الرسائل الجامعيّة: ألقاب مملكة في غير موضعها

منصف الوهايبي
نيسان ـ نشر في 2026/11/01 الساعة 00:00
أصبح جلّ المغاربيّين شأنهم شأن المشارقة، شغوفين بلقب «دكتور» وبحرف «د» يزيّنون به مقالاتهم ومصنّفاتهم؛ وهي صفة تعلّمنا من كبار أساتذتنا من خرّيجي السوربون، أن نتحاشاها. أمّا اليوم فقد تحوّلت إلى «ظاهرة» عجيبة، لا سند لها من «الأطاريح». وقد أتاح لي عملي الجامعي، ولا يزال أن أقف على «ضعف» غير قليل منها و«تهافته»؛ وهي رسائل جامعيّة تونسيّة وعربيّة، في الشعر خاصّة والأدب عامّة قديمه وحديثه. وعلى ذلك تُسند «الدكتوراه» إلى أصحابها؛ بملاحظة «مشرّف جدّا» أو «مشرّف». وهي «علّة» يشكو منها زملاء وأصدقاء في سائر البلاد العربيّة؛ وأحاول في ما يأتي أن أبيّن بعض أعراضها، بدون ذكر أيّ اسم أو عنوان أطروحة. هي «بحوث» تعاني ـ على الطرافة المتوقّعة من عناوينها ـ قدرا غير يسير من غياب الانتظام والاتساق في عرض المقالات، ومن الاختزال والابتسار في مستوى التحليل. ومردّ ذلك إلى أنّ البعض يصرف أكثر جهده، إلى مقالات غربيّة ـ وهذا حقه الذي لا ننازعه فيه ـ ولكن بدون أن يتريّث في تسليطها على مدوّنة الأدب العربي؛ بل هو يسلّم بها، فيجعل النتائج تتناسب والأسباب، والنصوص تتواءم وهذه «المقالات». وهذا أشبه ما يكون، بما يقوله أصحاب «نظرية الفوضى» على قلق الترجمة؛ ولعلّها المستعملة أكثر في الكتابات العلميّة والفلسفيّة، والمقابل الاصطلاحي المعتمد في الرياضيّات والفيزياء والعلوم؛ إذ ثمّة من يترجم المصطلح الأجنبي بـ«نظريّة العماء» أو «نظريّة الشواش».
والأمر أشبه بحال شخص يفقد شيئا في مكان ظلمةٍ، لا ضوء فيه البتّة؛ فيذهب باحثا عن ضالّته تحت مصباح ثابت في مكان آخر أو أبعد، وحجّته أنّ المكان الأوّل وهو المناسب لبحثه ـ مظلم. ومن الباحثين أو النقّاد من ينسى موضوع بحثه؛ ويسترسل في معادلات له في مقالات الغربيّين، وهو يجعلها تنتظم في أنساق ثابتة، من دون أن يعبأ كثيرا أو قليلا بالكيفيّة التي يتحوّل بها النسق من حال إلى حال، أو كيف يشكّل الجزئيُّ الكليَّ، أو يجعله ينتظم في سياق. من ذلك أنّ بعضهم يأخذ بالتحليل النفسي. ولا نظنّ أنّ هناك من يماري في أنّ مركز الاهتمام في هذا النوع من التحليل هو «اللاوعي»، وأنّ أساس المصادرة أنّ واقع الإنسان أو سلوكه أو خياله أو أحلامه، يرجع إلى علاقات معقّدة برغائبه أو مخاوفه. فهذا وغيره ممّا يعالجه الباحثون ـ نظريّا ـ بكثير من الإسهاب الذي لا نرى له لزوما، إذ يعمّي عليهم المسلك الذي يُفترض أن يسلكه إلى الشعر العربي مثلا؛ فضلا عن أنّ الباحث يغفل تأثّر المنهج النفساني بنظريّات إنتاج النصّ وطرائق تلقّيه، وبتطوّر مفاهيم اللغة نفسها. ومن ثمّة لا يبيّن لنا كيف تتحوّل الرغبة أو الخوف إلى ذاكرة في هذا الشعر أو إلى فعل لغويّ. بل هو على قدر ما يتوسّع في شرح مقالات المعاصرين، نراه يقتصر في تحليله المبتسر، على إشارات عامّة أو فضفاضة. بل هو يعود بنا إلى الدرس البلاغي القديم، فإذا نحن إزاء خليط غير متجانس، لا نتبيّن فيه لِمَ وكيف تنتظم الصور في هذا الشعر في الهيئة نفسها.
كلّ ما يفعله كثير من الباحثين اليوم أنّهم يثبتون مقولات، ثمّ يحيلون على شواهد شعريّة، من دون تحليلها؛ وكأنّ الشعر يفسّر نفسه بنفسه، أو كأنّ هؤلاء الغربيّين وضعوا مقالاتهم استئناسا بهذا الشعر العربي. فهم لا يبحثون في الكيفيّة التي تنتظم بها «النماذج العليا» في هذا الشعر أو كيف هي تتّخذ هيئة تكوينات أسطوريّة. وإنّما يعرض بعضهم ذلك نظريّا (يونغ مثلا ونظريّته في اللاوعي الجمعي) أو مود بودكن (أنماط نموذجيّة في الشعر) ونورثروب فراي، وغيرهم من الغربيّين. وكنّا نتوقّع منهم، انسجاما مع هذه «المقالات» التي لا يعرفون كيف يؤلّفون بينها؛ أن ينظروا في النصوص الشعريّة، من خلال صيغها واستعاراتها، وما يتعلّق بها من تكثيف وحذف وإبدال ورمز مثل عرض المكبوت أو تمثيله من خلال موضوع يشبهه أو يوحي به. وربّما كان على الباحث الذي «يستأنس» مثلا بجاك لاكان الذي يتهيّبه كثير من أعلام الفلسفة؛ فما بالك بنا نحن مدرّسي الأدب، أن يوائم بين المعطيات النفسيّة والنظريّات الألسنيّة أو اللغويّة، حتى يتسنّى له أن يجعل الشعر العربي مادّة لمثل هذا التحليل، ويبيّن لنا كيف تتأسّس الذات والصورة خطابيّا، والعبور من ثمّة إلى «نظام المتخيّل».
صحيح أنّ مباحث الصورة تعاني في كثير من الدّراسات العربيّة، من قلق غير بسير. وقد يحاول البعض أن يزيح هذا القلق وهو يتتبّع بعض هذه الدّراسات. ولكنّه يقع في ما وقع فيه غيره، ممّا نبّه عليه كامل حسن البصير في كتابه «بناء الصورة الفنّيّة في البيان العربي». فقد تتبّع هذا الباحث العراقي موادّ بحثه السابق فاللاحق، فبدأ بأحمد فؤاد الشايب فمحمّد زكي العشماوي فإحسان عبّاس فمصطفى ناصف فداود سلّوم فجابر عصفور، فنصرت عبد الرحمن الذي أثبت تقريبا في كتابه «الصورة الفنيّة في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث» ما نجده عند آخرين لاحقين عليه. من ذلك القول إنّ مصطلح الصورة من المصطلحات النقديّة الوافدة التي ليس لها جذور في النقد العربي، درسا وأدوات (تشبيه بليغ ـ استعارة تصريحيّة…) على نحو ما يفعل نصرت عبد الرحمن وهو ينهج أو يكاد نهج علي البطل في كتابه «الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني للهجرة»، وبخاصّة في قسمه الأوّل الذي درس فيه مصطلح الصورة، وقسمه الثالث الذي درس فيه «صورة الحيوان بين العقيدة الدينيّة والتقليد الفنّي» وتأكيده أنّ «الصور الرمزيّة أو الأنماط المكرّرة من الصور، وما وراءها من ارتباطات بالنماذج العليا في الشعائر والأساطير» هي مدار بحثه.
وهذا ما يأتيه كثير من الباحثين الجدد وهم يستأنسون بـ«مقالات» الغربيّين، ويسعون إلى إقامة الدليل عليها من الشعر العربي القديم، على أساس من «استقراء» لا نطمئنّ إليه، إذ هو مجرّد توثيق للأشعار، وليس انطلاقا من الجزئيّ إلى الكلّي؛ بل إنّ عملهم أقرب إلى الاستنباط من حيث هو استدلال ينطلق من العامٌ (مقالات الغربيّين) إلى الخاصٌ (الشعر) أو من الكلٌي إلى الجزئي، ويجعل منه يقينا تامّا، فيخضع الشعر لقوانين ثابتة وكليّة. وهذا صنيع لا يخلو من مجازفة غير محسوبة؛ بل هو ممّا يفضي بهم إلى خلل منهجيّ بسبب الخلط، دون سند من اختبار النصوص والاستئناس بها، رغم محاولاتهم تحصين بحوثهم من هذا الخلل، بشواهد من بحوث غيرهم؛ إلاّ أنّهم يتّخذونها مسلّمات وحقائق.
ومادام الشعر يتّسع لهذه الظواهر سواء تعلّقت بشعريّة الدال أو بشعريّة المدلول، فلا ضير أن نصل بعضها ببعض، وأن نتنبّه إلى أنّ منبتها الأصلي هو الشعر نفسه. كما أنّه لا ضير من تهجين المفاهيم شريطة مراعاة قواعد التهجين حتى لا يكون المنتـَج مسخا. وهذا ما لا يفلح فيه هؤلاء الباحثون «الدكاترة». ومع ذلك يزعمون أنّهم يفتتحون ببحوثهم مداخل قرائيّة غير مألوفة في الدراسات الحديثة عندنا، إلاّ أنّهم يصرفون جهدهم إلى الاشتغال النظري، ويكتفون ـ في ما يتعلّق بالشعرـ بالاختزال والتلخيص أو بالتوثيق والإحصاء. غير أنّ من هؤلاء الباحثين من لا يدرك أنّ الأخذ بمفهوم لم يتأسّس بعد في ثقافة ما أو في نقد ما، لا يخلو من المخاطرة من حيث هي «رَهْن» محتمل، لكن دون موازنة بين الحصافة والمجازفة.
ومن حقّهم أن «يخاطروا»، لكن بدون أن يسوقوا كلامهم وكأنّهم يجلسون مجلس المتحكّمين المتنفذين. وكيف ندّعي جدّة بحث ونزعم أنّه لم يُطرق، ونقرّ بأنّ هذا مركب صعب؛ ثمّ نستهين بهذه الصعوبات، ولا نبيّن كيف تمكّنّا من تذليلها.
بل يستوقفنا من يأخذ في توصيف صورة أو «تفسيرها» تفسيرا هو أقرب ما يكون إلى التفسير الخطّي، فيما يصعب أن تكون وهي استعارات شعريّة، على هذه الهيئة الخطيّة، بحيث نخضعها إلى منظور قابل للتحديد، أو نشتقّ لها قوانين الظواهر المنتظمة. على أنّنا لا ننازع الباحث حقّه في أن يرى في هذه المدوّنة الشعريّة تشاكلا أو تماثلا. ولكن من حقنا عليه أن يفسّر لنا ذلك تفسيرا أدبيّا عسى أن نتبيّن أنّ الأمر لا يرجع دائما إلى هذا «الانتظام الآلي»، وإنّما إلى أثر الشفويّة أو الكتابة التي يمكن أن تفضي إلى صيغ وأساليب متعاودة، أو إلى العلاقة المتينة بين الكتابة والقراءة.
والحقّ أنّ من الباحثين من يحاول وإنْ في مواضع قليلة أن يستأنس بالمقالات والمفاهيم الأدبيّة أو النقديّة؛ لكنّه يسوقها كما هي دون أيّ نقد أو أيّة مساءلة، ويزاوج بينها وبين ما هو علميّ نفسي أو انثروبولوجي. فإذا الكلام هفت، وتهافت يجري ويكثر بلا رويّة فيه.
*كاتب من تونس
    نيسان ـ نشر في 2026/11/01 الساعة 00:00