتحدد المسؤولية عن الديون، وتضمن انتظام الدفع مستقبلاً؟
ديون قديمة وواقع لا يشبه بعضه بعضاً
تكشف أوضاع المخيمات أن التعامل معها بوصفها كتلة واحدة يتجاهل اختلافاً جوهرياً في آليات التحصيل والالتزام بالسداد.
ففي مخيم برج البراجنة، تتحدث مصادر محلية عن ديون تراكمت على مدى نحو ثلاثة عقود، وقدّرتها بنحو 100 مليون دولار، نتيجة عدم تحويل الأموال التي جُمعت من السكان إلى الدولة اللبنانية، وفق ما نقلته بوابة اللاجئين الفلسطينيين.
ويفتح هذا الملف سؤالاً أساسياً حول مصير الأموال التي دفعها الأهالي سابقاً، والجهات المسؤولة عن عدم تحويلها، ومدى إمكانية تحميل السكان الحاليين تبعات التزامات تراكمت خلال سنوات طويلة.
وفي المقابل، تقدم مخيمات أخرى صورة مختلفة؛ إذ يسدد السكان الفواتير، لكنهم يواجهون عقبات إدارية تحول دون استكمال تنظيم الاشتراكات.
وقال مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد، أحمد غنومي، إن نحو 96% من المشتركين الذين يمتلكون عدادات يسددون الرسوم المستحقة، مشيراً إلى أن المشكلة الأبرز تتمثل في عدم تركيب عدادات جديدة رغم تقديم طلبات بهذا الخصوص.
ووفق الأرقام التي أوردتها بوابة اللاجئين الفلسطينيين، يتراوح عدد طلبات تركيب العدادات غير المنفذة في المخيم القديم بين 1600 و2000 طلب، فيما يبلغ عدد الطلبات المعلقة في مخيم البداوي نحو 1300 طلب.
وتعني هذه الأرقام أن جزءاً من الأزمة يرتبط بعدم استكمال البنية الإدارية اللازمة لتحصيل الرسوم بصورة منتظمة، وليس بالضرورة امتناع السكان عن الدفع.
العدادات الفردية.. مدخل لإنهاء النزاع
يمثل غياب العدادات الفردية إحدى أبرز العقبات أمام تنظيم الكهرباء في المخيمات، لأنه يجعل تحديد استهلاك كل منزل أكثر صعوبة، ويفتح الباب أمام الخلافات بشأن قيمة الفواتير وعدالة توزيع الأعباء.
ويرى غنومي أن دراسة أوضاع المخيمات بصورة منفصلة ضرورة لمعرفة عدد المشتركين وحجم الاستهلاك والمنازل غير المزودة بعدادات، بدلاً من اعتماد إجراءات موحدة لا تراعي الاختلافات بين المناطق والأسر.
ويشير إلى أن عدد أفراد الأسرة ومساحة المنزل وعدد الغرف عوامل تؤثر في الاستهلاك، إذ لا يمكن التعامل بالطريقة نفسها مع منزل تقطنه أسرة صغيرة وآخر يضم عشرة أو خمسة عشر شخصاً.
وفي هذا السياق، يؤكد غنومي أن الفلسطينيين في لبنان مستعدون لدفع ثمن الكهرباء، لكن المطلوب آلية واضحة تحتسب الاستهلاك الفعلي وتراعي واقع المخيمات.
وتتجاوز أهمية تركيب العدادات الجانب المالي؛ إذ يمكن أن يتيح لكل أسرة معرفة استهلاكها ومراجعة فاتورتها، ويحد من النزاعات بشأن المبالغ المستحقة، كما يساعد مؤسسة الكهرباء على بناء نظام تحصيل أكثر انتظاماً.
برج الشمالي والبص.. مشكلات مختلفة وحل واحد
وتظهر الفوارق أيضاً في مخيم برج الشمالي، حيث ربط مسؤول اللجنة الشعبية محمد رشيد أزمة الجباية بقرار سابق أعاد الأموال والفواتير إلى قرابة ألف عائلة، رغم أن السكان كانوا يسددون الرسوم في مرحلة سابقة.
وأوضح رشيد أن اللجنة الشعبية عملت لاحقاً على تشجيع الأهالي على تركيب العدادات وتسديد الفواتير، مشيراً إلى تجاوب السكان مع هذه الجهود.
أما في مخيم البص، فقال مسؤول اللجنة الشعبية علي الجمل إن السكان يسددون فواتير الكهرباء، لكن التوسع العمراني أدى إلى إنشاء منازل جديدة لم تحصل على عدادات رسمية.
وأضاف أن بعض العدادات لا يزال مسجلاً بأسماء مالكين سابقين، الأمر الذي يفرض على السكان مراجعة الشركة وتسوية بيانات الاشتراكات والملكية.
وتشير هذه الحالات إلى أن أي حل عملي ينبغي أن يجمع بين تركيب العدادات الجديدة، وتحديث بيانات المشتركين، وتسوية أوضاع العدادات القديمة، ومراجعة الملفات المالية لكل مخيم على حدة.
الدولة تطالب بحقوقها واللاجئون يخشون تداعيات القطع
من جانبها، تتمسك مؤسسة كهرباء لبنان بضرورة تحصيل مستحقاتها، وتربط استمرار تقديم الخدمة بانتظام الدفع، في ظل الضغوط المالية التي يعانيها قطاع الكهرباء.
وذكرت صحيفة «النهار» أن المؤسسة أبدت استعدادها للتنازل عن المستحقات القديمة للمخيمات، مقابل تسديد المستحقات الجديدة وفق التعرفة المعتمدة منذ عام 2022، مع بحث إمكانية تقسيط المبالغ على فترة طويلة قد تصل إلى عشر سنوات.
ويمثل هذا الطرح مدخلاً محتملاً للتسوية، لكنه يتطلب اتفاقاً واضحاً بشأن قيمة المستحقات، وآلية السداد، والجهات التي ستتولى تحصيل الفواتير، وكيفية التعامل مع المنازل التي لم تُزود بعدادات.
في المقابل، يخشى السكان أن يؤدي قطع الكهرباء إلى مضاعفة معاناتهم اليومية، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والاعتماد على بدائل أكثر كلفة.
ولا يعني ذلك إسقاط حق المؤسسة في تحصيل مستحقاتها، بل إن الوصول إلى حل مستدام يقتضي الجمع بين انتظام الدفع وضمان وجود آلية عادلة وشفافة للاحتساب والتحصيل.
لجنة الحوار أمام مسؤولية التسوية
وتتجه الأنظار إلى لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، التي تتابع الملف بالتنسيق مع الجهات المعنية، وسط مطالب بإشراك اللجان الشعبية والمرجعيات الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في وضع تصور عملي للحل.
وتتمثل الخطوة الأولى في إجراء مسح شامل يحدد واقع الكهرباء في كل مخيم، وعدد العدادات المركبة والمعلقة، وحجم الاستهلاك، وطبيعة الديون، والمسؤوليات المرتبطة بالأموال التي جُمعت سابقاً.
ويلي ذلك وضع جدول زمني لتركيب العدادات وتسوية الاشتراكات، إلى جانب الاتفاق على تقسيط المستحقات التي تثبت قانونياً، وتحديد جهة مسؤولة عن الجباية ومراقبة تحويل الأموال.
إن استمرار الأزمة من دون معالجة هذه الجوانب سيبقي المخيمات عرضة لتكرار النزاع كلما حانت مواعيد التسديد، فيما قد يحول قطع الكهرباء الخلاف المالي إلى أزمة معيشية أوسع.
لذلك، فإن التسوية المطلوبة لا تقتصر على منح مهلة جديدة، بل تستدعي إعادة تنظيم الملف من أساسه، بما يضمن حق الدولة اللبنانية في تحصيل مستحقاتها، وحق اللاجئين في آلية واضحة ومنصفة، ويضع حداً لعقود من الفوضى في الجباية والعدادات والديون المتراكمة.
ومع منح مؤسسة كهرباء لبنان المخيمات المتخلفة عن الدفع مهلة لتسوية المستحقات، عاد الملف إلى الواجهة، وسط مخاوف من أن يؤدي قطع التغذية إلى زيادة الأعباء على اللاجئين، في وقت لا تزال فيه آلاف المنازل تنتظر تركيب عدادات رسمية تتيح احتساب استهلاكها بصورة دقيقة.
وتضع هذه التطورات الجهات اللبنانية والفلسطينية أمام اختبار حقيقي: هل يمكن الانتقال من المطالبات المالية والمهل الزمنية إلى تسوية تعالج جذور الأزمة، وتحدد المسؤولية عن الديون، وتضمن انتظام الدفع مستقبلاً؟
ديون قديمة وواقع لا يشبه بعضه بعضاً
تكشف أوضاع المخيمات أن التعامل معها بوصفها كتلة واحدة يتجاهل اختلافاً جوهرياً في آليات التحصيل والالتزام بالسداد.
ففي مخيم برج البراجنة، تتحدث مصادر محلية عن ديون تراكمت على مدى نحو ثلاثة عقود، وقدّرتها بنحو 100 مليون دولار، نتيجة عدم تحويل الأموال التي جُمعت من السكان إلى الدولة اللبنانية، وفق ما نقلته بوابة اللاجئين الفلسطينيين.
ويفتح هذا الملف سؤالاً أساسياً حول مصير الأموال التي دفعها الأهالي سابقاً، والجهات المسؤولة عن عدم تحويلها، ومدى إمكانية تحميل السكان الحاليين تبعات التزامات تراكمت خلال سنوات طويلة.
وفي المقابل، تقدم مخيمات أخرى صورة مختلفة؛ إذ يسدد السكان الفواتير، لكنهم يواجهون عقبات إدارية تحول دون استكمال تنظيم الاشتراكات.
وقال مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد، أحمد غنومي، إن نحو 96% من المشتركين الذين يمتلكون عدادات يسددون الرسوم المستحقة، مشيراً إلى أن المشكلة الأبرز تتمثل في عدم تركيب عدادات جديدة رغم تقديم طلبات بهذا الخصوص.
ووفق الأرقام التي أوردتها بوابة اللاجئين الفلسطينيين، يتراوح عدد طلبات تركيب العدادات غير المنفذة في المخيم القديم بين 1600 و2000 طلب، فيما يبلغ عدد الطلبات المعلقة في مخيم البداوي نحو 1300 طلب.
وتعني هذه الأرقام أن جزءاً من الأزمة يرتبط بعدم استكمال البنية الإدارية اللازمة لتحصيل الرسوم بصورة منتظمة، وليس بالضرورة امتناع السكان عن الدفع.
العدادات الفردية.. مدخل لإنهاء النزاع
يمثل غياب العدادات الفردية إحدى أبرز العقبات أمام تنظيم الكهرباء في المخيمات، لأنه يجعل تحديد استهلاك كل منزل أكثر صعوبة، ويفتح الباب أمام الخلافات بشأن قيمة الفواتير وعدالة توزيع الأعباء.
ويرى غنومي أن دراسة أوضاع المخيمات بصورة منفصلة ضرورة لمعرفة عدد المشتركين وحجم الاستهلاك والمنازل غير المزودة بعدادات، بدلاً من اعتماد إجراءات موحدة لا تراعي الاختلافات بين المناطق والأسر.
ويشير إلى أن عدد أفراد الأسرة ومساحة المنزل وعدد الغرف عوامل تؤثر في الاستهلاك، إذ لا يمكن التعامل بالطريقة نفسها مع منزل تقطنه أسرة صغيرة وآخر يضم عشرة أو خمسة عشر شخصاً.
وفي هذا السياق، يؤكد غنومي أن الفلسطينيين في لبنان مستعدون لدفع ثمن الكهرباء، لكن المطلوب آلية واضحة تحتسب الاستهلاك الفعلي وتراعي واقع المخيمات.
وتتجاوز أهمية تركيب العدادات الجانب المالي؛ إذ يمكن أن يتيح لكل أسرة معرفة استهلاكها ومراجعة فاتورتها، ويحد من النزاعات بشأن المبالغ المستحقة، كما يساعد مؤسسة الكهرباء على بناء نظام تحصيل أكثر انتظاماً.
برج الشمالي والبص.. مشكلات مختلفة وحل واحد
وتظهر الفوارق أيضاً في مخيم برج الشمالي، حيث ربط مسؤول اللجنة الشعبية محمد رشيد أزمة الجباية بقرار سابق أعاد الأموال والفواتير إلى قرابة ألف عائلة، رغم أن السكان كانوا يسددون الرسوم في مرحلة سابقة.
وأوضح رشيد أن اللجنة الشعبية عملت لاحقاً على تشجيع الأهالي على تركيب العدادات وتسديد الفواتير، مشيراً إلى تجاوب السكان مع هذه الجهود.
أما في مخيم البص، فقال مسؤول اللجنة الشعبية علي الجمل إن السكان يسددون فواتير الكهرباء، لكن التوسع العمراني أدى إلى إنشاء منازل جديدة لم تحصل على عدادات رسمية.
وأضاف أن بعض العدادات لا يزال مسجلاً بأسماء مالكين سابقين، الأمر الذي يفرض على السكان مراجعة الشركة وتسوية بيانات الاشتراكات والملكية.
وتشير هذه الحالات إلى أن أي حل عملي ينبغي أن يجمع بين تركيب العدادات الجديدة، وتحديث بيانات المشتركين، وتسوية أوضاع العدادات القديمة، ومراجعة الملفات المالية لكل مخيم على حدة.
الدولة تطالب بحقوقها واللاجئون يخشون تداعيات القطع
من جانبها، تتمسك مؤسسة كهرباء لبنان بضرورة تحصيل مستحقاتها، وتربط استمرار تقديم الخدمة بانتظام الدفع، في ظل الضغوط المالية التي يعانيها قطاع الكهرباء.
وذكرت صحيفة «النهار» أن المؤسسة أبدت استعدادها للتنازل عن المستحقات القديمة للمخيمات، مقابل تسديد المستحقات الجديدة وفق التعرفة المعتمدة منذ عام 2022، مع بحث إمكانية تقسيط المبالغ على فترة طويلة قد تصل إلى عشر سنوات.
ويمثل هذا الطرح مدخلاً محتملاً للتسوية، لكنه يتطلب اتفاقاً واضحاً بشأن قيمة المستحقات، وآلية السداد، والجهات التي ستتولى تحصيل الفواتير، وكيفية التعامل مع المنازل التي لم تُزود بعدادات.
في المقابل، يخشى السكان أن يؤدي قطع الكهرباء إلى مضاعفة معاناتهم اليومية، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والاعتماد على بدائل أكثر كلفة.
ولا يعني ذلك إسقاط حق المؤسسة في تحصيل مستحقاتها، بل إن الوصول إلى حل مستدام يقتضي الجمع بين انتظام الدفع وضمان وجود آلية عادلة وشفافة للاحتساب والتحصيل.
لجنة الحوار أمام مسؤولية التسوية
وتتجه الأنظار إلى لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، التي تتابع الملف بالتنسيق مع الجهات المعنية، وسط مطالب بإشراك اللجان الشعبية والمرجعيات الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في وضع تصور عملي للحل.
وتتمثل الخطوة الأولى في إجراء مسح شامل يحدد واقع الكهرباء في كل مخيم، وعدد العدادات المركبة والمعلقة، وحجم الاستهلاك، وطبيعة الديون، والمسؤوليات المرتبطة بالأموال التي جُمعت سابقاً.
ويلي ذلك وضع جدول زمني لتركيب العدادات وتسوية الاشتراكات، إلى جانب الاتفاق على تقسيط المستحقات التي تثبت قانونياً، وتحديد جهة مسؤولة عن الجباية ومراقبة تحويل الأموال.
إن استمرار الأزمة من دون معالجة هذه الجوانب سيبقي المخيمات عرضة لتكرار النزاع كلما حانت مواعيد التسديد، فيما قد يحول قطع الكهرباء الخلاف المالي إلى أزمة معيشية أوسع.
لذلك، فإن التسوية المطلوبة لا تقتصر على منح مهلة جديدة، بل تستدعي إعادة تنظيم الملف من أساسه، بما يضمن حق الدولة اللبنانية في تحصيل مستحقاتها، وحق اللاجئين في آلية واضحة ومنصفة، ويضع حداً لعقود من الفوضى في الجباية والعدادات والديون المتراكمة.
نيسان ـ نشر في 2026/10/30 الساعة 00:00