ليس جدالاً مع نائب أردني

معن البياري
نيسان ـ نشر في 2017/01/20 الساعة 00:00
صحيحٌ أن عضو مجلس النواب الأردني، طارق خوري، يمثّل نفسه، وأن ما بدر منه في جلسة المجلس، أول من أمس، تجاه جيش بلاده (قبل أن يضطرّ إلى 'توضيحه!')، وتجاه الرئيسين المصريين، المعزول محمد مرسي والراهن عبد الفتاح السيسي، خرج عن مقتضيات اللياقة واستحقاقات السياسة، فضلاً عن أنه كلام متهافت ورثّ. صحيحٌ هذا وذاك، إلا أن هذه الفعلة تؤشّر إلى مستوىً بائسٍ تقيم فيه البرلمانات الأردنية، وعموم البرلمانات العربية، منذ عقود (دعك من الاستثناءات الفردية والمواسم الكلامية إياها). كما أن الصورة التي بدا عليها خوري، وهو يتشاطر بما جادت به نباهتُه، ثم المشاجرةُ التي أعقبتها، ثم انسحاب نواب الإخوان المسلمين من الجلسة (احتجاجاً على أي الإساءتين: إلى الجيش الأردني أم إلى مرسي؟)، هذا كله يؤكّد الحقيقة التي أوضحها، بجلاءٍ علمي، المؤشّر العربي الذي أنجز (وينجز) استطلاعاته المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وهي أن ثقة المواطنين الأردنيين ببرلمانات بلدهم متدنيّة جداً، فيما ثقتهم بالجيش وأجهزة الأمن والمخابرات عاليةٌ جداً. وإذ يماثل حالهم هذا، إلى حدٍّ ما، أترابهم في معظم البلاد العربية، إلا أنهم يتمايزون في أنّهم يتصدّرون مؤشّرات الثقة العالية بالمخابرات والأمن والجيش، وفي قلة الاكتراث بالبرلمانات وجدواها. يعلن المركز العربي، بعد أيام، نتائج المؤشر العربي الأحدث، وطارق خوري وجميع زملائه مدعوون إلى مطالعته، إذ سيعرفون منه ما ربما فاتهم أن يعرفوه في نتائج استطلاعات المؤشر في الأعوام الثلاثة الماضية، الأمر الذي عزّزته مشاركة 37% فقط ممن يحق لهم التصويت من الأردنيين في اقتراع انتخاب هؤلاء في سبتمبر/ أيلول الماضي. وللتذكير، يرى 9% من الأردنيين أن البرلمان يمثلهم بشدة، و28% بدرجة متوسطة، و4% يرونه بشدة يراعي مصالح مختلف فئات الشعب، و32% يعارضون بشدة هذا القول، و5% يقدّرون بشدة أداءه في الرقابة على الإنفاق العام، و27% يعارضون هذا القول، و30% يعارضون بشدة. وليس متوقعاً أن هذه المعطيات تحسّنت تجاه البرلمان الراهن، وقد انتخب بموجب قانونٍ جديد، أزاح صيغة الصوت الواحد، واعتمد القائمة النسبية المفتوحة، فقلة التصويت (الكاشفة؟)، زيد عليها، أول من أمس، أداءٌ ركيكٌ، تبدّى في كلمة طارق خوري، الشغوف بنظام الأسد في سورية، في تشبيحٍ يتعامى عن حماية جيش النظام المذكور الحدود مع العدو الإسرائيلي ببراعةٍ مديدة، في بطاح الجولان، فيما يتذكّر النائب المذكور الجيش الأردني، ويسوق الكلام عنه استجداءً من الأميركيين دعم الموازنة الأردنية في جلسةٍ مخصّصة لمناقشتها (!)، وهؤلاء، بحسبه، جاؤوا بمرسي ثم بالسيسي ودعموهما. وهذه من فلتات نباهةٍ استثنائية، نظنّها ستزيد من أسباب ازورار الأردنيين عن برلمانٍ يضم هذا الرجل.
ثقة الأردنيين بجهاز المخابرات في بلدهم هي الأولى من بين الشعوب العربية في هذا الشأن، وهي كبيرةٌ تصل إلى 66% وإلى 23% ثقتهم إلى حد ما. ومرتبة ثقتهم بالشرطة ثانية بعد الكويتيين، وهي 70% ثقة كبيرة. وبشأن الجيش يتقدّم عليهم التونسيون واللبنانيون، وهي 73% ثقة كبيرة، و21% إلى حد ما. وتعود هذه المعطيات إلى مؤشر العام 2014، والذي أفاد بأن هذه النسب أزيد من سابقاتها في عاميْن سابقين. وما عبّر عنه الأردنيون يعكس حالة عربية، ففي الوسع القول إن المؤسسات التشريعية والتمثيلية في غير بلد عربي لا تنفكّ تقدّم شواهد تلو أخرى، تسوّغ نقصان احترام الشعوب العربية لها، وإنْ تتبدّى هذه البرلمانات شرعيةً، في عمليات اقتراعٍ لا حاجة لتزويرٍ مكشوف فيها، طالما أن ثمّة صيغاً غير قليلة لتزييف الإرادة الشعبية، منها ما احترفته أجهزة حسني مبارك في مصر، وما تفوّقت به عليها أجهزة عبد الفتاح السيسي. وطالما أن مفاتيح توجيه الرأي العام في تونس معقودةٌ، إلى حد بعيد، عند قوى الثورة المضادة، فتجعل أنفاراً غير قليلين من ناشطيها نواباً منتخبين هناك.
يسّر طارق خوري لمواطنيه الأردنيين ذخيرةً جديدة للنأي عن السياسة بمفهومها وواقعها الماثليْن قدّامهم في بلدهم، وسبباً جديدا لتزجية الوقت في دردشات 'السوشيال الميديا' عن نائبٍ منتخب فقير الخيال. أما الموازنة التي كانت تُناقش في البرلمان، وهي تتصل بعيشهم بالضرورة، فلا مطرح لها من اكتراثهم، طالما أن حال عيشهم أوضحُ من أي ثرثراتٍ، في البرلمان وخارجه.

    نيسان ـ نشر في 2017/01/20 الساعة 00:00