أوروبا أمام الحائط المسدود
نيسان ـ نشر في 2026/10/31 الساعة 00:00
في كل مرة كانت تحدث فيها أزمة اجتماعية، أو اضطرابات في شوارع بعض الدول العربية، كان يخرج علينا بعض المسؤولين، والساسة المنظرين في الدول الغربية، يتبعهم مثقفونا الأشاوس الناطقين باسمهم، ليعطوننا الدروس، ملخصين ما يحدث وأسبابه، في «غياب الديمقراطية والحريات»، وهؤلاء أنفسهم لم ينبس غالبيتهم ببنت شفة، وتوقفوا عن إعطاء الدروس المجانية، عندما قامت التظاهرات في الكيان الغاصب، بسبب التعديلات القضائية عام 2023، وكأن الموضوع لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، والذين تحدثوا منهم عنها، تناولوها من باب رفع العتب، مكيلين المديح للديمقراطية وممارستها في الكيان الغاصب.
ها هي ذي أوروبا اليوم، تنتفض شوارعها، وليسمحوا لنا هذه المرة، بأن نعطي بعض الدروس، ونقول لهم بالفم الملآن، أنتم اليوم أمام الحائط المسدود.. نعم، ولا شماتة، وأن كل حلولكم التي كانت أشبه بالترقيع من أجل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياسية إلخ.. كانت عقيمة، وبمثابة حبة أسبرين لسرطان، استشرى وتمدد ونخرعظام أنظمتكم، ومجتمعاتكم، وآن لكم الرجوع إلى دفاتركم، التي كنتم تلقون علينا منها دروسكم، وتعيدون قراءتها، فقد تنفعكم بلا شك.. وبعيدا عن الدخول في أزمات الديون الداخلية والخارجية المتراكمة، وحالة التفكك المجتمعي التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية، لأنها أمور تحتاج إلى بحث مستقل واستفاضة، فإن أسباب هذه الأزمة المستفحلة في الأنظمة والمجتمعات الأوروبية، تتلخص وبشكل سريع في أربع نقاط:
الأولى: الحرب الأوكرانية التي كان بالإمكان تلافيها، بينما اعتبرها غالبية ساسة أوروبا حربا مصيرية، وأشاعوا حولها الإشاعات، وضخموها بشكل تجاوز المعقول، لكي يبرروا تدخلهم فيها، ولكي لا يطرح مواطنوهم الأسئلة، حول الأموال الضخمة التي سيتم ضخها في ملاعب الموت، ويكون ذلك بالتالي مبررا. تلك الأموال كان من الأولى صرفها لتحسين أوضاع بلدانهم، ومجتمعاتهم، ورفع مستوى مواطنيهم، الذين في الواقع بحاجة لها أكثر بكثير من حرب أوكرانيا… فكان من بين النتائج المباشرة لهذه الحرب، تضخم فاق كل التوقعات، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية، وكل المواد التي يحتاجها المواطنون في حياتهم اليومية، بسبب توقف البترول والغاز الروسي، الذي قاطعوه، فكانوا كمن يطلق الرصاص على رجليه، وأيضا بسبب جشع التجار، فعانى من ذلك: العمال، والموظفون، وكل الطبقة الوسطى، وسيبقون يعانون طالما أن دولهم تقتطع من الميزانيات مبالغ ضخمة، لتمويل هذه الحرب القذرة، مع العلم أن كل الحروب قذرة بلا استثناء.. طبعا من دون الدخول في تحليل الموقف الأمريكي المخزي، الذي دفع الأوروبيين بقوة لدعم هذه الحرب المدمرة، لأسباب استراتيجية مستقبلية تخصه، وتتعلق بتموضعه مقابل الصين، ويأتي الرئيس الأمريكي ترامب، ويجبرهم على شراء الأسلحة من مصانعه، لكي يرسلوها إلى أوكرانيا!
الديمقراطية، ككل الأفكار الإنسانية والسياسية ونظرياتها، تتطور مع الأيام، وإن لم يتم تغذيتها بأفكار جديدة، وإدخال تعديلات مستمرة عليها، فإنها تترهل، وتترك المكان للفوضى
الثانية: وجود حالة من عدم الاستقرار النفسي القلق، تسود الأوروبيين كأفراد، وأنظمتهم على السواء، ناتجة عن شعور بتخلي حامية الاستقرار في العالم، «أمريكا»، عن حمايتهم، ومن ثم دخولها حربا عبثية مع إيران، من أجل عيون نتنياهو، وتجد نفسها اليوم متورطة فيها، غارقة في مستنقعها، لا تستطيع حسمها، ولا الخروج منها بسلامة، بل تسببت في أزمة اقتصادية عالمية حادة، بعد إقفال مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تدفق الطاقة في العالم. وكما لكل حرب تجارها ومستغلوها، فقد كانت أمريكا في طليعتهم، حيث حققت أرباحا خيالية، بعدما أجبرت دول العالم على شراء النفط والغاز الأمريكي، في الوقت الذي أصبحت الدول النفطية العربية لا يمكنها إلا تصدير جزء محدود من نفطها والاستفادة من ارتفاع الأسعار.
الثالثة: وهي الأهم في اعتقادي، ويتمثل في أن أوروبا بعد سقوط حائط برلين، مرت بحالة من نشوة الانتصار، صاحبها نوع من الترهل. وبدلا من زيادة الاهتمام بمجتمعاتها ومشاكلها، اتجهت نحو ليبرالية أكثر توحشا، غدا فيها الإنسان بعد عدة أعوام، مجرد بيدق صغير على الطاولة، وأصبح شعار «الإنسانية»، الذي طالما تغنوا به، من دون أي قيمة أخلاقية أو معنوية. في الوقت الذي غدت فيه احتياجات الطبقات الفقيرة ومطالبها، آخر همهم، بل تم تهميشها أكثر من ذي قبل، وبشكل متعمد. ليكون رد تلك الطبقات، أن رفعت بطاقة صفراء، وأخذت تقاطع الانتخابات، العملية الأساسية في أي نظام ديمقراطي، حتى بلغت نسبة المشاركين أقل من 30%، في بعض الدول، لكنهم يعلنون أرقاما أعلى من ذلك، لأن إعلان الأرقام الحقيقية، يعني فقدان الطبقة السياسية مصداقيتها وتمثيلها للشعب، وعوض التنبه إلى ذلك، وقراءة الرسالة، وفحوى هذه البطاقة الصفراء، والبحث في الأسباب والمسببات، وإيجاد الحلول الناجعة، فقد أداروا بظهورهم لكل ذلك، معتبرين أن الشعوب طالما لم ترفع صوتها، فهذا يعني أن الأمور تسير على ما يرام.
الرابعة: الفراغ الفكري السياسي، الذي تعاني منه أوروبا بصفة عامة، ووصول الديمقراطية التي من المفروض أن تسهم في حيوية هذه المجتمعات، إلى حالة عقم فجة، إن كان على مستوى التطبيق أو على سبيل الطروحات. فقد تعودت أوروبا منذ بداية القرن المنصرم على طروحات فكرية اجتماعية وسياسية واقتصادية متجددة، لا تتوقف على مدار الأيام، فكان ساسة اليمين واليسار وفلاسفتهم ومفكروهم، يقدمون في كل يوم أفكارا جديدة، وطروحات إصلاحية، تأخذ دورها على الساحة الإعلامية والاجتماعية، وفي النقاش العام والخاص.. ولكن، بعد سقوط حائط برلين، تراجع اليسار، وتماهى الكثير من قادته مع اليمين، وغدت شعاراته المختلفة بلا طعم، ولا رائحة، ولا حتى أي معنى، كما هو حال الاشتراكيين في فرنسا على سبيل المثال، الذين يتهمون اليوم من قبل شريحة كبيرة من الفرنسيين، بخيانة مبادئهم وأفكارهم، التي ناضل من أجلها الرعيل، الذي أنتج رصيدا من الفكر، والنضالات النقابية، لا ينكرها إلا جاحد..
في ثمانينيات القرن المنصرم، وخلال أحد البرامج التلفزيونية مع الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، قالت له مقدمة البرنامج: «نحن كمجتمع ديمقراطي»، فقاطعها ميتران لفوره، رادا عليها قائلا: «نحن مجتمع يسير نحو الديمقراطية، ولم نبلغها بعد، الديمقراطية طريق طويل متجدد». كلمات تعبر عن فهم عميق للديمقراطية، التي ككل الأفكار الإنسانية والسياسية ونظرياتها، تتطور مع الأيام، وإن لم يتم تغذيتها بشكل دائم بأفكار جديدة متجددة، وإدخال تعديلات مستمرة على تلك الأفكار، فإنها تترهل، وتتخلف عن الركب، وتترك المكان للفوضى، وللعقم السياسي. وهو ما نعيشه اليوم، حيث غاب عن الساحة الساسة المفكرون، تاركين الساحة للغوغائيين والشعبويين، الذين لا يقدمون للمجتمعات حلولا لمشاكلهم، بل يشبعونهم خطبا حماسية عصماء، وتقاذف الاتهامات في كل الاتجاهات، كبعض خطباء المساجد في بلداننا. وهذا بحد ذاته أحد أهم أشكال أزمات أوروبا اليوم، التي وصلت بلا شك إلى الحائط المسدود، وأصبحت تحتاج إلى معجزة حقيقية، للخروج من أزماتها المعقدة، ولات حين مناص..
*كاتب من لبنان يقيم في باريس
القدس العربي
ها هي ذي أوروبا اليوم، تنتفض شوارعها، وليسمحوا لنا هذه المرة، بأن نعطي بعض الدروس، ونقول لهم بالفم الملآن، أنتم اليوم أمام الحائط المسدود.. نعم، ولا شماتة، وأن كل حلولكم التي كانت أشبه بالترقيع من أجل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياسية إلخ.. كانت عقيمة، وبمثابة حبة أسبرين لسرطان، استشرى وتمدد ونخرعظام أنظمتكم، ومجتمعاتكم، وآن لكم الرجوع إلى دفاتركم، التي كنتم تلقون علينا منها دروسكم، وتعيدون قراءتها، فقد تنفعكم بلا شك.. وبعيدا عن الدخول في أزمات الديون الداخلية والخارجية المتراكمة، وحالة التفكك المجتمعي التي تعاني منها المجتمعات الأوروبية، لأنها أمور تحتاج إلى بحث مستقل واستفاضة، فإن أسباب هذه الأزمة المستفحلة في الأنظمة والمجتمعات الأوروبية، تتلخص وبشكل سريع في أربع نقاط:
الأولى: الحرب الأوكرانية التي كان بالإمكان تلافيها، بينما اعتبرها غالبية ساسة أوروبا حربا مصيرية، وأشاعوا حولها الإشاعات، وضخموها بشكل تجاوز المعقول، لكي يبرروا تدخلهم فيها، ولكي لا يطرح مواطنوهم الأسئلة، حول الأموال الضخمة التي سيتم ضخها في ملاعب الموت، ويكون ذلك بالتالي مبررا. تلك الأموال كان من الأولى صرفها لتحسين أوضاع بلدانهم، ومجتمعاتهم، ورفع مستوى مواطنيهم، الذين في الواقع بحاجة لها أكثر بكثير من حرب أوكرانيا… فكان من بين النتائج المباشرة لهذه الحرب، تضخم فاق كل التوقعات، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية، وكل المواد التي يحتاجها المواطنون في حياتهم اليومية، بسبب توقف البترول والغاز الروسي، الذي قاطعوه، فكانوا كمن يطلق الرصاص على رجليه، وأيضا بسبب جشع التجار، فعانى من ذلك: العمال، والموظفون، وكل الطبقة الوسطى، وسيبقون يعانون طالما أن دولهم تقتطع من الميزانيات مبالغ ضخمة، لتمويل هذه الحرب القذرة، مع العلم أن كل الحروب قذرة بلا استثناء.. طبعا من دون الدخول في تحليل الموقف الأمريكي المخزي، الذي دفع الأوروبيين بقوة لدعم هذه الحرب المدمرة، لأسباب استراتيجية مستقبلية تخصه، وتتعلق بتموضعه مقابل الصين، ويأتي الرئيس الأمريكي ترامب، ويجبرهم على شراء الأسلحة من مصانعه، لكي يرسلوها إلى أوكرانيا!
الديمقراطية، ككل الأفكار الإنسانية والسياسية ونظرياتها، تتطور مع الأيام، وإن لم يتم تغذيتها بأفكار جديدة، وإدخال تعديلات مستمرة عليها، فإنها تترهل، وتترك المكان للفوضى
الثانية: وجود حالة من عدم الاستقرار النفسي القلق، تسود الأوروبيين كأفراد، وأنظمتهم على السواء، ناتجة عن شعور بتخلي حامية الاستقرار في العالم، «أمريكا»، عن حمايتهم، ومن ثم دخولها حربا عبثية مع إيران، من أجل عيون نتنياهو، وتجد نفسها اليوم متورطة فيها، غارقة في مستنقعها، لا تستطيع حسمها، ولا الخروج منها بسلامة، بل تسببت في أزمة اقتصادية عالمية حادة، بعد إقفال مضيق هرمز، أحد أهم ممرات تدفق الطاقة في العالم. وكما لكل حرب تجارها ومستغلوها، فقد كانت أمريكا في طليعتهم، حيث حققت أرباحا خيالية، بعدما أجبرت دول العالم على شراء النفط والغاز الأمريكي، في الوقت الذي أصبحت الدول النفطية العربية لا يمكنها إلا تصدير جزء محدود من نفطها والاستفادة من ارتفاع الأسعار.
الثالثة: وهي الأهم في اعتقادي، ويتمثل في أن أوروبا بعد سقوط حائط برلين، مرت بحالة من نشوة الانتصار، صاحبها نوع من الترهل. وبدلا من زيادة الاهتمام بمجتمعاتها ومشاكلها، اتجهت نحو ليبرالية أكثر توحشا، غدا فيها الإنسان بعد عدة أعوام، مجرد بيدق صغير على الطاولة، وأصبح شعار «الإنسانية»، الذي طالما تغنوا به، من دون أي قيمة أخلاقية أو معنوية. في الوقت الذي غدت فيه احتياجات الطبقات الفقيرة ومطالبها، آخر همهم، بل تم تهميشها أكثر من ذي قبل، وبشكل متعمد. ليكون رد تلك الطبقات، أن رفعت بطاقة صفراء، وأخذت تقاطع الانتخابات، العملية الأساسية في أي نظام ديمقراطي، حتى بلغت نسبة المشاركين أقل من 30%، في بعض الدول، لكنهم يعلنون أرقاما أعلى من ذلك، لأن إعلان الأرقام الحقيقية، يعني فقدان الطبقة السياسية مصداقيتها وتمثيلها للشعب، وعوض التنبه إلى ذلك، وقراءة الرسالة، وفحوى هذه البطاقة الصفراء، والبحث في الأسباب والمسببات، وإيجاد الحلول الناجعة، فقد أداروا بظهورهم لكل ذلك، معتبرين أن الشعوب طالما لم ترفع صوتها، فهذا يعني أن الأمور تسير على ما يرام.
الرابعة: الفراغ الفكري السياسي، الذي تعاني منه أوروبا بصفة عامة، ووصول الديمقراطية التي من المفروض أن تسهم في حيوية هذه المجتمعات، إلى حالة عقم فجة، إن كان على مستوى التطبيق أو على سبيل الطروحات. فقد تعودت أوروبا منذ بداية القرن المنصرم على طروحات فكرية اجتماعية وسياسية واقتصادية متجددة، لا تتوقف على مدار الأيام، فكان ساسة اليمين واليسار وفلاسفتهم ومفكروهم، يقدمون في كل يوم أفكارا جديدة، وطروحات إصلاحية، تأخذ دورها على الساحة الإعلامية والاجتماعية، وفي النقاش العام والخاص.. ولكن، بعد سقوط حائط برلين، تراجع اليسار، وتماهى الكثير من قادته مع اليمين، وغدت شعاراته المختلفة بلا طعم، ولا رائحة، ولا حتى أي معنى، كما هو حال الاشتراكيين في فرنسا على سبيل المثال، الذين يتهمون اليوم من قبل شريحة كبيرة من الفرنسيين، بخيانة مبادئهم وأفكارهم، التي ناضل من أجلها الرعيل، الذي أنتج رصيدا من الفكر، والنضالات النقابية، لا ينكرها إلا جاحد..
في ثمانينيات القرن المنصرم، وخلال أحد البرامج التلفزيونية مع الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، قالت له مقدمة البرنامج: «نحن كمجتمع ديمقراطي»، فقاطعها ميتران لفوره، رادا عليها قائلا: «نحن مجتمع يسير نحو الديمقراطية، ولم نبلغها بعد، الديمقراطية طريق طويل متجدد». كلمات تعبر عن فهم عميق للديمقراطية، التي ككل الأفكار الإنسانية والسياسية ونظرياتها، تتطور مع الأيام، وإن لم يتم تغذيتها بشكل دائم بأفكار جديدة متجددة، وإدخال تعديلات مستمرة على تلك الأفكار، فإنها تترهل، وتتخلف عن الركب، وتترك المكان للفوضى، وللعقم السياسي. وهو ما نعيشه اليوم، حيث غاب عن الساحة الساسة المفكرون، تاركين الساحة للغوغائيين والشعبويين، الذين لا يقدمون للمجتمعات حلولا لمشاكلهم، بل يشبعونهم خطبا حماسية عصماء، وتقاذف الاتهامات في كل الاتجاهات، كبعض خطباء المساجد في بلداننا. وهذا بحد ذاته أحد أهم أشكال أزمات أوروبا اليوم، التي وصلت بلا شك إلى الحائط المسدود، وأصبحت تحتاج إلى معجزة حقيقية، للخروج من أزماتها المعقدة، ولات حين مناص..
*كاتب من لبنان يقيم في باريس
القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026/10/31 الساعة 00:00