تراشق حجارة الاتهامات بين (المقالع) والمتضررين
نيسان ـ نشر في 2016/02/28 الساعة 00:00
على وقع دوي التفجيرات في المحاجر والمقالع والكسارات، يستيقظ صبيحة فجر كل يوم، سكان بعض قرى مناطق ماركا الشمالية وسحاب ومحافظة الزرقاء، جراء ما تسببه من اهتزاز في جدران منازلهم، وسط مخاوف من انهيارها، لكونها لا تبعد سوى عشرة كيلو مترات عن أماكن سكناهم.
وبين اتهامات متبادلة بين سكان يتنشقون الغبار مع هوائهم اليومي، وبين أصحاب مقالع ومحاجر يتهمون هؤلاء السكان بالامتداد العمراني إلى أماكن عملهم، التي يعملون بها منذ القدم، يبدو المشهد مربكا إلى حد كبير.
كما تمتلئ السماء، بسُحب الغبار والأتربة المتصاعدة، أثناء عمل الآليات الخاصة باستخراج الحجارة التي تستخدم في عمليات البناء، والتي يتم تصديرها إلى الخارج.
وعلى الرغم من أن وزارة البيئة تؤكد أنها عالجت هذه المشكلة بترحيل تلك المحاجر من أماكنها، غير أن سكان المنطقة يؤكدون غير ذلك، متهمين جهات بعينها مثل وزارة البيئة وهيئة تنظيم قطاع التعدين والطاقة وأمانة عمان الكبرى، بأنها لا تحرك ساكنا حيال المعضلة، رغم وعودها بمنح أصحاب المقالع والمحاجر مهلا زمنية لتصويب أوضاعهم.
وتمكنت كاميرا "الغد"، من التقاط صور خاصة، خلال جولات ميدانية لعدة مناطق في المملكة، تؤكد استمرار وجود العديد من المقالع والمحاجر والكسارات بين الأحياء السكنية، وعدم التزامها بالاشتراطات البيئية والصحية، واستمرار عملها لساعات طويلة تمتد من فجر صباح كل يوم حتى المساء.
والتقت "الغد" عددا من سكان منطقة وادي القطار وقرية خالد بن الوليد، في ماركا الشمالية، الذين اشتكوا من انبعاثات الأتربة جراء عمل آليات المقالع والمحاجر ودوي التفجيرات، الأمر الذي يتسبب لهم "بأضرار صحية"، كما يقولون.
ووفق أحد سكان المنطقة، حمود مطلق، تنتشر سحب من الغبار والأتربة المتصاعدة من الآليات والخلاطات التي تملأ منطقة الوادي المقابل تماما لسكنهم، والتي تدفع بهم إلى إحكام إغلاق نوافذ وأبواب منازلهم صباحا ومساء.
ولفت إلى أن أهالي القرية، ومنذ العام 2005، قاموا بتقديم شكاوى وعرائض إلى رئاسة الوزراء تطالب بترحيل هذه المقالع والمحاجر إلى مناطق غير مأهولة بالسكان، لكن "لم يتم الاستجابة لأي منها"، بحسبه.
وأبدى مطلق، استغرابه من بقاء أصحاب هذه المقالع يعملون في الأراضي المجاورة لهم، رغم استمرار الشكوى من التأثيرات الصحية والبيئية الناجمة عنها.
وشاطره الشكوى ذاتها المواطن منير، الذي أكد أن سكان القرية "يستيقظون يوميا على دوى التفجيرات في الوادي الذي تعمل فيه الآليات لاستخراج الحجارة، والتي لا تبعد سوى كيلومترات بسيطة عن منازلهم".
كما أن الأتربة، وفق منير، "أدت لإصابة العديد من أهالي المنطقة بأمراض الحساسية والربو نتيجة تسلل الغبار داخل منازلهم، والتي لا يمكن التخلص منها بسهولة".
وأرجع منير أسباب عدم استجابة الحكومة لمطالبهم بترحيل أصحاب المقالع إلى أماكن أخرى، إلى ما أسماه "وجود عقود طويلة الأجل بين الطرفين لاستثمار واستغلال تلك الجبال لاستخراج الحجارة".
ويلزم نظام المقالع الصادر استنادا إلى قانون تنظيم شؤون المصادر الطبيعية في مادته الرابعة أن "يتم منح رخصة المقالع أو تجديدها إذا كانت تبعد عن الطريق العام الرئيسي أو القروي، أو الثانوي، بمسافة لا تقل عن 300 كيلو متر، إذا كانت من اصناف الكسارات الثابتة والمتحركة ومقالع الحجر البناء والدبش، والرمل".
غير أن "أصحاب المقالع والمحاجر والكسارات لا يلتزمون بذلك البند، كما أن الجهات المعنية تتغاضى عن تنفيذه"، وفقا لرئيس جمعية الأرض والإنسان لدعم التنمية زياد العلاونة.
ورغم أن العلاونة أكد لـ"الغد" أن الكسارات "شر لا بد منه"، إلا أن وجودها "يتسبب في تشويه المنطقة طبيعيا وبيئيا، كما أنها تتسبب بأضرار صحية للقاطنين حولها".
ولفت إلى أن مشكلة المقالع قديمة متجددة لم تنته منذ عقود مضت، وذلك نتيجة "عدم تطبيق التشريعات بصورة فاعلة، سواء من حيث إلزام أصحاب المقالع بإعادة تأهيل الأراضي وتحويلها إلى مناطق وحدائق طبيعية عقب الانتهاء من عمليات استخراج الحجارة، أو أثناء عملها بأن تراعي الاشتراطات البيئية المنصوص عليها".
وأرجع أسباب بقاء تلك المشكلة قائمة دون حلول جذرية وناجعة لها إلى "وجود متنفذين يضغطون باتجاه عدم تطبيق القانون".
وحمل رئيس هيئة إدارة جمعية شرق عمان لحماية البيئة فرحان الدبوبي مسؤولية بقاء المقالع والمحاجر والكسارات في مناطق سحاب والبيضاء وماركا قرب الأحياء السكنية إلى "وزارة البيئة وهيئة الطاقة والتعدين"، على اعتبار أنهما "الجهتان المسؤولتان عن منح التراخيص والتأكد من التزام أصحابها بالاشتراطات البيئية".
وتتواجد في تلك المناطق، بحسب الدبوبي، "عشرات المقالع ومناشير الحجر، وأكثر من 500 خلاطة زفتة، وغيرها من مقالع الرمل ومكبات الطمم، التي تساهم جميعها بترك آثار بيئية سيئة على الطبيعة المحيطة بها".
و"بحجة تشجيع الاستثمار"، التي يتداولها أصحاب القرار في الجهات الرسمية المعنية بمنح التراخيص لأصحاب المقالع والمحاجر، فإنه يتم التغاضي عن الالتزامات والشروط المتعلقة بمنح الرخص، مثل البعد عن الأماكن السكنية وعدم تلويثها للبيئة"، تبعا للدبوبي.
ووفق تقرير حالة البيئة للعام 2011 فإن قياسات نتائج الغبار العالق الدقيق (PM10) أشارت إلى "وجود تجاوزات في مستويات الغبار العالق في جميع محطات الرصد، وبالأخص خلال فترة هبوب الرياح الخماسينية".
ويلاحظ من نتائج قياس تركيز الأغبرة العالقة في مناطق عمان، أن منطقة ماركا تحتوي على أعلى النسب، وذلك بسبب الكثافة السكانية العالية في هذه المنطقة ووقوعها قرب العديد من الصناعات ومناجم الفوسفات القديمة، كما يوجد أيضا بالقرب من هذه المنطقة عدد من المحاجر والمرامل التي تساهم في زيادة تركيز الأغبرة فيها.
كما تفتقر منطقة ماركا الجنوبية إلى الغطاء النباتي المناسب، إذ إن كل المناطق المجاورة لها هي مناطق جرداء.
على أن نائب مدير المدينة للتخطيط في أمانة عمان الكبرى المهندس عماد الحياري، أقر بوجود مشكلة تتعلق بالمقالع والمحاجر والكسارات، حيث إن بعضها "لا يملك ترخيصا، والبعض الآخر يعمل وفق القوانين والاشتراطات"، والأخيرة فقط تتوافر لديه معلومات حولها.
وأكد الحياري أن منح التراخيص للمقالع والمحاجر يقع، بالدرجة الأولى، على عاتق وزارة البيئة، وهيئة الطاقة والتعدين اللتين ترسل بتنسيباتهما إلى أمانة عمان الكبرى من أجل استكمال إجراءات الترخيص.
وشدد على أن "بعد المقالع والمحاجر عن الأماكن السكنية والشارع العام من الشروط الواجب توافرها لدى منح التراخيص، في وقت تمنع فيه القوانين أصحاب تلك المهن من استخدام متفجرات (البارود) في تلك المناطق".
وأوضح أنه "في حال مخالفة أصحاب المقالع لشروط تراخيصها فإنه يتم منحهم مهلة لتصويب أوضاعهم، لا سيما إذا كان الأمر متعلقا بضرورة ترحيلهم إلى أماكن خالية من السكان، وهو ما تم بالفعل مع آخرين يعملون في ذات المهنة بعد أن قدم أهالي الأحياء شكاوى متكررة للحاكم الإداري".
بدوره، أكد رئيس قسم الدراسات وتراخيص المقالع في هيئة الطاقة والتعدين المهندس زيد السمور، أن منح التراخيص لأصحاب المقالع والمحاجر يتم وفق نظام خاص، يتضمن ضرورة أن تبعد عن الأحياء السكنية والشارع العام مسافة محددة، وأن تلتزم بالاشتراطات البيئية الموضوعة من قبل وزارة البيئة.
ويضيف السمور أن المشكلة تكمن في الزحف العمراني الذي شهدته المملكة منذ سنوات عدة، والذي أدى إلى امتداد الأحياء السكنية لتقرب من أماكن المقالع والمحاجر، وعلى إثر ذلك انتشرت شكاوى المواطنين من تأثيرات الأغبرة والتفجيرات.
وبين أن تلك المقالع لدى إنشائها "لم يكن يحيط بها أي أحياء سكنية، وكانت تتوافق ونظام الترخيص آنذاك، وبات من غير الممكن بعد وجودها واستثمارها لملايين الدنانير أن يتم الطلب منها الانتقال إلى أماكن أخرى قد تتسبب بخساراتها ماليا نتيجة عدم مطابقة المواد الخام التي سيتم استخراجها مع المواصفات العالمية.
وشدد على أن الهيئة تعمل حاليا على إيجاد بدائل لأصحاب تلك المقالع من أجل ترحيلها لكن الأمر يحتاج إلى فترة زمنية للتأكد من مطابقة المناطق الجديدة للشروط والقوانين، منعا لأي احتجاجات مستقبلية قد يبديها أصحاب المقالع، والتي قد تتمحور بتدني جودة المواد الخام المستخرجة أو بعدها عن مناطق عملهم.
وكانت الهيئة أجرت دراسات عدة لمناطق كانت مختارة في وقت سابق لتكون بديلة عن المواقع القديمة، إلا أنه ثبت فشلها من ناحية جودة المواد المستخرجة منها، كما أن الأراضي التي كان يتم اختيارها يكتشف فيما بعد أنها "غير تابعة لخزينة الدولة، وبأنها ملكيات خاصة".
من جهته، نفى مساعد الأمين العام لشؤون المحافظات في وزارة البيئة المهندس غازي العودات علمه "بوجود مقالع ومحاجر وكسارات تعمل بصورة مخالفة، حيث إن العديد منها تم ترحيلها وإيجاد بدائل لها ومعالجة الاختلالات البيئية التي خلفتها أثناء قيامها بالأعمال الخاصة باستخراج المواد الخام".
لكنه، وعد بناء على ما أوردته "الغد" من ملاحظات حول "وجود مقالع ومحاجر وكسارات تعمل منذ أعوام عدة بصورة مخالفة لبنود ترخيصها"، بتنفيذ زيارات ميدانية إلى تلك الأماكن "لإمهال المخالفين فترة زمنية محددة لتصويب أوضاعهم، بالتنسيق مع أمانة عمان".
وكشف العودات عن أن الشروط الخاصة بمنح التراخيص للمقالع والمحاجر والكسارات في النظام المعمول به حاليا، والصادر عن هيئة الطاقة والتعدين "متساهلة، لكونها لا تسمح بوجود مسافة كافية بينها وبين الأحياء السكنية، كما أنها لا تراعي مسألة الاشتراطات البيئية".
وشدد على أن هناك "نظاما جديدا تم وضعه من قبل لجنة مختصة لترخيص تلك المهن، ويوجد حاليا في ديوان التشريع، وفيه الكثير من البنود التي جرى تحديثها منعا لحدوث أي مشكلات ذات علاقة بالآثار البيئية والصحية الناجمة عن إنشائها".
كما سيجري العمل، بحسبه، على إجراء مسوحات ميدانية لحصر أعداد وأماكن المقالع والمحاجر والكسارات في كافة أنحاء المملكة من أجل وضع الإجراءات الكفيلة بمعالجة أوضاعها.
ولعل حل تلك المشكلة يحتاج إلى قرار جذري وحاسم من قبل مجلس الوزراء، يتمحور حول ضرورة تشكيل لجنة فنية من جميع الجهات المعنية لإجراء كشوفات ميدانية على مواقع المقالع والمحاجر والكسارات، والاطلاع على الواقع والتأكد من التزامها بالقوانين والاشترطات وترحيل المخالف منها، بحسب وزير البيئة الأسبق خالد الإيراني.
وفي رأي الإيراني فإن مشكلة المقالع والمحاجر "قديمة، وكان من المفترض منذ أعوام أن يتم منح أصحاب هذه المهنة مهلة زمنية من أجل تصويب أوضاعهم وتوفير البدائل لهم، وترحيلهم إلى أماكن يكونون قادرين على العمل فيها".
واعتبر أن "لا ذنب لأصحاب المقالع والمحاجر بعد أن تم منحهم رخصا للعمل في تلك المواقع، وأن مسؤولية تلك المشكلة تقع على الجهات التي منحتهم منذ البدء صلاحيات العمل".
على الصعيد الصحي، تزيد التعرضات طويلة الأجل لاستنشاق الأتربة والأغبرة المتصاعدة من المقالع والمحاجر والكسارات، نسبة الإصابة بأمراض الحساسية والأزمات الصدرية والالتهابات المزمنة (الربو)، وفق رئيس جمعية أطباء الحساسية والمناعة، الاستشاري الدكتور هاني عبابنة.
ووفق إحصائيات الجمعية للعام الماضي، فإن "ثلث الأردنيين مصابون بأمراض الحساسية، أي حوالي مليوني شخص، في وقت يحتل فيه المصابون بمرض الربو 40 % من تلك النسبة".
ولفت عبابنة، في تصريحات لـ"الغد" إلى ان "الأغبرة والأتربة التي تدخل إلى المنازل من تلك المحاجر والمقالع، تبقى عالقة في زواياها وعلى المفروشات، وتحمل في طياتها ما يسمى بالعث الغباري، الذي يؤدي إلى إصابة الأطفال خصوصا، نتيجة نقص المناعة لديهم، بأمراض الحساسية والربو".
وتحدد حركة الرياح، كميات الأغبرة المتصاعدة من أماكن المقالع واتجاهاتها، وقوتها، التي تزيد وفقا لها.
ويحذر مستشار الامراض الصدرية في مستشفى البشير الدكتور يوسف العساف من استنشاق الأتربة والأغبرة بصورة متكررة، لكونها تتسبب في تهيج الأغشية المخاطية، والتهاب الجيوب الأنفية، والتهاب الحنجرة والقصبات الهوائية.
ولفت العساف لـ"الغد" إلى ان الإصابة المتكررة بتلك الأمراض وعلى مدى فترات زمنية طويلة، قد يؤدي إلى تحول بعضها إلى مرض سرطان الرئة".
وبين اتهامات متبادلة بين سكان يتنشقون الغبار مع هوائهم اليومي، وبين أصحاب مقالع ومحاجر يتهمون هؤلاء السكان بالامتداد العمراني إلى أماكن عملهم، التي يعملون بها منذ القدم، يبدو المشهد مربكا إلى حد كبير.
كما تمتلئ السماء، بسُحب الغبار والأتربة المتصاعدة، أثناء عمل الآليات الخاصة باستخراج الحجارة التي تستخدم في عمليات البناء، والتي يتم تصديرها إلى الخارج.
وعلى الرغم من أن وزارة البيئة تؤكد أنها عالجت هذه المشكلة بترحيل تلك المحاجر من أماكنها، غير أن سكان المنطقة يؤكدون غير ذلك، متهمين جهات بعينها مثل وزارة البيئة وهيئة تنظيم قطاع التعدين والطاقة وأمانة عمان الكبرى، بأنها لا تحرك ساكنا حيال المعضلة، رغم وعودها بمنح أصحاب المقالع والمحاجر مهلا زمنية لتصويب أوضاعهم.
وتمكنت كاميرا "الغد"، من التقاط صور خاصة، خلال جولات ميدانية لعدة مناطق في المملكة، تؤكد استمرار وجود العديد من المقالع والمحاجر والكسارات بين الأحياء السكنية، وعدم التزامها بالاشتراطات البيئية والصحية، واستمرار عملها لساعات طويلة تمتد من فجر صباح كل يوم حتى المساء.
والتقت "الغد" عددا من سكان منطقة وادي القطار وقرية خالد بن الوليد، في ماركا الشمالية، الذين اشتكوا من انبعاثات الأتربة جراء عمل آليات المقالع والمحاجر ودوي التفجيرات، الأمر الذي يتسبب لهم "بأضرار صحية"، كما يقولون.
ووفق أحد سكان المنطقة، حمود مطلق، تنتشر سحب من الغبار والأتربة المتصاعدة من الآليات والخلاطات التي تملأ منطقة الوادي المقابل تماما لسكنهم، والتي تدفع بهم إلى إحكام إغلاق نوافذ وأبواب منازلهم صباحا ومساء.
ولفت إلى أن أهالي القرية، ومنذ العام 2005، قاموا بتقديم شكاوى وعرائض إلى رئاسة الوزراء تطالب بترحيل هذه المقالع والمحاجر إلى مناطق غير مأهولة بالسكان، لكن "لم يتم الاستجابة لأي منها"، بحسبه.
وأبدى مطلق، استغرابه من بقاء أصحاب هذه المقالع يعملون في الأراضي المجاورة لهم، رغم استمرار الشكوى من التأثيرات الصحية والبيئية الناجمة عنها.
وشاطره الشكوى ذاتها المواطن منير، الذي أكد أن سكان القرية "يستيقظون يوميا على دوى التفجيرات في الوادي الذي تعمل فيه الآليات لاستخراج الحجارة، والتي لا تبعد سوى كيلومترات بسيطة عن منازلهم".
كما أن الأتربة، وفق منير، "أدت لإصابة العديد من أهالي المنطقة بأمراض الحساسية والربو نتيجة تسلل الغبار داخل منازلهم، والتي لا يمكن التخلص منها بسهولة".
وأرجع منير أسباب عدم استجابة الحكومة لمطالبهم بترحيل أصحاب المقالع إلى أماكن أخرى، إلى ما أسماه "وجود عقود طويلة الأجل بين الطرفين لاستثمار واستغلال تلك الجبال لاستخراج الحجارة".
ويلزم نظام المقالع الصادر استنادا إلى قانون تنظيم شؤون المصادر الطبيعية في مادته الرابعة أن "يتم منح رخصة المقالع أو تجديدها إذا كانت تبعد عن الطريق العام الرئيسي أو القروي، أو الثانوي، بمسافة لا تقل عن 300 كيلو متر، إذا كانت من اصناف الكسارات الثابتة والمتحركة ومقالع الحجر البناء والدبش، والرمل".
غير أن "أصحاب المقالع والمحاجر والكسارات لا يلتزمون بذلك البند، كما أن الجهات المعنية تتغاضى عن تنفيذه"، وفقا لرئيس جمعية الأرض والإنسان لدعم التنمية زياد العلاونة.
ورغم أن العلاونة أكد لـ"الغد" أن الكسارات "شر لا بد منه"، إلا أن وجودها "يتسبب في تشويه المنطقة طبيعيا وبيئيا، كما أنها تتسبب بأضرار صحية للقاطنين حولها".
ولفت إلى أن مشكلة المقالع قديمة متجددة لم تنته منذ عقود مضت، وذلك نتيجة "عدم تطبيق التشريعات بصورة فاعلة، سواء من حيث إلزام أصحاب المقالع بإعادة تأهيل الأراضي وتحويلها إلى مناطق وحدائق طبيعية عقب الانتهاء من عمليات استخراج الحجارة، أو أثناء عملها بأن تراعي الاشتراطات البيئية المنصوص عليها".
وأرجع أسباب بقاء تلك المشكلة قائمة دون حلول جذرية وناجعة لها إلى "وجود متنفذين يضغطون باتجاه عدم تطبيق القانون".
وحمل رئيس هيئة إدارة جمعية شرق عمان لحماية البيئة فرحان الدبوبي مسؤولية بقاء المقالع والمحاجر والكسارات في مناطق سحاب والبيضاء وماركا قرب الأحياء السكنية إلى "وزارة البيئة وهيئة الطاقة والتعدين"، على اعتبار أنهما "الجهتان المسؤولتان عن منح التراخيص والتأكد من التزام أصحابها بالاشتراطات البيئية".
وتتواجد في تلك المناطق، بحسب الدبوبي، "عشرات المقالع ومناشير الحجر، وأكثر من 500 خلاطة زفتة، وغيرها من مقالع الرمل ومكبات الطمم، التي تساهم جميعها بترك آثار بيئية سيئة على الطبيعة المحيطة بها".
و"بحجة تشجيع الاستثمار"، التي يتداولها أصحاب القرار في الجهات الرسمية المعنية بمنح التراخيص لأصحاب المقالع والمحاجر، فإنه يتم التغاضي عن الالتزامات والشروط المتعلقة بمنح الرخص، مثل البعد عن الأماكن السكنية وعدم تلويثها للبيئة"، تبعا للدبوبي.
ووفق تقرير حالة البيئة للعام 2011 فإن قياسات نتائج الغبار العالق الدقيق (PM10) أشارت إلى "وجود تجاوزات في مستويات الغبار العالق في جميع محطات الرصد، وبالأخص خلال فترة هبوب الرياح الخماسينية".
ويلاحظ من نتائج قياس تركيز الأغبرة العالقة في مناطق عمان، أن منطقة ماركا تحتوي على أعلى النسب، وذلك بسبب الكثافة السكانية العالية في هذه المنطقة ووقوعها قرب العديد من الصناعات ومناجم الفوسفات القديمة، كما يوجد أيضا بالقرب من هذه المنطقة عدد من المحاجر والمرامل التي تساهم في زيادة تركيز الأغبرة فيها.
كما تفتقر منطقة ماركا الجنوبية إلى الغطاء النباتي المناسب، إذ إن كل المناطق المجاورة لها هي مناطق جرداء.
على أن نائب مدير المدينة للتخطيط في أمانة عمان الكبرى المهندس عماد الحياري، أقر بوجود مشكلة تتعلق بالمقالع والمحاجر والكسارات، حيث إن بعضها "لا يملك ترخيصا، والبعض الآخر يعمل وفق القوانين والاشتراطات"، والأخيرة فقط تتوافر لديه معلومات حولها.
وأكد الحياري أن منح التراخيص للمقالع والمحاجر يقع، بالدرجة الأولى، على عاتق وزارة البيئة، وهيئة الطاقة والتعدين اللتين ترسل بتنسيباتهما إلى أمانة عمان الكبرى من أجل استكمال إجراءات الترخيص.
وشدد على أن "بعد المقالع والمحاجر عن الأماكن السكنية والشارع العام من الشروط الواجب توافرها لدى منح التراخيص، في وقت تمنع فيه القوانين أصحاب تلك المهن من استخدام متفجرات (البارود) في تلك المناطق".
وأوضح أنه "في حال مخالفة أصحاب المقالع لشروط تراخيصها فإنه يتم منحهم مهلة لتصويب أوضاعهم، لا سيما إذا كان الأمر متعلقا بضرورة ترحيلهم إلى أماكن خالية من السكان، وهو ما تم بالفعل مع آخرين يعملون في ذات المهنة بعد أن قدم أهالي الأحياء شكاوى متكررة للحاكم الإداري".
بدوره، أكد رئيس قسم الدراسات وتراخيص المقالع في هيئة الطاقة والتعدين المهندس زيد السمور، أن منح التراخيص لأصحاب المقالع والمحاجر يتم وفق نظام خاص، يتضمن ضرورة أن تبعد عن الأحياء السكنية والشارع العام مسافة محددة، وأن تلتزم بالاشتراطات البيئية الموضوعة من قبل وزارة البيئة.
ويضيف السمور أن المشكلة تكمن في الزحف العمراني الذي شهدته المملكة منذ سنوات عدة، والذي أدى إلى امتداد الأحياء السكنية لتقرب من أماكن المقالع والمحاجر، وعلى إثر ذلك انتشرت شكاوى المواطنين من تأثيرات الأغبرة والتفجيرات.
وبين أن تلك المقالع لدى إنشائها "لم يكن يحيط بها أي أحياء سكنية، وكانت تتوافق ونظام الترخيص آنذاك، وبات من غير الممكن بعد وجودها واستثمارها لملايين الدنانير أن يتم الطلب منها الانتقال إلى أماكن أخرى قد تتسبب بخساراتها ماليا نتيجة عدم مطابقة المواد الخام التي سيتم استخراجها مع المواصفات العالمية.
وشدد على أن الهيئة تعمل حاليا على إيجاد بدائل لأصحاب تلك المقالع من أجل ترحيلها لكن الأمر يحتاج إلى فترة زمنية للتأكد من مطابقة المناطق الجديدة للشروط والقوانين، منعا لأي احتجاجات مستقبلية قد يبديها أصحاب المقالع، والتي قد تتمحور بتدني جودة المواد الخام المستخرجة أو بعدها عن مناطق عملهم.
وكانت الهيئة أجرت دراسات عدة لمناطق كانت مختارة في وقت سابق لتكون بديلة عن المواقع القديمة، إلا أنه ثبت فشلها من ناحية جودة المواد المستخرجة منها، كما أن الأراضي التي كان يتم اختيارها يكتشف فيما بعد أنها "غير تابعة لخزينة الدولة، وبأنها ملكيات خاصة".
من جهته، نفى مساعد الأمين العام لشؤون المحافظات في وزارة البيئة المهندس غازي العودات علمه "بوجود مقالع ومحاجر وكسارات تعمل بصورة مخالفة، حيث إن العديد منها تم ترحيلها وإيجاد بدائل لها ومعالجة الاختلالات البيئية التي خلفتها أثناء قيامها بالأعمال الخاصة باستخراج المواد الخام".
لكنه، وعد بناء على ما أوردته "الغد" من ملاحظات حول "وجود مقالع ومحاجر وكسارات تعمل منذ أعوام عدة بصورة مخالفة لبنود ترخيصها"، بتنفيذ زيارات ميدانية إلى تلك الأماكن "لإمهال المخالفين فترة زمنية محددة لتصويب أوضاعهم، بالتنسيق مع أمانة عمان".
وكشف العودات عن أن الشروط الخاصة بمنح التراخيص للمقالع والمحاجر والكسارات في النظام المعمول به حاليا، والصادر عن هيئة الطاقة والتعدين "متساهلة، لكونها لا تسمح بوجود مسافة كافية بينها وبين الأحياء السكنية، كما أنها لا تراعي مسألة الاشتراطات البيئية".
وشدد على أن هناك "نظاما جديدا تم وضعه من قبل لجنة مختصة لترخيص تلك المهن، ويوجد حاليا في ديوان التشريع، وفيه الكثير من البنود التي جرى تحديثها منعا لحدوث أي مشكلات ذات علاقة بالآثار البيئية والصحية الناجمة عن إنشائها".
كما سيجري العمل، بحسبه، على إجراء مسوحات ميدانية لحصر أعداد وأماكن المقالع والمحاجر والكسارات في كافة أنحاء المملكة من أجل وضع الإجراءات الكفيلة بمعالجة أوضاعها.
ولعل حل تلك المشكلة يحتاج إلى قرار جذري وحاسم من قبل مجلس الوزراء، يتمحور حول ضرورة تشكيل لجنة فنية من جميع الجهات المعنية لإجراء كشوفات ميدانية على مواقع المقالع والمحاجر والكسارات، والاطلاع على الواقع والتأكد من التزامها بالقوانين والاشترطات وترحيل المخالف منها، بحسب وزير البيئة الأسبق خالد الإيراني.
وفي رأي الإيراني فإن مشكلة المقالع والمحاجر "قديمة، وكان من المفترض منذ أعوام أن يتم منح أصحاب هذه المهنة مهلة زمنية من أجل تصويب أوضاعهم وتوفير البدائل لهم، وترحيلهم إلى أماكن يكونون قادرين على العمل فيها".
واعتبر أن "لا ذنب لأصحاب المقالع والمحاجر بعد أن تم منحهم رخصا للعمل في تلك المواقع، وأن مسؤولية تلك المشكلة تقع على الجهات التي منحتهم منذ البدء صلاحيات العمل".
على الصعيد الصحي، تزيد التعرضات طويلة الأجل لاستنشاق الأتربة والأغبرة المتصاعدة من المقالع والمحاجر والكسارات، نسبة الإصابة بأمراض الحساسية والأزمات الصدرية والالتهابات المزمنة (الربو)، وفق رئيس جمعية أطباء الحساسية والمناعة، الاستشاري الدكتور هاني عبابنة.
ووفق إحصائيات الجمعية للعام الماضي، فإن "ثلث الأردنيين مصابون بأمراض الحساسية، أي حوالي مليوني شخص، في وقت يحتل فيه المصابون بمرض الربو 40 % من تلك النسبة".
ولفت عبابنة، في تصريحات لـ"الغد" إلى ان "الأغبرة والأتربة التي تدخل إلى المنازل من تلك المحاجر والمقالع، تبقى عالقة في زواياها وعلى المفروشات، وتحمل في طياتها ما يسمى بالعث الغباري، الذي يؤدي إلى إصابة الأطفال خصوصا، نتيجة نقص المناعة لديهم، بأمراض الحساسية والربو".
وتحدد حركة الرياح، كميات الأغبرة المتصاعدة من أماكن المقالع واتجاهاتها، وقوتها، التي تزيد وفقا لها.
ويحذر مستشار الامراض الصدرية في مستشفى البشير الدكتور يوسف العساف من استنشاق الأتربة والأغبرة بصورة متكررة، لكونها تتسبب في تهيج الأغشية المخاطية، والتهاب الجيوب الأنفية، والتهاب الحنجرة والقصبات الهوائية.
ولفت العساف لـ"الغد" إلى ان الإصابة المتكررة بتلك الأمراض وعلى مدى فترات زمنية طويلة، قد يؤدي إلى تحول بعضها إلى مرض سرطان الرئة".
نيسان ـ نشر في 2016/02/28 الساعة 00:00