الأردني متهم حتى تثبت إدانته

وصفي الخشمان
نيسان ـ نشر في 2017/04/02 الساعة 00:00
اعتاد الأردني على أن يقف في قفص الاتهام منذ شاءت الجغرافيا أن تغرسه في هذه الأرض. يلوذ بالصمت حيناً ويدافع خَجِلاً حيناً آخر، يبحث عن مبررات، ثم ينسحب غالباً تاركاً من يحاججه منتفشاً كالديك من نشوة الانتصار. فالأردني هو من كان وراء سقوط خلافة الباب العالي، كيف لا وقد ثار الشوبكي والكركي على عدل 'العصملي'، وفتحا أمام 'انهيار السلطنة' باباً لم يغلق إلا بانكفاء جيش الباشاوات إلى ما وراء هضبة الاناضول.
وبذلك فإن الأردني هو من أهدى القلم والمسطرة لسايكس وبيكو لتقسيم التركة العثمانية. ولا يشار إلا إلى الأردني بأنه ناتج تلك الجلسة بين الرجلين، وكأن غيرنا قد استسل سيفه وبرى قلمه لرسم حدود وطنه.
وعندما يذكر هربرت صموئيل، فإن الأعين تتسلط على الأردني باعتبار أن الرجل قد فضلنا على من سوانا باستثنائنا من وعد بلفور، مع ترديد اسطوانة 'الوطن الظهير' و'الكيان الحامي'.
وما أن تطرح نكبة فلسطين، حتى يغطي الأردني جبهته، خشية ما سينهال عليه من اتهامات بتضييع الأرض المقدسة، وكأنه كان يملك مفتاح النصر في ذلك الأيار المشؤوم،وأخفاه عن جحافل العرب الجرارة.
وحين تذكر 'حركات التحرر' في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فيجب أن نتوارى عن الأنظار، فنحن قد كنا غارقين في 'الرجعية' و'الامبريالية' وخاضعين لقوى الاستعمار، وقد فوتنا بذلك فرصة اللحاق بركب القوى التقدمية التي حررت الممالك وحولتها لجملوكيات تصدرت التقارير العالمية للرفاه والنزاهة والتطور والعلم، (لكن من الأسفل).
ولا يفوت على الناقد المعتد بحجته أن يذكرنا بأيلول، 'عندما غطى الأحمر أرصفة الشوارع'، دون أن يجد من يرد عليه: من الذي بدأ بسفك الأحمر ونهب الأبيض والأصفر ووشح جدران المساجد والكنائس بشعارات لا تقبل بها حتى الساحة الحمراء؟ ثم ما بال الأحمر الذي سفك لاحقاً في شوارع الحمرا؟ ثم ألم يصل الرفاق الحمر بحمرتهم إلى تجاوز كل خطوطهم الحمراء نظير شيك موشحبالأحمر أو ضحكة في سهرة حمراء؟ عندها لن نسمع لذلك الناقد ركزاً.
وكما أن الأردنيين متهمون في كينونتهم السياسية، فإننا متهمون أيضاً في دموغرافيتنا، فلا يفوت المحاجج فرصة لتذكير الأردني بأنه مصطنع وخال من الانتماء فتارة هو محسوب على أحفاد آرام وكنعان، وأخرى هو امتداد للصحراء شرقاً وجنوباً، فلا يدندن أردني بأهزوجة حتى يقفز شقيق ليقول إنها من تراث بلده، ولا يمتدح طبقاً حتى ينبري له من يسوق كل الدلائل على أن هذا الطبق ليس أردني التابعية، بل ولا يفاخر الأردني بابن وطنه حتى يعمد أحدهم إلى نبش قبر الجد العاشر للمتفاخر به، لإثبات أنه قد شرب من نبع ماء في بلاد بعيدة، ثم ينظر إليك نظرة المتذاكي كأنه يقول: 'لا شك أن هذا هو سبب إبداعه'.
يرفض كارهو الأردني الاعتراف أننا جزء أصيل من هذا المحيط المتلاقح عرباً وعجماً. فمبدعونا غرباء وعلماؤنا كذلك، وتراثنا الموغل في القدم مستلب من أصحاب الحضارة، وأطباقنا التي نلتهمها مسروقة من أشقاء، حتى صار أحدنا يخشى المفاخرة بالجميد حتى لا يخرج أحدهم ليدعي شرف اختراعه، أو في أحسن الأحوال، شرف تعليم جداتنا صنعَه.
تخيلوا أن هناك من يحاول سلبنا حضارة الأنباط، تارة بالتقليل من شأنها، وتارةأخرى بسحبها شمالاً، أو جرها جنوباً، رغم أن الشمال والجنوب ما كانا يوماً إلا جناحين تحلق بهما البتراء العاصمة في سماء المجد.
جغرافيتنا متهمة أيضاً. فنحن صحراء لا ماء فيها ولا جمال، ويتناسى الشقيق أن عجلون وجرش والبلقاء تضاهي الأطلس والبرانس، وأن سهول الكرك واربد لا تقل خصوبة عن دلتاالنيل ومرج ابن عامر، ومنعرجات الطفيلة وجبال معان وحماد المفرق لا يبزها الغراند كانيون، بل إنه يتغافل عن أن صحراءنا في رم لا نظير لها على وجه البسيطة.
في وقت مضى، كان الأردني 'مكبر عقله' ويصم أذنيه عن نابحي السياسة، إما درءاً لفتنة نائمة، أو جهلاً بماضيه وماضي الآخر، وعندما كشفت الأيام عن الحقيقة، وأن الرجعية ما هي إلا التمسك بثوابت الانتماء، أصبح كثيرون يتمسحون بمن وبما كانوا يشتمونه بالأمس، وبلغت جرأةبعضهم أن نسب له الفضل في عدم انجرارنا وراء أحلام تحولت إلى كوابيس.
أما أولئك ممن يجردون الأردني من كل ما يعشق، وأصحاب متلازمة 'لولانا لما كنتم'، فالأردنيون انقسموا في مواجهتهم إلى طرفين: طرف يقر بأننا مستوردون لتراثنا كما نستورد نفطنا، وآخر يجهد في تفتيش شرايينه عله يعثر على خلية حمراء أو شقراء أو سوداء ليثبت بها أنه 'مش من هون'.
    نيسان ـ نشر في 2017/04/02 الساعة 00:00