مصر : ثورة مضادة في وسط البلد
نيسان ـ نشر في 2016/02/02 الساعة 00:00
اعتبر الكاتب الصحفى سفيان فيليب نصر، أن حملة "ترميم منطقة وسط البلد" بالقاهرة بمثابة القيام بثورة مضادة من خلال حملة أمنية ذات دوافع سياسية ضد أي شكل من أشكال استقلال المجتمع المدني. وأضاف سفيان، فى تقرير نشره موقع قنطرة الألماني، أنه من المفترض أن يتم من خلال هذه الحملة تجديد "فناء الثورة الخلفي" ومسح تاريخه الثوري على اعتبار أنه مشروع تغيير معالم وسط مدينة القاهرة من جانب الحكومة المصرية. وأوضح سفيان أن الحكومة تتجه إلى تغيير معالم منطقة وسط البلد بسبب أن هذه المنطقة قد شهدت أجواء ثورة يناير، كما شهدت في صيف عام 2012، تشكل المعارضة المعادية للإسلاميين بمهاجمة الرئيس المعزول محمد مرسي وحكومته، لتشكل الاضطرابات والاحتجاجات والمظاهرات جزءًا من الحياة اليومية، ليصبح قبل كلِّ شيء وسط مدينة القاهرة بؤرةً لمجال اجتماعي حرّ، تسود فيه التعدُّدية والتنوُّع السياسيَّينْ.
وأشار سفيان إلى امتلاء البارات والمقاهي في وسط البلد، بالنشطاء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمبدعين الثقافيين في وسط القاهرة، فضلا عن مناقشتهم للاستراتيجيات وجدالاتهم المثيرة التي تدور بصوت مرتفع في الأماكن العامة ليجلس الشيوعيون والإسلاميون والليبراليون سويا على طاولة واحدة في ظل حرِّية التجمُّع والتعبير دون أن يخاف أي شخص من أن يتَّخذ موقفًا سياسيًا. وتابع سفيان قائلا: "فنانو الجرافيتي (الكتابة على الجدران) كانوا يمرحون ويسرحون مثلما يريدون وبمنأى عن سلطة الدولة، يرسمون على الجدران الرمادية الكئيبة الخاصة بالمباني القديمة الآيلة ببطء للانهيار في هذا الحيِّ، الذي كانت شوارعه تزدحم بآلاف من الباعة المتجوِّلين، الذين كانوا يعرضون بضاعتهم للبيع في كلِّ ركن من أركان هذا الحيِّ". ونقل سفيان في تقريره عن الطبعة الإنجليزية من صحيفة الأهرام الحكومية، أنَّ ميدان التحرير لم يعد ساحة للمعارضة السياسية، حيث لم يعد يتم التسامح هنا إلاَّ مع التجمعات والمظاهرات التي تشيد بالنظام. و في المقابل، قارن سفيان بين الوضع أيام الرئيس المعزول مرسي وبين مرور خمسة أعوام من بدء الثورة على نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، لتصبح حرية التعبير والمشهد السياسي مجرَّد ذكريات باهتة.
وأضاف سفيان أن النظام الحالى برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي أزال كلَّ شي وتحديدًا من جذوره ليتم تفكيك جميع آثار ثورة يناير 2011 ومحوها بصورة تدريجية في منطقة وسط البلد بحكم إنها كانت منطقة بمثابة فناء خلفي للثورة، ورمزًا للثورة على الطبقة الحاكمة، مثلما يقول المهندس المعماري المختص بتخطيط المدن عمر نجاتي فضلا عن إنه منذ عزل الرئيس محمد مرسي أصبحت احتجاجات الجماعات الإسلامية والليبرالية اليسارية يتم قمعها في وسط القاهرة بشدة وبصورة تزداد دموية باستمرار من خلال سيطرة أمنية على حى منطقة وسط البلد. ونقل سفيان عن عمر نجاتى قوله: "في الأعوام الأخيرة تم بذل جهود ممنهجة من أجل إعادة فرض النظام العام وسلطة الدولة، وهذا يعني أيضًا استعادة السيطرة على الفضاء العام. وفي ذلك شكَّل وسط القاهرة المشروع الرائد"، ولكن هذا المشروع لم يعد يقتصر فقط على إجراءات مثل طرد الباعة المتجوِّلين وصبغ واجهات المباني، بل يشمل أيضًا إجراءات أمنية مثل إقامة الحواجز وتقييد التجمعات وإعاقة المجتمع المدني، بحسب ما يقول مهندس تخطيط المدن عمر نجاتي". وألمح سفيان إلى أن المؤسَّسات الثقافية أصبحت في الآونة الأخيرة هدفًا للنظام، مستدلا بمداهمة جاليري تاون هاوس، ثم استهداف دار نشر ميريت اليسارية ولم تستثنِ من هذه الحملة أيضًا منطقة ماسبيرو المركزية غير الرسمية مشيرا إلى النظام يراهن منذ نهاية عام 2013 على تحسين كان في البدء رمزيًا،حيث يتم صبغ واجهات المباني، وكذلك يتم تجميل ميدان التحرير ذي الدلالة الرمزية، وتضع الدولة مساحات خضراء، بالإضافة إلى تثبيت إشارات المرور وكاميرات الفيديو إلى جانب هدم المقر الرئيسي للحزب الوطني الديمقراطي المنحل بزعامة حسني مبارك. واختتم سفيان تقريره بالإشارة إلى اختفاء الباعة المتجوِّلون منذ منتصف عام 2014 خطوة بخطوة وشارعًا تلو الآخر. مرجحا إلى إن المشكلة ليست في إعادة توطين التجَّار، بل في الطريقة المتَّبعة في ذلك، مثلما يقول أحمد العطار، الذي يدير في وسط المدينة العديد من المؤسَّسات الثقافية ويقوم بتنظيم مهرجان دي-كاف، وهو أكبر مهرجان ثقافي في المدينة. ويضيف: "كانت الحياة مستحيلة هنا مع جميع الباعة في الشوارع".
نيسان ـ نشر في 2016/02/02 الساعة 00:00