مفاوضات الأستانة لن تنجح

نيسان ـ نشر في 2017/01/06 الساعة 00:00
فتح رضوان بكل بساطة مفاوضات أستانة فاشلة بكل المقاييس كما فشلت العملية السياسية الجارية في العراق وحتى لو تم تقيد جميع الموقعين على وقف إطلاق النار في سوريا بوقف إطلاق النار. كل طرف من الموقعين على بدء هذه المفاوضات والضامنين لها ولوقف إطلاق النار ينطلقون من وقائع ليس لها أي صلة بمستقبل وأمن وحرية تقرير المصير للشعب السوري. روسيا تريد تغطية على جرائم القصف الجوي والتهجير والخروج من المأزق بمكسب سياسي ونفوذ في الساحة الإقليمية والدولية وكل بروباغندا الانتصار في حلب لا يسمن ولا يغني من جوع على أرض الواقع فروسيا محشورة تماما كما النظام السوري والمليشيات الإيرانية في مساحات لا تشكل نسبة تذكر في مساحة سوريا وكل قوتها محصورة في السيطرة الجوية والتدمير الذي فاق كل بشاعات الحروب العالمية السابقة. إيران تعلم أنها خسرت معركتها في سوريا تماما وهي تريد من المفاوضات ضمان بقاء موقع القدم في سوريا والقدرة على التأثير على الأرض تماما كما تفعل من خلال حزب الله في لبنان. النظام السوري لا يستطيع أن يقول لا لروسيا التي أنقذته من السقوط وهو سيكسب على الأقل مسحا لجرائمه على الأرض ومنفذا آمنا لشخوصه بموجب اتفاقات أستانة يباركها لاحقا قرار من مجلس الأمن. فأين كل ما سبق من هموم السوريين ....أين هي القوة الضامنة الحقيقية على الأرض لأي اتفاق قد يجري إبرامه ولا سيما أن الأمم المتحدة وكل الدول العربية وأمريكا ليست طرفا الى الان في هذه المفاوضات حتى لو أيدتها ...فجميع هذه القوى إما تخاذلت عن نصرة شعب طحنته الطائرات الروسية أو ليس لقواها التي تدعمها سيطرة مؤثرة على الأرض السورية. قبل كل شيء معظم مساحة سوريا إما تحت سيطرة تنظيم الدولة أو المعارضة أو الأكراد كما توضح الخريطة أدناه وبالتالي فمن سيضمن الأمن والسلم والسيادة في المناطق التي لا يسيطر عليها النظام أو جزء المعارضة الذي وقع على وقف إطلاق النار إن نجاح أية مفاوضات تعني قبل كل شيء توافقا على كيفية بسط السيطرة على الأرض ومن مِن القوى الموقعة على اتفاق وقف إطلاق النار قادرة على فرض السيطرة على مناطق سورية شاسعة هي غير موجودة فيها. إن مفاوضات الأستانة تخدم الأمم المتحدة وأمريكا وتريحها من المسؤولية الأخلاقية عن ما يجري على أرض سوريا ولكن ما الثمن. الثمن هو الفوضى والدماء التي ستراق في كل مساحات سوريا دون حسيب أو رقيب فمن دون مساعدة المجتمع الدولي ورضى الشعب السوري عن الحل الذي سيتم الاتفاق عليه فلن يضحي أحد من أجل تحرير الأرض السورية من قوى التطرف التي سيطرت عليها بل ربما تزيد هذه الاتفاقات المنقوصة من الاستقطاب على الأرض وتجلب مزيدا من الدعم والحواضن الشعبية لقوى التطرف وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية وثمن هذا الواقع سيكون باهظا على دول الإقليم ولا سيما تركيا والخليج العربي والأردن. ما يدفع لهذا القدر من التشاؤم هو الواقع الناشيء في أرض العراق المجاورة وما أشبه هذين الواقعين في سوريا والعراق بالواقع اليمني أيام حكم الرئيس على عبد الله صالح في اليمن قبل ثورات الربيع العربي. قبل احتلال العراق والربيع العربي وما حصل في سوريا كان الواقع اليمني متخلفا عن الواقع الاجتماعي العربي ربما بقرن من الزمان فحكم الإئمة في اليمن حرم اليمنيين من الاستفادة من واقع الحداثة في مجمل الدول العربية فكانت السلطة المطلقة فيما عدا صنعاء القديمة للقبائل وكل في منطقته بحيث أن شيخ القبيلة هو الحاكم الفعلي على أرض قبيلته ولم تفلح الثورة اليمنية التي قامت على الأئمة في تغيير حقيقي في الواقع اليمني ولا سيما بعد اغتيال إبراهيم الحمدي الذي لو استكمل برنامجه لما كانت اليمن الآن أقل شأنا من أكثر الدول الخليجية تطورا فقد كرس صالح حكم القبيلة ولعب على المتناقضات المحلية والإقليمية ومع وجود بعض مظاهر الحداثة في مراكز بعض المدن الكبرى ولا سيما الجنوبية منها ولكن بعد مسافات قصيرة من مراكز هذه المدن تنتهي سيطرة الدولة لصالح الحكم والعرف العشائري وحتى المؤسسات الحكومية كانت تحتاج لأذونات دخول لهذه المناطق والعمل فيها من أصحاب السلطة في القبائل أي أن اليمن كانت تعيش حقبة ما قبل الدولة بمعناها المدني الذي أصبح سائدا في معظم دول العالم. لماذا كل هذا السرد وضرب المثل في الحالة اليمنية ...لقد آلت الأوضاع في العراق ما بعد الاحتلال الأمريكي الى واقع شديد الشبه بالواقع اليمني مع دموية مفرطة ردا على دموية الاحتلال حيث لا يعمل العرف العشائري والتقليد العربي العشائري المتسامح مع الآخر أو مع الضيف كما هو الحال في الواقع اليمني إن لم يكن هناك تضارب في المصالح. الآن في الحالة السورية إن استمر الدفع باتجاه ما تريده إيران وروسيا فسوف ننتهي الى واقع مشابه تماما للحالة العراقية التي أنتجها اللاعب الرئيسي على الأرض وهم المليشيات والقوى المدعومة من إيران. لقد عانت كل دول الإقليم مما آلت إليه الأوضاع في الساحة العراقية ولسنا بحاجة الى حالات مشابهة ولا سيما أن الساحة السورية إن تحكمت بها الفوضى وعمّ الانفلات الأمني ستكون أشد خطورة على دول الإقليم وحتى على أوروبا وباقي دول العالم. ما يجب أن تركز عليه الدول العربية أن الإيرانيين يعملون بغطاء تحالف دولي وليس بقوتهم الذاتية فهم دون الغطاء الدولي أعجز من أن يحافظوا على السيطرة داخل عاصمتهم طهران وهنا مكمن الخطر الهائل فمن يضمن عدم وجود مخطط لإغراق باقي الدول العربية في الفوضى التي تعم اليمن والعراق وسوريا وليبيا. هناك تفاؤل بالإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب أنها ستكون حازمة مع إيران وروسيا ولكن ما هو الثمن ومن يضمن النتائج دون وجود استراتيجية عربية واضحة المعالم للتعامل مع أخطار تهدد الدولة القطرية العربية وتهدد الأمة بأن تتحول ساحاتها الى حكم قرى أو مدن أو كانتونات غارقة في الفوضى.
    نيسان ـ نشر في 2017/01/06 الساعة 00:00