خان.. تكريس لـ(المدنية) في مواجهة المحاصصة السياسية
نيسان ـ نشر في 2016/05/07 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
تغنّى الفرحون بفوز صادق خان برئاسة بلدية لندن؛ لاعتبارات متعلقة بكونه من أصول عربية إسلامية، تجلس اليوم على كرسي بلدية العاصمة البريطانية، فيما يشتعل الشرق الأوسط بالسنة نيران التطرف والإقصاء.
ليس مهما ما هي أصول خان وديانته، لكن المهم هو في تقديم لندن نفسها بكونها مدينة لا ترفض أحداً بالنظر إلى أصوله أو معتقداته، بل هو درس حقيقي للجميع في إمكانية تحويل التغيير والتنوع الديمغرافي من معول للهدم والتفرقة إلى أسباب حقيقة للبناء ومراكمة النجاح والإنتاج.
ياتي فوز خان في وقت تنشغل المنطقة العربية في احتراب أهلي، بدأ بوقود المعتقدات الدينية، لكن الخشية من استمراره حتى يأتي على كل الهويات الفرعية، المهيأة لاستنساخ الاقتتال بدواع المحاصصة السياسية، وإفرازاتها، على شكل "كانتونات" بشرية، مسكونة بإقصاء الآخر كبداية لتوفير أسباب الإجهاز عليه.
اليوم يتبوأ خان- الذي ينحدر من أصل باكستاني مسلم- منصب عمدة لندن بعد انتخابه من الملايين، ليمضي في ترجمة وعوده لناخبيه، لكنه في الآن ذاته قدم نموذجاً آخر في محاربة التطرف من دون الحاجة إلى خطط، وورشات عمل، وندوات، واستراتيجيات، كل ما فعله الرجل أنه وضع إطاراً اجتماعيا واقتصادياً لخطته ورؤيته السياسية لتحسين واقع مدينة الضباب .
بالنظر إلى تجربة بلدية لندن فإن منطلقات الاختيار تستند إلى جملة من الظروف والمتطلبات والبرامج التنموية والخدمية والسياسية، لكن يغيب عنها المرتكزات الدينية والعرقية، في انعكاس حقيقي لمرتكزات الدولة المدنية وأسس بنائها.
بعيدا عن التدقيق في أرشيف رئيس البلدية وانتماءاته الحزبية، فإن المهم هو في التقاط آثار غياب المواطنة الحقيقية وما يتبعها من قضم لحقوق المواطنين، ولجوئهم إلى هويات فرعية أخرى لمواجهة حالة الخذلان الرسمي، وانتزاع "حصتهم" في اقتسام ما يمكن اقتسامه.
الخطير أيضا في غياب المواطنة ما توفره من أسباب حقيقية لأنتاج أو استئناف ثورات الشعوب المنهكة من شق مجتمعاتها طوليا وعرضيا، وحسب ما تقتضية مصالح الأنظمة.
بقي القول، إن مؤسساتنا التشريعية والخدمية وحتى السياسية، أحوج ما تكون اليوم لثورة بيضاء، تكنس بوجهها كل عناوين الشللية، والمناطقية، والجهوية، والطائفية، والعشائرية وكل ما يكرّس حالة المحاصصة في الدولة، في سبيل مأسسة حالة ثقافية أخرى ترفض التفرقة والإقصاء ووتمسك بأسباب التعايش والبناء.
نيسان ـ نشر في 2016/05/07 الساعة 00:00