في المستجدّ الأردني

معن البياري
نيسان ـ نشر في 2016/06/27 الساعة 00:00
يعتصم شبّانٌ عاطلون في بلدة ذيبان (قرب عمّان) في خيمةٍ، مطالبين الحكومة، السابقة برئاسة عبدالله النسور والراهنة برئاسة هاني الملقي، بتوفير فرص عمل. قرأنا، والله أعلم، أن الحكومة يسّرت وظائف لأربعة عشر منهم، ورفضوها. لم يحظ اعتصامهم بانتباه إعلامي محليّ كافٍ، ولم نكن في الخارج لنعرف شيئاً عنه، لولا التصعيد المقلق الذي استجدّ، أخيراً، في صداماتٍ مع قوى الأمن التي بدت على شيءٍ من الخشونة والحدّة في ساعات ما بعد الإفطار في الأيام القليلة الماضية. وفي الأثناء، أصيب عناصر من الدرك بإطلاق نار، اضطر وجهاء ونشطاء للتبرير لاحقاً بأن المرتكبين مندسّون. وبذلك، صارت القصة هي الدولة وهيبتها، والخروج على النظام العام. وبتنا نطالع من يكتب إن البطالة مشكلةٌ عجزت عن حلها دولٌ كبرى ومتقدّمة، وثمّة من صاح محذّراً من "ربيع عربي" في هذا الصيف الأردني.
تتجاوز هذه الوقائع، في أصلها ومنشأها، محدوديّتها في بلدةٍ تتبع محافظة مأدبا، إذ تتصل، بداهةً، بالوضع الاقتصادي الصعب في الأردن، وبأحوالٍ معيشيةٍ متدنيّة، تعاني منها شرائح غير هيّنة من المواطنين، وكذلك بمغالبة أعدادٍ كبيرة من الشباب الأردني إحباطاً ظاهراً، يصل، عند عديدين منهم، إلى تخوم اليأس. وإذ يجري في ذيبان ما نتابعه بشيء من القلق والترقب، بعد أيامٍ من الجريمة الإرهابية التي استهدفت نقطةً حدودية شمالية مع سورية، وقضى فيها سبعة عسكريين، فذلك يعني أن المشكلة الاقتصادية والاجتماعية المعيشية في الأردن صارت تتوازى مع نيران إرهابٍ معلن، يستهدف المؤسستين العسكرية والأمنية، بالنظر إلى أن تلك الجريمة باغتت البلاد بعد أيامٍ من استهداف مكتب مخابرات البقعة وعين الباشا، وسقط فيه خمسة عسكريين. وكانت إربد قد شهدت سقوط ضابط في صدام مع إرهابيين مسلحين في مارس/ آذار الماضي. وفي نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، جرت واقعة إطلاق نار على مركز تدريب للشرطة وقضى فيها خمسةٌ بينهم أميركي. ويفرض تتابع هذه الحوادث انتباهاً حاذقاً إلى ما يبيّته ناس تنظيم داعش وخفافيشه وأنصاره ضد الأردن، عندما يرمون بنيرانهم الجيش والمخابرات والشرطة. وفي البال أن ثقة الأردنيين بهذه المؤسسات مرتفعة، فقد كشف المؤشر العربي لعام 2015 الذي أنجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن الأردنيين أكثر العرب ثقةً بهذه المؤسسات في بلدانهم، وتصل إلى مستوىً قياسي بالجيش (85%)، وتبلغ بشأن المخابرات 79% وبشأن الشرطة 68%.
لا مدعاة، هنا، لتكرار ما شدّد عليه زملاءُ أكثر اقتداراً، عن وجوب عدم الاقتصار على الصيغ الأمنية في اجتراح الحلول للمشكلات الاقتصادية التي تسوّغ الاعتصامات والاحتجاجات، الشبابية وغيرها. فالمقصد من هذه السطور تذكير غير الأردنيين، في غير بلدٍ عربي، وإنْ يكتوي بعضهم بالذي نرى ونعرف، بأن الأردن، البلد الآمن الذي ينعم باستقرار سياسي وتوافق اجتماعي، حماه الله وأهله، بات يشهد نُذراً مقلقة، على صعيدين: الإرهاب الذي يريد أن يطاول أمنه وعصب الدولة الأساسي فيه، والتأزم المعيشي الذي تتبدّى مظاهره في الغلاء الذي لم يعد محتملاً، وكذا البطالة التي ارتفعت في العام 2015 عن سابقه 2.4%. وحين تعصى الحلول عليها، لا تجد الحكومات المتعاقبة غير رفع الأسعار والضرائب والرسوم، كما "أبدعت" في ذلك كله حكومة عبد الله النسور، والظاهر أن همّة حكومة هاني الملقي في هذا الصدّد نشطة، إذ بادرت إلى الأمر نفسه، قبل أن تُكمل شهرها الأول.
الأردن بخير، إن شاء الله، وليس إشاعة التطيّر من أمرٍ جللٍ قد يتعرّض له، لا سمح الله، غرض هذه السطور، وإنما هي الدعوة الملحة إلى اجتراح صيغ إبداعيةٍ في الحلول المتوخاة لحماية البلاد من نذر إرهابٍ مقلق واضطرابات اجتماعية تتسبّب بها أوضاعٌ معيشية لا تتحسّن. وليس كاتب هذه السطور من في وسعه أن يقدّم هذه الصيغ والحلول، فأهل الكفاءة والدراية في الأردن، وبينهم في مواقع المسؤولية وصناعة القرار، كثيرون. وأولوية الأولويات قدّامهم أن ينبّهوا إلى أن الضرب بيدٍ من حديد ضد الإرهاب والإرهابيين لا ينبغي أن يتوازى بضربٍ من حديدٍ آخر ضد من يحتجون على بطالةٍ يكابدونها وأسعار تكويهم وفقرٍ يعاندهم واختناق يشعرون به.
مشاركة

    نيسان ـ نشر في 2016/06/27 الساعة 00:00