(أنت رجل لا يجوز أن تعبر عن مشاعرك).. قاعدة يربى عليها الأبناء!

نيسان ـ نشر في 2016/09/26 الساعة 00:00
“الجدية.. الصرامة.. الجفاف في المشاعر..” وغيرها من الصفات التي تنتقدها الثلاثينية أم سهيل في شخصية شقيقها الأكبر مهند، مؤكدة أن هذه الصفات لم تأتِ من عبث، بل نتيجة التربية التي نشأ بها، مفادها بأن “الولد لا يبكي.. سيصبح رجلا”.
تقول أم سهيل “نحن أربع شقيقات، ولدينا شقيق واحد، تربينا سويا على الحب والاحترام فيما بيننا، لكن أشعر وشقيقاتي بأن أخانا الوحيد بعيد عنا كل البعد، يكبت التعبير عن عاطفته في العديد من المواقف، أتمنى أن ألمس الحنان في معاملته”.
وتضيف أم سهيل “أتذكر بأنه لم يستطع التعبير عن غضبه أو حزنه عندما كنا صغارا، حتى عندما يصاب بمكروه، يجب أن لا يذرف دموعه، أو يصرخ تعبيرا عن الألم أو الغضب كما كنا نفعل نحن الفتيات.. والعديد من هذه السلوكيات أعتقد بأنها السبب في جموده واستحيائه من التعبير عن مشاعره”.
يتعرض الإنسان لمواقف تحتم عليه التعبير عن مشاعره الإنسانية، ويلجأ للبكاء أو الضحك أو الصراخ للتعبير عن الحزن أو السعادة، وللتخفيف عما يجول في صدره.
ويرى البعض أن الأمر مقتصر على النساء دون الرجال، فيربى الطفل الصغير (بأنه رجل عليه أن لا يبكي)، ولا يعبر عن مشاعره الداخلية وكأن البكاء يصنع منه شخصا ضعيفا مهزوزا لا يمتلك صفة الرجولة.
وكذلك الحال في منزل عائلة أبو أمير، الذي يختلف بها الزوج والزوجة حول هذا الأمر، فالزوجة تعتقد بأن جميع أبنائها الذكور والإناث يفترض أن يعبروا عن مشاعرهم الإنسانية الداخلية، بينما يرى أبو أمير أن أبناءه الذكور يجب أن يتمتعوا بشخصية قوية وألا يبكي أي منهم أو يشتكي.
تقول أم أمير “أكثر موقف آلمني على ولدي الصغير سمير، عندما أصيب بكسور في قدمه اليسرى نتيجة وقوعه على درج المنزل، مما أدى لخضوعه لعملية جراحية وتجبير القدم، جراءها تألم كثيرا، مما دفعه للبكاء والصراخ أحيانا، ولم يكن من زوجي سوى إسكاته ليس بكلمات التهدئة والتخفيف عنه، بل بعبارة أنت رجل هل ستبكي مثل النساء”.
وتضيف “ليس في هذا الظرف فقط يتصرف زوجي كذلك، فعندما يرى أحد الأبناء يثير الضحك في المنزل.. أو يعبر عن سعادته تجاه أمر ما بطريقة مرحة كالقفز أو الغناء، يحاول إيقافه، مؤكدا أن عليه أن يتحلى بالرزانة”.
ويضحك ساخرا الخمسيني أبو مؤيد، معلقا “تعلمنا منذ الصغر أن الرجل بلا قلب وبلا مشاعر، قاس كالصخر لا يبكي، لديه هيبة، لا يضحك أمام الناس، بينما المرأة متاح لها أن تبكي متى ما تشاء، وأن الدموع تعبير عن الضعف، لذا يجب أن لا يظهر الرجل ضعيفا بذرف دموعه، أو التعبير عن أحاسيسه”.
يقول أبو مؤيد “البكاء ظاهرة إنسانية نتمكن من خلالها من التعبير عن الحزن أو الفرح ونتميز بها، وهي نعمة من الله وهبنا إياها”.
ويضيف “عندما نفقد عزيزا.. أو نصاب بألم ما.. أو نفقد محبوبا.. أو نشاهد موقفا إنسانيا نراه على نشرات الأخبار أو الشارع.. لماذا عيب علينا أن نخرج هذه المشاعر النبيلة وكأنها تنفي الذكورة، للأسف نشأنا هكذا.. وأعتقد أن هذا الأمر يسبب لنا أمراضا داخلية مخفية”.
وتعبر الطالبة الجامعية عن رأيها بالقول “أرى أن البكاء والتعبير عن المشاعر حق للجنسين، وعلى الرجل أن لا يخفي مشاعره الإنسانية مثل البكاء، رغم أن العديد منهم يقومون بإخفاء دموعهم عن الأنظار خصوصا أمام الفتيات”.
وقال الخبير الاجتماعي د. حسين الخزاعي “إن التنشئة الاجتماعية التقليدية الخاطئة تربي الأبناء الذكور على الرجولة والقوامة والقيادة والتربية الخشنة كونه وريث الأب في المسؤولية والإعاقة”.
ويضيف “التقليد الأعمى في التنشئة الاجتماعية يضع قيودا على الذكور منها عدم الضحك والبكاء والصفح والتنازل كونها تمتهن من كرامتهم ووجودهم ومكانتهم أمام المجتمع”.
ويبين الخزاعي “هذا سلوك سلبي، فالرجل لديه مشاعر وأحاسيس وعاطفة ويجب تفريغها وعدم كبت المشاعر، فالكبت يؤدي إلى مضاعفات نفسية وجسمية خطيرة مضرة في الإنسان، وعدم البوح في المشاعر وكبتها من الأسباب التي تؤدي إلى إصابة الإنسان بالتعب والإرهاق والتوتر وأن 35 % من الأشخاص في المجتمعات الغربية هم المعرضون للإصابة بالنوبات القلبية وأمراض النفس الجسيمة”، وينصح الخزاعي بعدم كبت المشاعر، وأيضا عدم المبالغة في التعبير عنها.
ويلفت اختصاصي علم النفس التربوي د. موسى مطارنة إلى أن المجتمع الشرقي والمجتمع الذكوري صور بثقافته الرجولية على أنها نوع من الصلابة وعدم الإحساس والتفاعل بأن الرجل لا يبكي، وكأنه حجر صخري لا يحس ولا يتألم ولا يتفاعل ليس لديه عواطف ولا مشاعر، هكذا حاول أن يلتقط الرجل الشرقي أو المربي الشرقي تشكيل صفاته، وبالتالي نقلها هذا النمط لأبنائه، فقد نشأ في الطفولة (أنت رجل لا تبكي) وكأن البكاء عيب أو عار، ملتصق بالأنثى فقط.
ويضيف أن هذا لا يعني تضاربا مع الإنسانية، فالرجل إنسان يضحك ويبكي.. يغضب ويرضى.. هي طبيعة التكوين البشري، والإنسان الذي يبكي هو إنسان في قمة عاطفته وإحساسه بالآخرين.
يقول مطارنة “هذه الثقافة التي تشكلت عبر ملايين السنين في المجتمع الشرقي والعربي أخذت أبعادا مختلفة في إعداد الذكورية وتكوين الذكور والمجتمع الذكوري حتى غدا الرجل وكأنه يقود الكون.. يقود الحياة بعصبيته وصلابته بعيدا عن ابتسامته، لا يجوز أن يضحك.. يجب أن توحي تقاسيمه بالرهبة والخوف”.
ويبين أن البكاء من الصفات الإنسانية والعاطفية التي تتطلبها الحياة في مواقف مختلفة، وأحيانا يكون البكاء حالة من التنفيس الانفعالي، وهو مطلوب في حالات الضغط النفسي الشديد، وحالات الصدمة النفسية والألم النفسي. الغد - منى ابو صبح
    نيسان ـ نشر في 2016/09/26 الساعة 00:00