من كندا إلى المكسيك والبرازيل… هل تقترب نهاية عقيدة مونرو؟

حسين مجدوبي
نيسان ـ نشر في 2026/11/03 الساعة 00:00
تراهن الإدارة الحالية للبيت الأبيض على تطبيق تصورها السياسي والدبلوماسي والعسكري المتمثل في استعادة وتطوير عقيدة مونرو، التي تعني ظاهريا «أمريكا للأمريكيين»، لكنها تعني، في جوهرها، تحكّم واشنطن في القارة الأمريكية. إلا أن هذه الإدارة، وبعد قرابة سنتين، تفشل في تحقيق مسعاها، بسبب سياسة المواجهة التي تبنتها الدول الثلاث الكبرى في القارة، وهي كندا والمكسيك والبرازيل.
مبدأ مونرو هو سياسة خارجية للولايات المتحدة أعلنها الرئيس جيمس مونرو في خطابه السنوي أمام الكونغرس، يوم 2 ديسمبر 1823، ويعتبر وزير الخارجية في تلك الفترة جون كوينسي آدامز مهندسها الحقيقي. وعادة ما يلخَّص شعارها بعبارة «أمريكا للأمريكيين». وجاءت هذه العقيدة في سياق تاريخي معين، تمثل في استقلال عدد من دول أمريكا الجنوبية عن الاستعمار الإسباني، ورغبة قوى مثل فرنسا وبريطانيا، آنذاك، في استعمار المنطقة، قبل أن تغيّر وجهتها لاحقا نحو افريقيا.
الواقع أن إعلان واشنطن وقتها كان نسبيا، لأنها كانت تفتقر إلى القوة العسكرية اللازمة لتطبيق هذه العقيدة في حال قررت باريس ولندن استعمار المنطقة. ولم تصبح العقيدة قابلة للتنفيذ إلا في عهد الرئيس ثيودور روزفلت سنة 1904، إذ تدخلت واشنطن في تلك السنة، ولاحقاً، في عدد من دول أمريكا اللاتينية التي كانت تعاني من مشكلات داخلية، أو ديون، مثل كوبا ونيكاراغوا والجمهورية الدومينيكية وهايتي، من بين دول أخرى. وعادت العقيدة إلى الواجهة بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة النفوذ السوفييتي، كما حدث خلال أزمة الصواريخ الكوبية، ولتشجيع عدد من الانقلابات، من بينها الانقلاب في تشيلي سنة 1973. وكان لا بد من انتظار قرابة 190 سنة حتى يعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في نوفمبر 2013، أمام اجتماع منظمة الدول الأمريكية، أن عقيدة مونرو قد انتهت نهائياً، وأن واشنطن لم تعد تعتبر نفسها صاحبة حق في الوصاية على أمريكا اللاتينية، أو التدخل في شؤونها، وأن العلاقات يجب أن تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل. غير أن وصول دونالد ترامب إلى رئاسة البيت الأبيض أعاد إحياء هذه العقيدة. وخلال ولايته الأولى، الممتدة من 2017 إلى 2021، عاد الحديث عن عقيدة مونرو في سياق الضغط على فنزويلا ومواجهة النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، وكان من أشد مناصريها مستشار الأمن القومي آنذاك، جون بولتون. أما في الولاية الثانية، التي بدأت سنة 2025، فقد أصبحت العقيدة محورا معلنا في استراتيجية الأمن القومي. ومما زاد الرهان على عقيدة مونرو رغبة واشنطن في احتواء النفوذ الصيني في القارة الأمريكية ضمن الصراع العالمي بينهما من جهة، ووجود قيادات، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، المنحدر من أصول لاتينية، وتؤمن بضرورة إحداث تغييرات في أمريكا اللاتينية بما يخدم مصالح واشنطن، من جهة أخرى.
تشكل عودة عقيدة مونرو أحد أهم الركائز التي اعتمدها البيت الأبيض ضمن تصور «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا». لقد ساد الاعتقاد، بعودتها بقوة، نتيجة التصريحات اللافتة للرئيس ترامب وأعضاء حكومته
غير أن واشنطن فشلت حتى الآن في تطبيق عقيدة مونرو، بسبب ما تواجهه من مقاومة من ثلاث دول مركزية في القارة الأمريكية، بالنظر إلى ثقلها الجيوسياسي والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي.
في هذا السياق، فشلت عقيدة مونرو في كندا، فقد أعلن ترامب ضرورة إقامة تحالف فيدرالي مع هذا البلد، ووظّف الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية لتليين موقف الكنديين. وفي رد استراتيجي على المطامع الأمريكية، أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، تبني سياسة تهدف إلى تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، من خلال برنامج أطلق عليه اسم «كندا أقوى». ويتضمن هذا البرنامج تنويع العلاقات التجارية الدولية، وتعزيز الصناعة العسكرية الكندية، وتقوية الأمن في منطقة القطب الشمالي، وتطوير القدرات الذاتية في مجالي الاستخبارات والدفاع، وحماية الموارد الاستراتيجية والسيادة الاقتصادية. وفي اليوم نفسه، أسفرت القمة الكندية الأوروبية عن الإعلان عما سمّي «التحالف من أجل المستقبل»، وهو تحالف استراتيجي بين الطرفين. وعمليا، فإن تحالف كندا مع الأوروبيين يمثل ردا مضادا للضغوط التي يمارسها ترامب. وتعد كندا الشريك التجاري الثاني للولايات المتحدة، ولهذا فإن توجهاتها الجيوسياسية الرامية إلى إفشال عقيدة مونرو تحمل دلالات أكبر.
ويتكرر السيناريو نفسه مع الشريك الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، وهي المكسيك. لا يريد ترامب ضم هذا البلد، مثلما يرغب في حالة كندا، لكنه يسعى إلى جعل واشنطن وصية على السياسة الاقتصادية والدبلوماسية للمكسيك، والحد من علاقاتها مع دول مثل الصين وروسيا، وحتى مع الاتحاد الأوروبي. واشتهرت رئيسة المكسيك، كلاوديا شينباوم، بتصريحها يوم 5 يناير 2026، حين رفضت عقيدة مونرو، قائلة إن «القارة الأمريكية ليست ملكية لأي عقيدة أو أي قوة، بل هي ملك لشعوبها». وأقدمت المكسيك، خلال مايو الماضي، على تطوير «اتفاقية 2000» مع الاتحاد الأوروبي، واعتبرها محللون جوابا رئيسيا على عقيدة مونرو وعلى الإجراءات الجمركية التي يهدد بها ترامب جاره الجنوبي. ورغم ضغوط واشنطن، تبنت المكسيك سياسة مستقلة ومناهضة لتوجهات البيت الأبيض في ملفات دولية، من بينها فنزويلا وفلسطين والحرب في أوكرانيا.
وإذا كانت المكسيك وكندا قد أفشلتا عقيدة مونرو في الشطر الشمالي من القارة الأمريكية، فقد تكفلت البرازيل بإفشالها في شطرها الجنوبي. فقد حاول الرئيس لولا دا سيلفا تجنب المواجهة مع ترامب، ويسود الاعتقاد أن عقيدة مونرو تمثل أحد رهانات وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر مما تمثل رهانا للرئيس نفسه. إلا أن الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم 25 أكتوبر 2026، والدور الأمريكي الداعم للمرشح القومي المتطرف فلافيو بولسونارو، وما تلاه من منحه اللجوء، سيدفعان الرئيس البرازيلي لولا إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه البيت الأبيض. وسيتجلى ذلك في مزيد من الاستقلالية في المواقف تجاه القضايا الدولية، مثل الحرب في أوكرانيا وفلسطين، وفي الرهان بصورة أكبر على العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي والصين. وواقعيا، لا يمكن الهيمنة على أمريكا اللاتينية في ظل وجود رئيس تقدمي في البرازيل، بالنظر إلى أن هذا البلد يظل محوراً إقليمياً أساسياً في المنطقة.
تشكل عودة عقيدة مونرو أحد أهم الركائز التي اعتمدها البيت الأبيض ضمن تصور «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا». لقد ساد الاعتقاد، في يناير 2025، بعودة عقيدة مونرو بقوة، نتيجة التصريحات اللافتة للرئيس ترامب وأعضاء حكومته، ولا سيما بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلا أن ما تبيّن لاحقا هو أن ما حدث في فنزويلا كان نتيجة خيانة داخلية تعرض لها مادورو، وأدت إلى سقوطه، وهو السيناريو الذي لم يتكرر في حالة كوبا، رغم التهديدات الأمريكية. وهكذا، تكون الدول الثلاث، البرازيل والمكسيك وكندا، قد وقّعت شهادة وفاة عقيدة مونرو، من خلال دفاعها عن استقلالية قرارها السيادي.
كاتب مغربي
القدس العربي
    نيسان ـ نشر في 2026/11/03 الساعة 00:00