الدبلوماسية العربية غياب عن أزمات المنطقة ودور مفقود
نيسان ـ نشر في 2016/04/02 الساعة 00:00
واجهت الدبلوماسية العربية خلال القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، اتهامات بالفشل في ظل المتغيرات المحيطة بالعالم العربي، ويراها الكثيرون غير معبرة عن الواقع العربي، وغير قادرة على القيام بدور فاعل في الأزمات والصراعات بالمنطقة، ابتداءً بالقضية الفلسطينية، وانتهاءً بالأزمة السورية التي فشلت الدبلوماسية العربية حتى الآن في القيام بدور مؤثر فيها.
ولم يتوقف الفشل العربي في القضايا التي تختص بعمقه الإقليمي وجذوره، بل وصل للقضايا المتعلقة بأمنه القومي، ويعد أبرزها الفشل العربي في تحييد الخطر الإيراني، وإيصاله للعالم، خاصة مع تغيير العالم الغربي بوصلته اتجاه إيران.
وتعد أبرز مسببات ذاك الفشل هي تفرق الرؤى العربية تجاه الأزمات التي تهدد حاضرهم ومستقبلهم، واختلافهم في طرق التعاطي معها، بالإضافة لمعاناة الدبلوماسية العربية من ضعف المنتسبين إليها، واللوبيات التي تفرق ولا تجمع.
وعلى الرغم من تلك الاتهامات إلا أن المراقبين يشيرون لتغيرات في تلك الدبلوماسية، خاصة في الدور الحالي الذي يسعى عدد من الدول العربية والخليجية لإيجاده وفرضه على المنطقة، خاصة في التعامل مع إيران، وروسيا وتدخلاتهم في الشرق الأوسط.
العسكرة وتقديم المحيط الداخلي على الخارجي والتوجهات الثابتة
يرى المؤرخ المصري محمد الجوادي، أن عددًا كبيرًا من الباحثين يستسهلون ترديد القول بضعف الخبرات الإسلامية النشطة في مجالات العلاقات الخارجية، والسياسات الإقليمية والدولية.
ويعلل الجوادي في مقاله الأخير المنشور على موقع الجزيرة بعنوان "للسياسة روح هي الحرب وحياة هي الدبلوماسية" رؤية الباحثين بقوله: إنها "تنطلق من فرضيات شبه تقليدية غذتها بحوث غربية غير مباشرة، ومن انطباعات ذهنية مستقرة تحتفظ حتى الآن، بصورة سيئة عن أداء قاصر لمؤسسة الخارجية المصرية في الحقبة الناصرية، حين (تعسكرت) مناصب السفراء بنسبة ٧٠٪، وهي نسبة لم تسجل في أي مكان آخر".
ويشير الجوادي إلى أن فشل الدبلوماسية المصرية بلغ أن تعرضت مصر لهزيمة هزيمة يونيو ١٩٦٧ دبلوماسيًا، قبل أن تحدث عسكريًا.
وأضاف أن "تلك الهزيمة قد وجدت حظها من الاقتداء المتكرر فيما يمكن تسميته بالسلوكيات الجمهورية العربية، بطريقة أصبحت ملهمة لكل الهزائم العربية الشمولية التالية لمأساة 1967، بما فيها أو حتى على رأسها سقوط بغداد المهين".
ولفت إلى أن الدبلوماسية العسكرية غلبت نجاحاتها في تلبية الاستحقاقات الداخلية والذاتية، على واجباتها في المحيطات والمحطات الخارجية، مما ساهم في إضعافها.
وأشار إلى أن عددًا من مدارس الدبلوماسية العربية قد سبقت في الالتزام بأطر محددة من خطوط التعامل القائمة على قرارات سابقة، وتوجهات ثابتة، مضيفًا أن: "هذا جعل من اليسير بالفعل أن يتم التنبؤ الصحيح بقرارات المسلمين والعرب في السياسة الخارجية، مع ترك مساحات معقولة لتعظيم الإسهامات أو تقليلها، وتوقيتات التحول من توجه لآخر".
وأضاف أن: "الأداء الدبلوماسي الإسلامي عانى بصفة متصلة ومتجددة، من آليات لولبية التأثير تعود إلى طبيعة القلق الاستعماري والصهيوني من كل تفوق إسلامي، وهي آليات بالغة الخبث بقيت بمثابة سبب مباشر لاستثارات غير معروفة التاريخ، وإن كانت لا تخرج عن نوازع التحريض والتربص المتكررين".
سياسة الأبواب المفتوحة تعيد مظاهر التفوق المهني
وتابع الجواد مقالته مشيدًا بالدبلوماسية العربية حاليًا، حيث قال: "ومع كل هذا بل وبناء عليه فإنه يمكن للمحلل المنصف الآن، أن يشيد (بثقة واطمئنان) بكثير من مظاهر التفوق المهني في الأداء الدبلوماسي لعدد كبير من الدول الإسلامية الفاعلة في محيطها وفي العالم".
وقال: إن "هذا النجاح تجلى في استمرار سياسات الأبواب المفتوحة حتى مع إيران ثم مع روسيا، وهو ما أدى بهدوء ونعومة، إلى ابتعاد الموقفين الإيراني والروسي عما كانا مندفعين إليه بالغريزة من توجه متسارع نحو مضاعفة التورط العسكري، والعمل على إثبات الذات بإبادة الآخرين".
واعتبر أن الأداء الدبلوماسي المتعقل لمحور السعودية وتركيا وقطر (والذى تتوج بزيارة رسمية لموسكو قام بها أمير فطر)، فتح آفاق التفاهم، ما كان كفيلًا بأن يوهن من الآثار المترتبة على الانصياع لأحادية الرؤية، أو المضي مع سياسة الشاطئين والعداوة الفاصلة عبر نهر الحدث.
الدبلوماسية العربية غائبة عن الأزمات بالمنطقة
فيما يرى وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي، أن الدبلوماسية العربية غائبة بشكل كامل عن الصراعات والأزمات الحالية في المنطقة العربية، مضيفًا أن "بعض الدول العربية تقدم الدعم العسكري لجماعات مختلفة ومحاربين في الصراعات الجارية الآن، في ليبيا واليمن والحرب ضد الإرهاب في سوريا والعراق، مع هذا اختفت بشكل كامل الدبلوماسية العربية، وتقود أطراف غير عربية الجهود الدبلوماسية في كل من هذه النزاعات الإقليمية".
وعلل فهمي في مقال له نشرته جريدة الأهرام المصرية بعنوان "الدبلوماسية العربية الغائبة
خمس خطوات لاستئناف التحركات السياسية النشطة وتحقيق الاستقرار العربي"، أن الأسباب البارزة والتي أدت لغياب الدبلوماسية العربية تتمثل في قصورها في "إدارة التغيير" و"ضعف في قدرات الأمن القومي".
وأكد فهمي في مقالته أن أي محاولة لتوقع مستقبل الدبلوماسية العربية في ظل التقلبات السائدة في الشرق الأوسط اليوم، تعتبر مجازفة محفوفة بالمخاطر إن لم تكن تهورًا، مضيفًا أنه "مع ذلك فإن التخطيط الاستراتيجي ضروري لوضع سياسات طويلة الأجل، وعلينا محاولة قراءة المستقبل والتفكير في السيناريوهات القادمة للمنطقة".
وأبدى فهمي دهشته من غياب الدبلوماسية العربية الجادة في ظل المخاطر والصراعات التي تضرب المنطقة العربية، مضيفًا أن "وزراء الخارجية العربية قضوا ما يزيد على تسع ساعات لاختيار الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية الله يعينه ويوفقه، ولم يمض القادة العرب طوال هذا العام نصف هذا الوقت في مناقشة أي من القضايا الإقليمية الخطيرة مثل، ليبيا، وسوريا، والعراق، واليمن".
وتابع أن الدبلوماسيين العرب "لم يناقشوا جماعياً أو ثنائياً كيفية مواجهة الضغوط الدولية القادمة لحل أغلب هذه النزاعات، من خلال تقسيم أراضيها ودولها، ولم يتشاوروا حول تداعيات كل ذلك على مواقف الجاليات غير العربية بدولهم، أو أثر إبراز الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية على النسيج الاجتماعي لأوطانهم".
ووضع فهمي عددًا من المقترحات لتنشيط الدبلوماسية العربية، ووضع نموذجًا جديدًا للأمن في الشرق الأوسط من حدود العالم العربي للداخل، ومن نفس الحدود تجاه الجيران الإقليميين.
وتتمثل تلك المقترحات في إصدار وثيقة مواطنة للدول العربية، إنشاء صندوق اجتماعي عربي، وإجراء مشاورات عربية لوضع تصورات وضمانات للحفاظ على وحدة الدول العربية المتنازعة.
وأضاف للمقترحات السابقة مقترحًا بتشاور العالم العربي حول الإطارات المطلوبة من تركيا وإيران للبدء ببناء الثقة بينها وبين العالم العربي، بالإضافة لتنشيط وتطوير هيئة التصنيع العربية، والتي يمكن أن تعيد التوازن جزئياً إلى قدرات الأمن القومي العربي، وتمكن الدول العربية من التصدي بشكل أكفأ للعديد من النزاعات أو المخاطر المهمة.
نيسان ـ نشر في 2016/04/02 الساعة 00:00