عمل الأطفال بين المنطق واللامعقول..
نيسان ـ نشر في 2016/03/27 الساعة 00:00
بقلم الدكتورة الهام العلان
شاب صغير يبلغ من العمر عشر سنوات يبيع مع والده بسيارة بيكب "واقعة" بالمفهوم البلدي قديمة ومهترئة، المهم في الموضوع يتصدى لك الطفل بكلامه ويريد أن يبيعك بشتى الطرق، يحاول إقناعك بأن الزعتر ليس مغشوش ومعمول بالبيت، والسماق بلدي وبدون إضافات، يغرف بيده الصغيرة ويُصر على أن تتذوق، ترى في عينيه بريق الرجولة المبكرة وصوته يتناغم مع ملامح طفولته الصغيرة، ومع ذلك هناك غصة في البال من شئ ما..
يتراءى أمام ناظرك رجال الإستهتار والتعاطي باللعن والشتم من ضيق الحال، وهناك طفل يقف بالبرد ينادي "عنا كلشي بس تعال".. هذه الهمة والجبروت عبر ثنايا أضلع ذاك الصغير ممن أستمدها! وذاك الكبير المُتخم بالسيجارة والهاتف الخلوي لمن تعود أصوله!
لسنا مع عمل الأطفال وضد إختراق كينونة المبيت الدافئ لحلاوة روحهم، ولكن هناك بعثرة غير منطقية لما يحدث على أرض الواقع، هل بات الطفل يُعطي دروس في الإجتهاد والتفاني بدل رموز البيت العاطلين عن العمل! ناهيك عن ربات البيوت العاملات هنا وهناك لتأمين لقمة العيش بدل الزوج الرافض لأي وظيفة لا تليق بمقامه الرفيع حسب قوله..
علمونا في السياسة ما يسمى بالقوة، بمعنى إقتناع الطرف المقابل بوجهة نظرك برضاه، حينها تُسيطر على تفكيره وتمارس سلطتك عليه، ومن هنا بيت القصيد..
عقوق الوالدين وهروب الأولاد من منازلهم ورفضهم للسلطة العليا في المنزل لم يأتي من فراغ وفي يوم وليلة؛ فحين يشتغل الطفل ويمسك بالمال بين يديه يستمد القوة التي تؤهله لأن يملي على غيره، بعدها يبدأ بالأمر والنهي وإضعاف سلطة الأب حين يكبُر، وخلال سنوات قليلة من المعاناة يكبر قبل أقرانه ويتحدث كما لو أن عمره أضعاف عمره الحقيقي،حينها تبدأ المسرحية العائلية إما برفض الأب سلطة الإبن وهو من سقلها وبناها، أو الإنصياع لإبنه من مبدأ "الواحد كِبر وبده مين يريحه"..على الأغلب، يرفض الأب سلطة الإبن ويستحيل تهاون الولد مع من تركه للشارع مع بسطه يبيع عليها وإهانة من هذا وذاك..
ونتسائل من أين يأتي العقوق والتفكك الأسري والمخدرات والتعاطي بالفواحش والمهربات.. والشاطر من يقول "خلفت سبع أولاد".. "المره حامل بالولد العاشر".. "هينو وبهدلو خليه يصير زلمة".. "نزله على السوق ليتعلم الحياة ويصير ويتصور"..
نعود للقول؛ بأن الأطفال أمانة تُسألون عنها يوم القيامة، وإذا كنتم ممن لا تؤمنون كونوا في مأمن من شرورهم وعقوقهم على الأقل، والتعامل بإنسانية جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، هذا إذا كنتم بشر حقاَ..
نيسان ـ نشر في 2016/03/27 الساعة 00:00