عالم لا يستحق الأذكياء

نيسان ـ نشر في 2015/05/20 الساعة 00:00
عالم لا يستحق الأذكياء أنسام التمام الصف العاشر الأم: رأيته من بعيد قادم كما يأتي أول الربيع بزهور ونسيم عليل، لا أستطيع وصف ذلك الشعور الذي كساني عندما حدقت في عينيه ووضعته فوق حجري، ولكن كلّ الذي كان بحوزتي هو قلب ينبض بحبه لأنه ودون أي إضافات: قطعة مني. الأب: عندما عرفت أنه جاء، أخذت ألملم نفسي في غرفة الانتظار، شيء معروف جعلني أكون سعيدا، وشيئ مجهول جعلني أقف برهة على حافة جبال المستقبل ليربكني شعور بالخوف، وأمر بكلمتي ماذا و لماذا دون أن أعيرهما اهتمام، ليس لأنهما كلمات تخالف المنطق بل لأنهما المنطق بحدّ ذاته. الابن: لقد جئت...حاملاً معي ما تحمله الفراشة عند خروجها من شرنقتها. الأم: عندما بدأ يكبر... كنت أشعر أنه حمامة تمشي بعكس سربها. الأب:وعندما بلغ نصف عقده الأول، وبان عليه علامات غريبة، وتصرفات لا تشبه تصرفات أي طفل عادي، قررنا أن نأخذه إلى الطبيب. الابن: زرنا الطبيب، ألقى ما يسمونها بالتحية علي، ولكنني كنت واضع بيني وبين من حولي غشاء يحجبني عنهم، إنني لا أكترث بهم، لأنني وباختصار أعرف أن الحياة أتفه من أن نعطيها كل هذا التركيز والجهد. الأم:يحاول الطبيب لفت نظر ابني بحركاته، ولكن أجد صغيري في عالم أخر، وفجأة نرى بؤبؤ عينه قد انحرف وكأنه قرر أن لا يرانا، وكأنه يضع غشاء بيننا وبينه. الأب:عندما عدنا من عند الطبيب، بعد أن جرّعنا تلك الجملة السامة " ابنك مصاب بالتوحد "، شعرت أن كل شيء من حولي يهمس ذات الجملة، كل شيء كان متفق علي، أنا وهذا الطفل الذي يدري ولا يدري وزوجتي التي قررت أن تدخل أحد متاجر الألعاب، لنفرح صغيرنا الكبير . الابن: أدخلوني متجر الألعاب، وأغلب ظنهم أنني أكترث لإسفنجة غبية يضعون فوق رأسها قبعة رعاة بقر، وبينما انشغل والداي والبائع في اختيار دمية لي، كنت أنا قد فككت جهاز عدّ النقود ثم أعدت تركيبه. الأم:ذهل البائع ! وذهل أبوه ! وذهلت أنا !، من شدة ذكائه كنت حزينة، نظرات البائع في المتجر كانت أشبه بمسامير، تراجعت الدمعة خطوات عن الهبوط، ثم قبلت صغيري وأخذته، دون إضافة... أي إضافة توقف التيار الكهربائي الذي أصبنا به. الابن : يذهلون مني وهم لا يعلمون أن أصغر حلم لي يبلغ عنان السماء تقريبا، وأجمل مكان أنام فيه هو حافة الشرفة، بجوار العصافير وقوارير الريحان و النعناع. الأم: كلما كنت أحاول أن أنزله عن حافة الشرفة، كان يمتنع، وكان يسرح في حركة شفاه الشاب الذي يذاكر في الشرفة التي أمامنا، وفجأة أجد صغيري قد مسك القلم والورقة، وبدأ يكتب ما أتوقعه قد خرج من همس الشاب، لا أدري كيف فهمه، ولكن كل الذي أنا متأكدة منه أن صغيري عبقري. الأب: عندما آتي بكأس الحليب، وهو جالس على حافة الشرفة، لا يفعل شيئا إلا أن يعطيني الأوراق، ليذهلني كما يفعل دائما، أحاول أن أسقيه كأس الحليب، ولكنه لا يستجيب، فيغرق قميصه بالحليب الساخن، وهو لا يكترث لذلك. الابن: وذات يوم سمعت الطبيب يقول لوالداي:" سنستأصل جزء من دماغه، ليكون إنسانا طبيعيا، ليستطيع العيش، والاستمرار في هذه الحياة". فأجابته أمي وعيناها قد لونتهما الدموع: "أرجوك أيها الطبيب، ابني عبقري، كيف ستفعل به هذا ". قال والدي وهو يضع يده على كتفها: " يجب أن نوافق على هذه العلمية، من أجل هذا الطفل البريء، بالنهاية يجب أن يعيش حياة طبيعة ككل أقرانه. الأم : دخل غرفة العمليات، وقلبي يتلوى فوق نيران ساخنة، سبع ساعات... لقد تبخر صبري... فتكاثف في سماء القلق... وهطل خوفا فوق قلبي....ثم ماذا بعد ؟ الأب: أخيرا قد خرج، لا أستطيع أن أقترب منه، ولا حتى أن أضع إصبعي فوق جرحه، فهذا الإصبع هو ذاته الذي وقع على دخوله للعملية. الابن:مرت ثلاث أيام شداد، ثم استيقظت بعدها... استيقظت لأرى كل شيء بعين أخرى... الأشياء توأمة الأشياء، ولا شيء كالسابق، لساني يريد أن ينطق، وعيناي تريد أن ترى كل جميل، إنني أصبحت أكترث للحياة. واتجهت نحو الشرفة، ماذا ؟ لا أستطيع أن أجلس فوقها، حقا !. ركضت مسرعا نحو دفتر مذكراتي وفتحته، وسجلت ولأول مرة أنني في تاريخ اليوم قد بكيت، وعلى أقرب سطر كتبت: سحقا لعالم لا يستحق الأذكياء.
    نيسان ـ نشر في 2015/05/20 الساعة 00:00