كم سيبقى 'الحظ النووي' حليفا للبشرية؟
نيسان ـ نشر في 2026/10/31 الساعة 00:00
منذ الأمس صرنا على علم بواسطة جمهرة من المعلقين المتحمسين أن أي مدينة متوسطة يمكن الآن أن تمحى تماما بقنبلة في حجم كرة القدم. وها إن الصحف الأمريكية والإنكليزية والفرنسية تتقيأ تحليلات راقية عن القنبلة الذرية، بحيث يمكن اختزال الأمر في عبارة واحدة: لقد حققت المدنية الآلية آخر درجات الهمجية… علما أن من الصعب أصلا أن يتنفس المرء في هذا العالم المبتلى بالعذاب. إلا أنه قد أخذ يحيق بنا الآن من العذابات والكروب نوع جديد قد يكون نهائيا… ومن يدري لعله يوفر لكل صحيفة ذريعة إصدار عدد خاص، على أن صفحاته ينبغي أن تكون مليئة بصمت البياض». هذا ما كتبه ألبير كامو في جريدة «كومبا» التي رأس تحريرها طيلة سنوات المقاومة ضد الاحتلال النازي. كان ذلك يوم 8 أغسطس 1945، أي يومين فقط بعد قنبلة هيروشيما.
عهد السباق النووي الذي وضع البشرية، ولا يزال، تحت رحمة سيف ذي حدين، أي في حالة من دوام التعادل والتناقض بين احتمالين
القنبلة التي زجت بالعالم في عهد لا سابق له من الأخطار: عهد السباق النووي الذي وضع البشرية، ولا يزال، تحت رحمة سيف ذي حدين، أي في حالة من دوام التعادل والتناقض بين احتمالين. احتمال، متحقق حتى الآن، بدوام السلام بفضل الردع النووي المتبادل، أو ما يعرف بـ»ماد»، أي التدمير المتبادل الأكيد؛ واحتمال ظل مستبعدا، طيلة سبعة عقود، بحدوث هجوم نووي أو حرب نووية. ولكن هذا التناقض بقي خافيا أو منسيا بسبب الإجماع المنعقد بين الخبراء منذ منتصف القرن العشرين على استحالة الحرب النووية وعلى أن نجاعة السلاح النووي تكمن في مجرد وجوده، بمعنى أن الوجود ينفي الحاجة للاستخدام، وذلك هو أقصى الردع. إلا أن تعاظم دور الصين في سباق التسلح النووي في الأعوام الأخيرة وتفاقم نذر الحرب في سياق المسعى الصيني الثابت لاستعادة جزيرة تايوان يوجبان الاستفاقة من أمان الاطمئنان إلى الإجماع المعهود حول استحالة الحروب النووية، ولو أن الخطر الأبعث على الفزع إنما هو سلسلة التهديدات النووية الروسية التي كان آخرها أول أمس. فقد أعلن بوتين منذ بدء حربه على أوكرانيا في فبراير 2022 وضع قواته النووية في حالة تأهب قصوى، ولا يكاد يمر شهر أو شهران إلا ويصدر تهديد جديد، من الساسة أو الإعلاميين الروس، بشن هجوم نووي تكتيكي.
ويشرح الخبراء أن هذا الهجوم إذا استهدف حلف الناتو، وليس أوكرانيا فقط، فسيكون من النوع الاستباقي الذي يسمونه «المبادرة بالضربة الثانية»، وهي تسمية متناقضة تساوي القول بـ»الانتقام الاستباقي»، حسب عبارة المفكر جان-بيار دوبوي، أي التقدير بأن عدوان الآخرين داهم قريب وشيك كأنه قد وقع فعلا، ثم المسارعة بناء على هذا التقدير برد الفعل: أي المبادرة بالهجوم أولا! فهل إن الانتقام الاستباقي محتمل الوقوع؟ يجيب دوبوي: نعم. والسبب أن معظم الخبراء يرون أن الردع هو الذي وقى، ولا يزال يقي، العالم شر الحرب النووية، أما هو فيرى العكس. ولديه على ذلك شواهد كثيرة، منها قول وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت ماكنمارا إن كل ما في الأمر أن «الحظ ظل يحالفنا» كل مرة رغم أن العالم تأرجح على شفا الحرب النووية ما لا يقل عن ثلاثين مرة!
ينضاف إلى هذه الحقيقة المرعبة أن بوتين هدد أخيرا بنشر كامل الترسانة الروسية، 4400 رأس نووي، ضد دول الناتو إذا هي نفذت خطة (مزعومة) بغزو جيب كاليننغراد. كما أن ترامب هدد من مقر الأمم المتحدة بمحو إيران من الوجود بينما بدأت أمريكا في توسيع ترسانتها المتألفة من 3700 رأس نووي وأعلنت استئناف تجاربها النووية. ويرى المراقبون أن دعمها اللا-مشروط للقوة النووية الإسرائيلية ربما يدفع تركيا ومصر والسعودية إلى السعي لامتلاك السلاح النووي. وفي آسيا لا يكف دكتاتور كوريا الشمالية، التي تبلغ ترسانتها 120 رأسا نوويا، عن تهديد جيرانه إلى حد أن اليابان وكوريا الجنوبية أخذتا تنظران في ضرورة التسلح النووي. وفي الأثناء تعمل الصين بكل دأب على توسيع برنامجها النووي الذي تضاعف تحت حكم شي جينبينغ ليبلغ 620 رأسا، ومن المقرر أن يبلغ 1500 رأس بحلول 2035.
كل هذا يؤكد صحة ملاحظة الكاتب سايمون تيسدل بأن جميع المخاوف متركزة على قدرة الذكاء الصناعي على إفناء البشرية بينما الحقيقة أن الخطر الأقرب للتحقق هو الفناء النووي: «السؤال ليس ‘إذا’ بل ‘متى’ ستندلع الحرب النووية (…) بعد 81 سنة كاملة على هيروشيما، كم سيستمر الحظ حليفا لنا؟»
٭ كاتب تونسي
القدس العربي
عهد السباق النووي الذي وضع البشرية، ولا يزال، تحت رحمة سيف ذي حدين، أي في حالة من دوام التعادل والتناقض بين احتمالين
القنبلة التي زجت بالعالم في عهد لا سابق له من الأخطار: عهد السباق النووي الذي وضع البشرية، ولا يزال، تحت رحمة سيف ذي حدين، أي في حالة من دوام التعادل والتناقض بين احتمالين. احتمال، متحقق حتى الآن، بدوام السلام بفضل الردع النووي المتبادل، أو ما يعرف بـ»ماد»، أي التدمير المتبادل الأكيد؛ واحتمال ظل مستبعدا، طيلة سبعة عقود، بحدوث هجوم نووي أو حرب نووية. ولكن هذا التناقض بقي خافيا أو منسيا بسبب الإجماع المنعقد بين الخبراء منذ منتصف القرن العشرين على استحالة الحرب النووية وعلى أن نجاعة السلاح النووي تكمن في مجرد وجوده، بمعنى أن الوجود ينفي الحاجة للاستخدام، وذلك هو أقصى الردع. إلا أن تعاظم دور الصين في سباق التسلح النووي في الأعوام الأخيرة وتفاقم نذر الحرب في سياق المسعى الصيني الثابت لاستعادة جزيرة تايوان يوجبان الاستفاقة من أمان الاطمئنان إلى الإجماع المعهود حول استحالة الحروب النووية، ولو أن الخطر الأبعث على الفزع إنما هو سلسلة التهديدات النووية الروسية التي كان آخرها أول أمس. فقد أعلن بوتين منذ بدء حربه على أوكرانيا في فبراير 2022 وضع قواته النووية في حالة تأهب قصوى، ولا يكاد يمر شهر أو شهران إلا ويصدر تهديد جديد، من الساسة أو الإعلاميين الروس، بشن هجوم نووي تكتيكي.
ويشرح الخبراء أن هذا الهجوم إذا استهدف حلف الناتو، وليس أوكرانيا فقط، فسيكون من النوع الاستباقي الذي يسمونه «المبادرة بالضربة الثانية»، وهي تسمية متناقضة تساوي القول بـ»الانتقام الاستباقي»، حسب عبارة المفكر جان-بيار دوبوي، أي التقدير بأن عدوان الآخرين داهم قريب وشيك كأنه قد وقع فعلا، ثم المسارعة بناء على هذا التقدير برد الفعل: أي المبادرة بالهجوم أولا! فهل إن الانتقام الاستباقي محتمل الوقوع؟ يجيب دوبوي: نعم. والسبب أن معظم الخبراء يرون أن الردع هو الذي وقى، ولا يزال يقي، العالم شر الحرب النووية، أما هو فيرى العكس. ولديه على ذلك شواهد كثيرة، منها قول وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت ماكنمارا إن كل ما في الأمر أن «الحظ ظل يحالفنا» كل مرة رغم أن العالم تأرجح على شفا الحرب النووية ما لا يقل عن ثلاثين مرة!
ينضاف إلى هذه الحقيقة المرعبة أن بوتين هدد أخيرا بنشر كامل الترسانة الروسية، 4400 رأس نووي، ضد دول الناتو إذا هي نفذت خطة (مزعومة) بغزو جيب كاليننغراد. كما أن ترامب هدد من مقر الأمم المتحدة بمحو إيران من الوجود بينما بدأت أمريكا في توسيع ترسانتها المتألفة من 3700 رأس نووي وأعلنت استئناف تجاربها النووية. ويرى المراقبون أن دعمها اللا-مشروط للقوة النووية الإسرائيلية ربما يدفع تركيا ومصر والسعودية إلى السعي لامتلاك السلاح النووي. وفي آسيا لا يكف دكتاتور كوريا الشمالية، التي تبلغ ترسانتها 120 رأسا نوويا، عن تهديد جيرانه إلى حد أن اليابان وكوريا الجنوبية أخذتا تنظران في ضرورة التسلح النووي. وفي الأثناء تعمل الصين بكل دأب على توسيع برنامجها النووي الذي تضاعف تحت حكم شي جينبينغ ليبلغ 620 رأسا، ومن المقرر أن يبلغ 1500 رأس بحلول 2035.
كل هذا يؤكد صحة ملاحظة الكاتب سايمون تيسدل بأن جميع المخاوف متركزة على قدرة الذكاء الصناعي على إفناء البشرية بينما الحقيقة أن الخطر الأقرب للتحقق هو الفناء النووي: «السؤال ليس ‘إذا’ بل ‘متى’ ستندلع الحرب النووية (…) بعد 81 سنة كاملة على هيروشيما، كم سيستمر الحظ حليفا لنا؟»
٭ كاتب تونسي
القدس العربي
نيسان ـ نشر في 2026/10/31 الساعة 00:00