ملك جمال لبنان: جسد الرجل لم ينجُ من التسليع (صور)

نيسان ـ نشر في 2016/09/03 الساعة 00:00
انتهت حفلة ملك جمال لبنان، وعاد المتسابقون إلى بيوتهم، ونال الفائز بول اسكندر جوائز كثيرة (منها جزء من ثمن شقة، ومنحة جامعية، وثياب وعطور ثمينة). لم تتسبّب المسابقة هذا العام بجدل على مواقع التواصل، كما حصل العام الماضي، حين اقترح أحد المشتركين حلاً "عجيباً" لأزمة النفايات. ففي خضمّ تظاهرات عام 2015 ضد الفساد الذي أدّى إلى تراكم النفايات في بيروت وجبل لبنان، اقترح المشترك سمير أبو أنطون ردّاً على سؤال لجنة التحكيم، بأن يحمل كل مواطن كيس نفايات ويضعه في بيته! مرّت دورة 2016 التيعرضتها محطة "أم تي في" بسلام، فلا إجابات صادمة، ولا سجالات حول ذكاء المشتركين، ولا حول مدى ثقافتهم أو إنجازاتهم المهنية. لكن نظرة سريعة إلى صفحة المسابقة على فيسبوك، تنبّهنا إلى ما صارت تكرّسه مسابقات ملك جمال لبنان من ثقافة تشييء وتسليع لجسد الرجل. ففي سلسلة صور التقطت للمتسابقين على البحر، تركيز على عضلاتهم، ومعداتهم المقطّعة، وأفخاذهم، وصدورهم. تذكّر هذه الصور بحملات بعض علامات الملابس الداخلية الخاصة بالرجال. وبما أنّها مسابقة "جماليّة"، فقد لا يرى كثيرون الصور "صادمة" أو خارجة عن المألوف، لكن من الواضح أنّها تضع أجساد المشاركين في سياق تسليعي، وتقدّمهم كمجسّمات جامدة ومجرّدة من إنسانية أصحابها، ومستباحة لمحبّي التلصص.
سؤال التسليع حاضر بقوّة في حالة مسابقات الجمال الخاصة بالنساء، ويستعاد سنويّاً مع تنظيم حفلة ملكة جمال لبنان، التي هي تقليد غير شائع في الدول العربية. تسود مجتمعاتنا ثقافة ازدواجية في التعاطي مع جسد المرأة، نابعة من موروث ذكوري طاغٍ، ومن أفكار نمطيّة في توزيع الأدوار الجندرية. فالمرأة مطالبة بأن تكون أوّلاً جميلة (لا بل فقط جميلة، ويكفي). هكذا، تفوز من تنتخب ملكة لجمال لبنان بفرص كثيرة في مجالات التمثيل والإعلان والإعلام، وتصير شخصية عامة، وإنجازها الأبرز تاجٌ جماليّ. يعتمد الشكل الجميل كمعيار كفاءة أساسي في بعض الوظائف، خصوصاً على الشاشة، مع تهميش كامل للعقل والشخصية والثقافة. في الوقت ذاته، تعيّر النساء بأجسادهنّ، وتوصم كلّ امرأة على قدر معيّن من الجمال بالغباء. وعلى طرفٍ نقيض، تستباح أجساد النساء "غير الجميلات" (الكبيرات في السنّ، البدينات،...) بالتنمّر والتمييز والإقصاء. يبدو أنّ مفاهيم التسليع والتنميط ذاته ترافق متسابقي ملك جمال لبنان. فمن الواضح أنّ المتسابقين يبحثون عن مساحة لهم في الضوء، من خلال التعويل على أشكالهم. كما أنّهم يعتبرون أيّ ظهور لهم أمام الكاميرا، إنجازاً كبيراً، حتى ولو جاء على حساب الاستهانة بذكائهم. إذ يكفي أن تكون جميلاً لتنال هدايا بآلاف الدولارات، وربما لتحصل على فرص عمل في مجال التلفزيون. لكن، في الوقت ذاته، بمجرّد أن تشارك في مسابقة من هذا النوع، ستكون عرضة للسخرية، لأنّك لست "رجلاً كما يجب أن يكون الرجال"، أو كما ينتظر منك مجتمعك أن تكون. فالمفاخرة بالجمال من شيم النساء أو "الإناث" فقط، بحسب ما قال المتسابق كيفن مارتين خلال حفلة هذا العام. جاء حديث مارتين ردّاً على سؤال جراح التجميل نادر صعب الذي قال مغازلاً زميلته في لجنة التحكيم هيفاء وهبي: "نحن في حفل جمالي بامتياز، اقنع هيفاء أنك تستحق لقب ملك جمال لبنان". فردّ مارتين متوجهاً بكلامه إلى وهبي: "في حياتك واجهت انتقادات كثيرة، وحوربتِ. ونحن الآن نجد من يقول لنا أنّ "ملك جمال لبنان مش الك"، فالنظرة لهذا اللقب مائلة للأنوثة. للأسف المجتمع الشرقي ما فيه جمال للرجل. سأسير على خطاك لأكسر هذه المعادلة". من الإيجابي أن يفكّر مارتين بتحطيم مفاهيم الذكورة السائدة في المجتمعات العربية، والتي تمرّ عادة بالخشونة والعنف وحبّ السيطرة أو الفروسيّة. صفات يلعب عليها دوماً بعض المسلسلات اللبنانية، حيث يكون الرجل المثالي غنيّاً دوماً، أو رجل عصابة يخفي طيبته وكرمه. من دون أن يقصد، أشار كيفن مارتين إلى مكمن الخلل، فتعيير المتسابقين بـ"الميل إلى الأنوثة"، يعني المساواة بين الرجال والنساء كضحايا لثقافة تشييء الأجساد. تلك ثقافة تعيش النساء تحت وطأتها بشكل عنيف، ويوميّ، يظهر في تبرير جرائم الشرف، والاغتصاب، والتحرّش، والتعنيف الأسري. فجسد المرأة من ضمن مقتنيات الرجل والمجتمع، وسلعة مستباحة في الإعلانات والفضاء العام. ترسيخ ثقافة تسليع جسد الرجل، قد يضعه في سياقات مشابهة، مع اعتباره "ذكراً ناقصاً"، وبالتالي مستباحاً. من دون أن ننسى أنّ تسليع الأجساد كلعبة إعلاميّة، يدفع المراهقين إلى العيش في هوس الحصول على الجسد المثالي، وهذا ما يقلّل الثقة بأنفسهم. فهم يفترضون أنّ الشهرة والمجد والنجاح والحب، كلها جوائز مشروطة بالحصول على معدة مقطّعة.
    نيسان ـ نشر في 2016/09/03 الساعة 00:00