تركيا تستورد (دولارات داعش) و(المناطق المحررة) في سوريا

نيسان ـ نشر في 2016/01/31 الساعة 00:00
.
وفق إحصاءات رسمية تركية، لامس حجم الصادرات التركية إلى سوريا، في نهاية 2014، المستوى الذي بلغه في 2010، عندما وصل مستوى 1.84 مليار دولار. وبحسب مكتب الإحصاء التركي، ارتفعت الصادرات التركية الى سوريا من 1.02 مليار دولار في2013 إلى مستوى 1.80 مليار دولار عام 2014. وتفسير ذلك هو في دولرة الكتلة النقدية في "المناطق المحررة"، أو المناطق التي خرجت من يد النظام. ففي ظل التراجع الكبير لسعر الليرة السورية من حدود 50 ليرة مقابل الدولار الأمريكي في ربيع 2011، إلى مستويات تجاوزت 300 ليرة مقابل الدولار الأمريكي خلال 2015، وإلى سعر تجاوز منذ الأسبوع الأول من يناير(كانون الثاني)الحالي مستوى 400 ليرة في السوق السوداء، يستبعد التحليل أن السكان يستطيعون شراء السلع الاستهلاكية، وبالتالي لا مصلحة للتاجر في التعامل مع بعض السلع. والدولرة حلت المشكلة، مثلما تدخل "اقتصاد داعش" في إنعاش دورة الاستهلاك في المناطق التي يتحكم فيها داعش. بالطبع، حول المدنيون الذين يملكون سيولة مدخراتهم إلى الدولار، أو الذهب، وتكفلت الجمعيات الخيرية بالفقراء الذين خسروا رواتبهم ومدخراتهم منذ منتصف 2012. أما الدعوات و"الفتاوى" التي شجعت التعامل بالليرة التركية في "المناطق المحررة"، فلم تجد سنداً واقعياً، كون الليرة التركية تتراجع منذ صيف 2013، حتى بلغت خسائرها المجمعة منذ ذلك التاريخ أكثر من ثلث قيمتها مقارنة بقيمتها في سبتمبر (أيلول) 2013. وتنوعت مستوردات التجار من السلع التركية للمناطق المحررة بين الغذاء والملابس والإسمنت والحديد المصنع. ولو كان عامل تراجع الليرة السورية حاسماً، ربما اقتصرت المستوردات على الغذاء، كونه يقع في سلة السلع غير المرنة. نفط داعش.. وتجار
هنالك سبب آخر لارتفاع الصادرات التركية للشمال السوري لا يمكن إغفاله، وهو أن معظم المصدرين من تركيا إلى سوريا هم رجال أعمال سوريين. وربما هم أنفسهم مصنعون سوريون يعرفون السوق السورية مسبقاً، ويعرفون حاجاتها، ولهم علاقات تجارية مع تجار المناطق المحررة، أو هم أنفسهم التجار الذين يصدرون من تركيا إلى فروع شركاتهم في المناطق المحررة في حلب وإدلب والرقة والحسكة. لكن معهد "تشاتام هاوس" البريطاني فضَّل تفسير الزيادة في مستوردات سوريا من تركيا بتزامن سيطرة داعش على تجارة النفط في سوريا، وحاجة التنظيم إلى شراء أنابيب الحديد، وقطع التبديل للمعدات والمصافي النفطية، وكل ما يتعلق بهذا القطاع الاستثماري من تركيا. وعلى الجانب التركي، يبدو تصريح رئيس غرفة تجارة وصناعة مدينة مرسين، شرف الدين آشوط، لوكالة أنباء الأناضول، قريباً من الواقع، حين قال إن صادرات ولاية مرسين إلى سوريا ارتفعت، خلال 2014، بنسبة 331% إلى 74 مليون دولار، بفضل المستثمرين السوريين في المدينة، دون أن يذكر آشوط حجم الصادرات في 2013. بينما أشارت إحصاءات تركية إلى ارتفاع قيمة الصادرات السورية إلى ولاية مرسين من 84 مليون دولار في عام 2013 إلى 115 مليون دولار في العام الماضي. وهذه الإحصائية جزئية، بين مرسين وبعض الشمال السوري، ففي العادة، يكون الميزان التجاري مختلاً بشدة لصالح تركيا، وهو ما كان عليه الحال في 2010، مع اختلاف القيم، حيث كانت صادرات النظام السوري إلى تركيا عند 449 مليون دولار، في مقابل 1.84 مليار دولار. وذكر تقرير اقتصادي تركي أن صادرات محافظات تركيا الجنوبية الشرقية إلى سوريا نمت بنسبة تقارب 643 %، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2013، قياساً إلى الفترة نفسها من2012، واقتصرت على تصدير الغذاء والإسمنت إلى مناطق يسيطر عليها الثوار. ربع المستثمرين سوريون
وتؤكد أرقام اتحاد الغرف وتبادل البضائع التركي أن عدد الشركات التي أسسها سوريون في تركيا تشكل تقريباً ربع ما أسسه مجموع المستثمرين الأجانب في تركيا عام 2015. أما عن مجالات الاستثمار السوري، فقد تخصصت في المنسوجات، والمنتجات الغذائية، والصناعات التحويلية، والسياحة، وتجارة المفرق. وبالأرقام، بلغ عدد الشركات المنشأة في تركيا من يناير(كانون الثاني)، حتى نوفمبر(تشرين الثاني) من 2014، قرابة ‎4249‎ شركة، منها ‎1122‎ شركة يمتلك فيها المستثمرون السوريون أسهماً، أي 26% من إجمالي الشركات. واحتل السوريون المركز الأول من حيث عدد المستثمرين في تركيا في عام 2013، بواقع 489 شركة من إجمالي 3875، أي ما نسبته 12.6%. غياب النظام
بالطبع، حكومة النظام غائبة. أما الحكومة السورية المؤقتة، التي اتخذت قراراً بإدخال البضائع السورية إلى المناطق المحررة، فجاء قرارها بلا مضمون، كونها لا تمتلك جهاز جمارك، أو سلطة ضريبية، ولا سلطة لها على المعابر من الجانب السوري. وهناك تجري الأمور بالبساطة التالية: يدفع التاجر السوري، أو التركي، رشىً، أو أتاوات، لموظفي الجمارك على الجانب التركي، وللمسلحين المسيطرين على المعابر من الجانب السوري، فتدخل البضائع بحماية هؤلاء المسلحين إلى المكان الذي يريده التاجر. وتشجع تركيا تجارها على تصدير البضائع إلى سوريا، وتتقاضى منهم ضرائب، بينما لا توجد أي قواعد تجارية، أو إدارية، يمكن تطبيقها في غياب سلطة مركزية في "المناطق المحررة". والبضائع التركية أنعشت المناطق المحررة في الشمال والجزيرة، بمساهمة من المستثمرين السوريين في تركيا الذين يتحايلون على غياب الحماية القانونية بدولرة استثماراتهم ، مع عدم استقرار سعر الليرة التركية، والسعر المنخفض للذهب. أمام عدم اليقين هذا، لا يفضل التاجر السوري، أو التركي، البيع بالأجل، أو بأي عملة أخرى غير الدولار الأمريكي. الدولرة والذهب
وفي مثل هذه الأجواء الخطرة عسكرياً على الحدود السورية التركية، سيلجأ "المستثمر الجبان" إلى الاستثمار في "المعدن الجبان"، أو الذهب، وسيلجأ المستثمر السوري إلى أقل المجالات مخاطرة في الاستثمار، كون أسواق التصريف غير مستقرة، وفرصتهم للمنافسة داخل تركيا أقل بكثير من فرصة التاجر والمستثمر التركي المحمي من دولته. إذاً فإن الدولرة، والادخار في الذهب، قللا من المخاطر المتوقعة، أمنياً، وقانونياً، كون القوانين التركية في ما يتعلق بالسوريين في تركيا تخضع لما يخضع له اللاجئون السوريون "المهاجرون ضيوف عن الأنصار". وبعض التجار وجد حلاً في الحصول على الجنسية التركية، إما بدعوى لاسترداد جنسية ممن لعائلته فرع في تركيا، أو بالاستثمارات الكبيرة التي تسهل الحصول على الجنسية التركية.
    نيسان ـ نشر في 2016/01/31 الساعة 00:00